14 November,2018

راقبوا ماذا دار في ”أوسلو“ بين جيفري فيلتمان و بثينة شعبان!

1 البلد بلدنا. والأهل أهلنا. وكل شبر من أرض هذا الوطن أغنى من كنوز الدنيا. الانتحاري في ضهر البيدر إنذار بالتربص بأمن البلد. وانتحاري ليل الاثنين في مستديرة شاتيلا، عند مدخل الضاحية الجنوبية، إنذار آخر باستهداف الأمن. والتدابير الأمنية الاحترازية، مهما بلغت من الدقة والحرفية لا تكفي وحدها لدفع الشرور عن هذا الوطن، بل هناك الأمن الأكبر الذي هو تكاتف اللبنانيين جميعاً في وجه ما يتهددهم من أخطار. وأول هذا التكاتف، ذهاب النواب الى جلسة انتخاب رئيس جديد للبلاد، وإنقاذ كرسي رئاسة الجمهورية من الشغور.

    والأرقام الصعبة هي مالكة القفل والمفتاح، بغض النظر عن التأثيرات الاقليمية والدولية التي لا يمكن اسقاطها من الحساب. إلا ان اتفاق اللبنانيين على توليد رئيس جديد يضع القوى الاقليمية والدولية أمام الأمر الواقع.

   فمن هي الأرقام الصعبة؟

   نبدأ أولاً بالرئيس نبيه بري. هذا الرجل يسمى الآن بحارس المرمى. فعنده يلتقي كل الأضداد. هذا موفد من الدكتور سمير جعجع، وذاك موفد من العماد ميشال عون، وثالث موفد من الزعيم وليد جنبلاط، ورابع موفد من البطريرك بشارة الراعي. والرئيس بري قادر على تدوير الزوايا، وجعل الذئب والحمل يسيران في قطيع واحد. فهو الحليف المدلل لحزب الله، والصديق الصدوق لوليد جنبلاط، وغير المجافي للعماد ميشال عون، وبينه وبين الرئيس سعد الحريري، رئيس أكبر كتلة برلمانية، حبل تواصل ورباط ود. وفي تصوره ان انتخاب الرئيس الجديد للبلاد ممكن ولكن ليس الآن، وفي هذه العجالة.

   وعبارة <ليس الآن> آتية من التكوين الحزبي في بريطانيا. فحزب العمال الذي يرئسه <أد ميليباند> يطالب باصلاحات جذرية، وحزب المحافظين الحاكم بزعامة <دايفيد كاميرون> ليس ضد الاصلاحات التي ينادي بها حزب العمال، ولكن ليس.. الآن.

   ثاني الأرقام الصعبة هو الرئيس سعد الحريري الذي يوزع إقامته بين الرياض وجدة وباريس التي التقى فيها مؤخراً الزعيم وليد جنبلاط، بعدما كان قد التقى موفده وزير الصحة وائل أبو فاعور، غير مرة. وكلمة الآن من سعد الحريري يمكن أن تفتح باب البرلمان لانتخاب رئيس جديد. وهو، على سبيل المثال، يستطيع إذا انتهت محادثاته الشفهية وبالواسطة مع العماد ميشال عون، أن يأتي بميشال عون رئيساً للجمهورية، باعتبار أن الاثنين زعيما أكبر كتلتين نيابيتين، ولهما من الحلفاء ما يكفي لتأمين الخمسة والستين صوتاً لإرسال الدخان الأبيض علامة انتخاب الرئيس. والعماد عون يطلب من الرئيس الحريري أن يقولها، مجاهرة، أو مراسلة، وحتى من غير صوت، وإذا قالها التف الوشاح الرئاسي على صدر ميشال عون.

تكلم يا حريري!

   والرئيس الحريري في غير الوارد أن يقولها الآن. فثمة اعتبارات محلية واقليمية ودولية لا بد أن تواكب كلمته في هذا المجال. وقد قالها الرئيس صائب سلام، طيب الله ثراه، وتولى تدوير الزوايا مع الرئيس كميل شمعون في فندق <فاندوم> بيروت عام 1970، فجاء وزير الاقتصاد سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بأكثرية صوت واحد، وهذا الصوت الواحد كان صوت الزعيم كمال جنبلاط اكراماً لحليفه الاتحاد السوفييتي الذي قامت قيامته لاتهام سفارته في بيروت بسرقة خريطة طائرة <الميراج> الفرنسية.

   ولأن سعد الحريري هو القوة الوازنة في انتخابات رئاسة الجمهورية، ويناصر فكرة الرئيس الوفاقي، فقد أحب وليد جنبلاط وهو يزوره داخل دارته في باريس، أن يسوّق مرشحه هنري حلو كرئيس وفاقي. لم لا؟!

   وحسابات سعد الحريري تأخذ بعين الاعتبار تحالفه مع رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع. فإذا اختار للرئاسة العماد ميشال عون أضاع حلفه مع سمير جعجع وأحدث هزة في أوصال قوى 14 آذار، وهو حريص على هذه القوة وانبثاقها من ثورة الأرز التي رفعت شعار المطالبة بدم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا أغلى من هذا الدم عند سعد رفيق الحريري.

3

   أما اتجاهه الى تأييد مرشح توافقي فلا يمكن أن يكون له مكان، إلا إذا قرر سمير جعجع الانسحاب من المعركة تأييداً لأي مرشح وفاق يأتي، وهو لا يرى أن هذا المرشح الوفاقي ينطبق على العماد ميشال عون.

 

   كذلك فعلى سعد الحريري أن يدرس العلاقة المطلوبة بين هذا الرئيس الوفاقي والقوى المؤثرة اقليمياً مثل المملكة السعودية وإيران، أو المؤثرة دولياً مثل فرنسا والولايات المتحدة، وروسيا، وهي دول مشغولة الآن بأحداث أوكرانيا، وأحداث العراق، وكذلك أحداث سوريا التي يبدو أنها نفق طويل بلا مخرج واضح.

   وفي هذا الباب لا بد من التنبه الى ما قاله زعيم <المردة> سليمان فرنجية للإعلامي سعيد غريّب في برنامج <مختصر مفيد>، وهو أن للرئيس السوري بشار الأسد دوره في اختيار شخصية الرئيس اللبناني الجديد، وما دام هذا الأمر لم يتحقق فليس في الأفق رئيس لبناني جديد.

بثينة شعبان في <أوسلو>

   وهنا يتعين أن نسلط ضوءاً كثيفاً على زيارة قامت بها مستشارة الرئاسة السورية بثينة شعبان لمملكة النروج بدعوة من وزارة ال

   بمن إلتقت بثينة شعبان؟خارجية النروجية للمشاركة في مؤتمر العاصمة <أوسلو> بالتعاون مع مركز الحوار الانساني، بحضور شخصيات لها وزنها في حل النزاعات، وصاحبة دور مهم في مسارات السلام. صحيح ان النروج ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، ولكن لها حسبانها في العلاقات الأوروبية.

   أولاً بمضيفها وزير خارجية النروج <يورغي بليندا> والرئيس الأميركي الأسبق <جيمي كارتر> مهندس اتفاقية <كامب دايفيد>، ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية <جيفري فيلتمان> الذي كانت لها معه اجتماع مطوّل دعاها فيه الى وقف الضربات الجوية التي تسقط البراميل المتفجرة، والانحياز الى الحل السلمي الذي نص عليه اتفاق جنيف الأول عام 2012.

   صحيح ان <فيلتمان> محسوب الآن على هيئة الأمم، إلا أنه يبقى ركناً أساسياً غير معلن في السياسة الخارجية الأميركية، ومن هنا تأتي أهمية اجتماعه بالدكتورة بثينة شعبان التي شملتها العقوبات الدولية ومنعت زياراتها لدول الاتحاد الأوروبي، ولكن النروج ليست من دول هذا الاتحاد، وتعتبر ثغرة أوروبية ودولية مفتوحة لصالح النظام السوري.

   لم يرشح حتى الآن ما آلت إليه محادثات بثينة شعبان مع <جيفري فيلتمان>، إلا ان وزير الخارجية النروجي <يورغي بليندا>، الذي استضافها يلعب الآن دوراً في ترطيب الأجواء بين الا

2

تحاد الأوروبي وسوريا، انطلاقاً من مقدمات لا بد منها لازالة العقوبات الاقتصادية والديبلوماسية، خصوصاً وان النروج هي صاحبة الفضل في اتفاق <أوسلو> الذي تم توقيعه عام 1994، بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء اسرائيل الراحل <اسحق رابين> وترؤس عرفات للسلطة الفلسطينية من مدينة رام الله.

   صحيح ان ياسر عرفات بعد اغتيال <رابين> كان شبه أسير لاسرائيل في رام الله، إلا ان اتفاق <أوسلو> هو مفتاح المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية المعتمد حتى الآن.

   ولا بد لآثار مؤتمر <أوسلو> الذي حضرته بثينة شعبان، وحاورت فيه <جيفري فيلتمان> أن تطبع المرحلة السورية الجديدة، ولا يمكن أن يبقى الوضع السوري على حاله..

   نعم رئيس جمهورية جديد، ولكن على طريقة حزب المحافظين البريطاني، ليس الآن. ولكن الى متى؟!

   أغلب الظن ان المجلس النيابي الذي سيعتمد التمديد أربع سنوات جديدة، حتى عام 2018، هو الذي سيكون له شرف انتخاب الرجل الذي يشغل كرسي الرئاسة في قصر بعبدا، وهو الكرسي الشاغر الذي ينظر إليه البطريرك بشارة الراعي بحرقة لأن هذا الشغور يخل بالميزان الميثاقي، فمقابل رئيس شيعي لمجلس النواب، ورئيس سني لمجلس الوزراء، لا بد أن يكون لكرسي الرئاسة ماروني، وإن كان رئيس كل اللبنانيين.

   وكلما تزايدت أعمال الانتحاريين والسيارات المتفجرة كلما مالت الكفة لصالح التمديد لمجلس النواب، لعدم مواءمة ظروف البلاد الأمنية مع إجراء انتخابات نيابية جديدة، ولاسيما في البقاع ومنطقة الضاحية الجنوبية وطرابلس وعرسال.

   وكلما وقع انفجار أو حادث أمني من الآن فصاعداً، كلما أيقن المواطن اللبناني أن الانتخابات النيابية أصبحت في خبر كان، فماذا لو أضفنا التهديدات الأمنية التي يشكلها مقاتلو <داعش> واقترابهم من الحدود الأردنية والحدود السورية ــ التركية في الشمال عند بلدة <البوكمال>؟ وماذا لو تكونت لدينا القناعة بأن وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> لم يحصد من زيارته لبغداد يوم الاثنين الماضي إلا… الخيبة، وانه لم يطلب من رئيس اقليم كردستان مسعود برزاني الانضمام الى مقاتلة قوات <داعش>. وهكذا قال البرزاني بعد لقائه وزير الخارجية الأميركي، وعليكم أن تقرأوا ما بين السطور!

   في النتيجة: البلد بلدنا والأهل أهلنا وكلنا أبناء بيت لبناني واحد، وعلى هذا الأساس ينبغي أن نواجه كل عاصفة!