18 September,2018

رحـيــل ”الـبـوسطـــة“ بـبـنــاء الـثـقـــة  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

13 نيسان/ أبريل 1975 – 13 نيسان/ أبريل 2016، واحد وأربعون عاماً، وأوضـــاع الحكم في لبـــــنان هي هي… تغيّرت الحياة كثيراً وأوضاع الحكـــم لم تتغيّـــــر، هذا فيمــــا الشكوى منهـــــا دائمـــــــة لا تنقطع.

المثال اللبناني أصابته تشوّهات كبيرة، ولأننا لم نكن جاهزين للسلام قبل ستة وعشرين عاماً أضحى الخوف من السلام أكبر من الحرب، لأن الحرب هي تحدي الموت بينما السلام هو تحدي الحياة…

إن اللبناني ليس في حاجة لمن يقول له بأن ازمته معقّدة، معقّدة لأنها أمست نسيجاً تتشابك فيه عوامل داخلية وعوامل خارجية متشعّبة.

لا أحد من السياسيين في لبنان يخاطب الطرف الآخر. كلهم يتحدثون الى انفسهم والكلام هو هو. لا جديد فيه إلا المزيد من استثارة الغرائز… اللعبة مستمرّة، وهي أقرب ما تكون الى لعبة الموت، لا خاتمة لها إلا الانتحار الوطني.

عمر بكامله مضى، منذ حادثة <البوسطة> الشهيرة قبل إحدى وأربعين سنة، أحبة غادرونا وكبار رحلوا من دون أي تركة فكرية.

عمر بكامله أمضيناه بالساعات والشهور والسنين، ولم نكن ندري أننا أضعنا فيه أجمل ما وهبنا إياه الله: الفرح…

عمر بكامله أمضيناه، لنعود الى اللغة الطائفية والمذهبية، الى مصير جهاز أمن الدولة، وفضائح بالجملة، وآبار جفّت أموالها على أيدي من هم مؤتمنون عليها، الى مصير جمهورية مثقوبة ومتحلّلة.

عمر بكامله مضى، ونظرة اللبنانيين الى لبنان لم تتغير.

صورة لبنان هي هي، ولو كانت واحدة لكان النظام الطائفي نفسه قد انهار بصورة تلقائية، أليس لأن اللبنانيين فريقان في النظرة الى لبنان، كانت قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف ومؤسسات الدولة؟!

ولو كان اللبنانيون متحدين من هذا القبيل، ما كانت <حقوق> الطوائف وما إليها.

عمر بكامله مضى، والمتحكّمون بمصير البلد باتوا يلعبون على حافة الهاوية، لأنهم ببساطة لا يتقنون بل لا يعرفون كيف تُستأصل أسباب الأزمة.

إن كل ما يتقنونه أو يعرفونه – لأنهم هواة في إدارة الوطن – هو التلهي بنتائج أزمة لبنان التاريخية وقشورها، يتلهون بالمراكز الحساسة ولا يتحسسون جوهر حساسيتها ومعانيها..

إن مطلب المشاركة كما كان مطروحاً قبل واحد وأربعين عاماً، وكما هو مطروح بعد واحد وأربعين عاماً، يعبّر أبلغ تعبير عن استمرار التباين في النظرة الى لبنان. ولهذا السبب كانت دعوات من بقي من حكماء الى تعميق التفاهم حول جوهر وجود لبنان ومبرّرات وجوده.

كان من المفترض أو المعوّل عليه، أن يكون النظام الطائفي أداة للوصول باللبنانيين الى حالة من الثقة المتبادلة. فمتى تأمّنت هذه، لا يعود من مبرر لهذا النظام.. فإذا بهذا الأمر يتحوّل مع مرور الزمن الى علّة انسحبت الى أرجاء المنطقة بأسرها…

أليس غريباً ألا تُطرح مسألة بهذه الخطورة إلا من الزاوية التي تضاعف مخاوف هذه الفئة أو تلك بدلاً من أن تعالجها وتحدّ منها، أي من زاوية التصميم الواضح الصريح على حرمان هذه الفئة أو تلك كل الضمانات دون أن تُقدّم لها أية ضمانة أخرى؟!…

<حينما نبحث عن البديل للنظام السياسي يجب ألا نبحث عنه في المجتمع فحسب، بل يجب أن نبحث عنه في النفس اللبنانية…>.

الكلام للدكتور حسن صعب يختصر مشكلة لبنان ويطرح مسألة النظام من الزاوية الأقرب الى جوهر هذه المشكلة.

يضيف الدكتور صعب في هذا الكلام الذي أطلقه قبل 13 نيسان/ أبريل 1975، أي قبل واحد وأربعين عاماً، ما حرفيته: <في النفس اللبنانية عقدة، إن طلابي من الجامعة اليسوعية، غالبيتهم بين 18 و20 سنة، وأتوقّع من أكثرهم على الأقل، بوصفهم من الجيل الجديد، أن يكونوا ثورة على النظام، ولكن أكثرهم يؤيد هذا النظام. لماذا؟ السبب نفسي وخوفاً على المصير…>.

إذاً، الثقة هي المسألة، هي علّة هذا النظام.

هي التي تقرّر زواله أو بقاءه، وكل ما عدا ذلك فتُرهات، ولولا المخاوف ما كان أصلاً النظام الطائفي…

والمفارقة اللبنانية، أن لبنان تمزّق طوال فترة الحرب في كل شيء، إلا في رئاسته، وبعد واحد وأربعين عاماً على بداية تلك الحرب، ها هو يتمزق في رئاسته، في رأسه، في عقله، ولا عجب إذا تملّع الجسم كله.

وليس ما نراه اليوم سوى نتيجة حتمية لتملّع الجسد، فمتى عاد الرأس، يمكن ونقول يمكن لهذا الجسد أن يستعيد عافيته تدريجياً مترافقاً مع بداية جدية لبناء ثقة بين اللبنانيين. ولعلّ خير تعبير في هذا المثل الصيني: <شطف الدرج يبدأ من فوق>…

ولكن هل سيجدونه؟ أعني شاطف الدرج؟!