10 December,2018

”رجب طيب أردوغان“ قدم المثال فهل يحتذي به لبنان؟

1
تسعة وأربعون تركياً محتجزاً لدى تنظيم <داعش> غيروا مجرى تعاطي الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> مع التحالف الجوي الأطلسي، وأخرج منه السلاح الجوي التركي بعدما طلبت <داعش> من الرئيس التركي أن يختار بين حياة التسعة والأربعين تركياً، وبين مشاركته الغارات الجوية على التنظيم في العراق وسوريا، فاختار <أردوغان> حياة الأسرى الأتراك وتسلمهم واحداً واحداً دون أن يلحق أذى بأي منهم.

   هذا يعني أن <داعش> تملك أوراقاً سياسية على الأرض، مقابل الأوراق الجوية التي يملكها التحالف الأميركي البريطاني الفرنسي ومعه الأردن وبعض الدول الخليجية.

   وفرنسا مثل تركيا، تعرضت لابتزاز <داعش>، إذ قام تنظيم جزائري تابع لتنظيم <داعش> باختطاف مواطن فرنسي في الجزائر قرب بلدية <تيزي أوزو> شمال شرقي الجزائر اسمه <اردي غوردان>. وقد أظهره شريط <فيديو> وهو محاط بمسلحين جزائريين يطلقون على أنفسهم اسم <جنود الخلافة>، ويخيرون فرنسا بين حياة هذه الرهينة وبين بقاء القوات الجوية الفرنسية في التحالف ضد <دولة الخلافة في العراق وبلاد الشام>. ولم يتأخر وزير الخارجية الفرنسي <لوران فابيوس> في الرد على هذا الابتزاز بالقول ان فرنسا مستمرة في التحالف الدولي ضد <داعش> ولن تتراجع.

   كل ذلك حدث صباح الثلاثاء الماضي، وحركة الزمن في هذه المرحلة أصبحت تقاس بالدقائق لا بالساعات أو الأيام. والآن ضد فرنسا في الجزائر، وغداً من يدري ماذا يحصل في بعض بلدان القارة الافريقية؟

   ومن حق المواطن في لبنان والدول العربية الأخرى أن يسأل عن المصير وسط ما يعتريه من هواجس نتيجة هذا الصراع الكبير بين التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبين <داعش>. وليس في الحسبان حتى الآن أن <داعش> سيستسلم كما فعل امبراطور اليابان <هيروهيتو> أمام القائد العسكري الأميركي <دوغلاس ماك آرثر> عام 1945، شرط أن لا تستخدم الولايات المتحدة القنبلة الذرية في اليابان من جديد بعدما فجرت بها <هيروشيما> و<ناكازاكي>.

   فالواحد والثلاثون ألف مقاتل في تنظيم <داعش>، وهم في ازدياد بعد ظهور آلاف المتطوعين الجدد، معبأون ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وغير وارد أن يتعرضوا للانشقاق، وجاهزون للرد. والقصف الجوي للتحالف الأطلسي والخليجي ضد مقاتلي <داعش> في العراق وسوريا يرسل حممه وصواريخ <توما هوك> و<كروز> بلا توقف بدءاً من منطقة <الرقة> ومنطقة ادلب في سوريا، وأراضي الموصل في العراق، ويعتقد الرئيس الأميركي <أوباما> أنها مسألة أسابيع، ويختفي من الخريطة شيء اسمه <داعش>.

   وحتى صباح الثلاثاء الماضي، حسب قول مراسل <بي بي سي> في دمشق عساف عبود، لم يصدر أي رد من قبل السلطات السورية على القصف الجوي لمنطقة <الرقة> وجوارها في سوريا، ولم يحصل أي استئذان لهذا القصف، ولن يحصل. وهكذا تثبت الشرعية الدولية أنها أقوى من الشرعية المحلية، ولا تستطيع السلطات السورية أن تعترض على مقاومة الارهاب، وإلا أصبحت جزءاً من مكوناته. وهذا ما قاله الرئيس بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي وهو يستقبل رئيس وزراء العراق حيدر العبادي.

   وما يعنينا هنا هو لبنان واللبنانيون، ومدى تأثير الصواعق الجوية الآتية من طائرات التحالف الدولي الى الأراضي السورية.

<أردوغان> قدم المثال وجنبلاط على خطاه

2

  عندنا هؤلاء العسكريون المخطوفون من خط القتال في عرسال، وهم أغلى عندنا من أشفار العيون. كما أن دمعة أمهات هؤلاء الجنود المخطوفين عزيزة علينا، وتمس شغاف القلب. ولا أحد يستطيع أن يعترض على قطع الطرقات وإشعال الحرائق على طول هذه الطرقات. فالجمرة لا تصيب إلا صاحبها. ولكن لا بد لهذا الويل المتواصل من نهاية، وحكومة الرئيس تمام سلام بين أمرين أحلاهما مر، الأول التفاوض مع الخاطفين والاستجابة لطلباتهم، والثاني اللجوء الى المواجهة العسكرية بدءاً من جرود عرسال. فلا يحل الحديد إلا الحديد. ولكن ماذا سيحصل بهذه المواجهة؟! ومن يضمن عدم إقدام تنظيم <داعش> أو تنظيم <جبهة النصرة> التي أعدمت الجندي محمد حمية رمياً بالرصاص، على إعدام أو ذبح ضحية أخرى بين العسكريين؟

   لقد واجه رئيس تركيا <رجب طيب أردوغان> مثل هذا الخيار الصعب لتحرير المواطنين الأتراك التسعة والأربعين المحتجزين لدى <داعش>، فاختار حياة وحرية الرهائن، مقابل عدم انضمامه الى التحالف الدولي ضد هذا التنظيم، وإمطاره بالقنابل والصواريخ من الجو والبحر.

   وقد تولى الزعيم وليد جنبلاط خلال جولته في منطقة العرقوب تقديم <الروشتة> المطلوبة لخروج الدولة اللبنانية من مأزق الرهائن الموجودين عند <داعش> و<جبهة النصرة>، أي اختيار القضايا الأقل صعوبة بالنسبة للموقوفين الاسلاميين في سجن رومية، وحلها قضائياً بسرعة، وتناول باقي القضايا بما يسمى المعجل المكرر. وهكذا اتفق مع العماد ميشال عون حين زاره داخل منزله في شارع كليمنصو. ولكن السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله الشريك في الحكومة، وهو يطل ليل الثلاثاء الماضي في وقفة تليفزيونية، أبدى اعتراضه على أي تفاوض مع التنظيمات الارهابية، حتى لا يصبح ابتزاز الدولة سيرة مستمرة. وهذا هو رأي غالبية أعضاء مجلس الوزراء.

   وفي هذا المأزق لا بد من اللجوء الى الضغط الاقليمي، ولاسيما تركيا وقطر. فالرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> بعد خروجه من التحالف الجوي الأطلسي ضد <داعش> في سوريا والعراق، أصبح أقرب الى التفاوض مع تنظيم <داعش> وأصبحت الخطوط مفتوحة بين الطرفين، وبتوجه الرئيس تمام سلام الى تركيا بعد عودته من نيويورك، ومعه اللواء عباس ابراهيم مدير عام الأمن العام الذي أصبح على دراية كاملة باللغة الديبلوماسية التركية، يمكن أن يفتح كوة في النفق المظلم، وينقذ أعناق الجنود اللبنانيين المخطوفين في مرتفعات عرسال.

سلام في نيويورك

   هذه البادرة الديبلوماسية مع تركيا، ومثلها مع دولة قطر، يمكن أن تفضي الى نتيجة ايجابية، لأن اللجوء الى المواجهة في مرتفعا

ت عرسال سيكلف لبنان دماء وضحايا، بغض النظر عن النتائج التي ستسفر عن هذه المواجهة.

   وللرئيس تمام سلام وهو يشارك في الدورة الجديدة لهيئة الأمم في نيويورك، ويقيم اتصالات مع رؤساء الدول المشاركة في الدورة، دور في اطفاء جذوة الحريق الذي أحدثه خطف الجنود اللبنانيين وقتل ثلاثة منهم حتى الآن. وكذلك لإيران المتمثلة بوزير خارجيتها <محمد جواد ظريف> دور في إطفاء هذه الأزمة. وقد اجتمع ليل الأحد الماضي داخل فندق <وولدورف ايستوريا> في نيويورك مع وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> واسترسل الاثنان في الكلام. وتأثير إيران على <داعش> و<جبهة النصرة> أصبح مكفولاً بعد الانقلاب الصامت الذي قاده الحوثيون حلفاء إيران في اليمن وأطاحوا برئيس الوزراء أحمد سالم باسندوة.

   صحيح أن لإيران عدواً اسمه الارهاب، ولكن للإيرانيين في القناة الديبلوماسية دور في التخاطب مع التنظيمات الاسلامية المتشددة، وجلسة للرئيس تمام سلام مع وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف> قد تعود بالفائدة على لبنان، خصوصاً وأن <ظريف> عقد اجتماعاً في <وولدورف إيستوريا> أيضاً مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، ولا بد أن يكون الاجتماع قد أسفر عن نتائج في صالح المنطقة ولبنان.

   لقد أصبح الرهان على التواصل السعودي ــ الإيراني أساساً لتفريج أزمة انتخاب رئيس جمهورية في لبنان، رغم ما أعلنه <ديريك بلامبلي> الممثل الشخصي للأمين العام لهيئة الأمم <بان كي مون> في لبنان. فقد قال <بلامبلي> لجريدة <النهار> صباح الثلاثاء الماضي: <لا ينبغي على اللبنانيين انتظار اكتمال عملية معينة بين السعودية وإيران حتى يكون لهم رئيس جمهورية، بل يتعين عليهم تحمل مسؤولياتهم في هذا الموضوع>.

3

 

   واضاف <بلامبلي>: <آمل أن يتقاسم اللبنانيون مصيرهم بالوحدة الوطنية المتمثلة في حكومة الرئيس تمام سلام، وأن يعيدوا مقاربة الأمور والمضي قدماً في الحوار>.

   والعين الآن على نيويورك حيث ينعقد اليوم الجمعة 26 أيلول (سبتمبر) الجاري في هيئة الأمم بإشراف الأمين العام <بان كي مون> لقاء وزراء خارجية المجموعة الدولية لدعم لبنان بحضور الأعضاء المؤسسين للمجموعة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وألمانيا وايطاليا، بانتظار أن ينعقد في ألمانيا على مستوى الرؤساء، ويتولى التركيز على مسألة النازحين السوريين الى لبنان والأردن وتركيا.

   وهذا اللقاء سيحضره اليوم وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، ويلقي كلمة لبنان بعد التفاهم عليها مع الرئيس تمام سلام، وسيطلب الوزير باسيل من أهل هذا اللقاء دعم لبنان عسكرياً، ودعمه ديبلوماسياً وانسانياً واقتصادياً في مواجهة هذه الجحافل من النازحين السوريين، مبدياً عدم قدرة لبنان على استقبال المزيد من النازحين، وداعياً الدول المانحة الى صرف المبالغ المالية المقررة للبنان في مسألة التعاطي مع النزوح السوري، لأن الحاصل حتى الآن مجرد كلام في كلام.

   وخلال وجوده في نيويورك توضحت الصورة الدولية أكثر في منظار الرئيس تمام سلام، وأصبح على دراية بالدولة التي تصدق القول، والدولة التي تنتمي الى علم الكلام أو <الكلامولوجي> ولا يملك إلا أن يردد قول الشاعر: <جزى الله الشدائد كل خير/ عرفت بها عدوي من صديقي>.