21 September,2018

راشــانـــــــا ”الـقـمــــة الــصـغـيـــــرة“ أنـــــجـبــت قـمــمــــــاً فــي الــــنـحـت والـفـنون... و”الـورشة“ مستمرة!

بقلم عبير انطون

2-b

ضيعته يحفظها في قلبه وفي اسمه الذي استعار والده النحات الكبير ميشال بصبوص حروفها ليطلقها (بالمقلوب) عليه فيحملها معه اينما حل. اناشار بصبوص، سر أبيه في التميز، مع اصرار على الاختلاف و<نحت> هوية فنية خاصة عرّفنا بها في هذا الحوار الجميل مع حديث عن <البصابصة> ميشال والفرد ويوسف، ومتحف الهواء الطلق المفتوح اليدين الى الاعلى في منحوتات تتأرجح ما بين زرقتي السماء والمتوسط…

 عن راشانا و<مشروع ارض الفن> وعلاقة النحت بالهندسة الحديثة دار حوار <الافكار> مع اناشار ابن النحات والشاعرة (تريز عواد) والمنتشرة منحوتاته بموادها المختلفة في اكثر من بلد، واستهليناه بالسؤال:

 ــ راشانا <النموذجية> متحف طبيعي في الهواء الطلق، وفيها ما يفوق الـ1500 منحوتة مزروعة في زواياها ما يجذب المهتمين بالفنون والطبيعة الساحرة والكثيرين من السواح، لماذا لا تذكر من ضمن المعالم السياحية في الحملات الدعائية حول لبنان؟

– تتجهين بالسؤال الى الجهة الخطأ. انا أطرح السؤال عينه، ومن المفروض ان نسأل وزارة السياحة او الثقافة او المعنيين بالأمر مباشرة.

ــ ماذا عن ارشيف الوالد ميشال بصبوص وهل هو مجموع وموثّق؟

– نعم، الارشيف موجود في <جامعة الروح القدس> في الكلسيك وكل ما يتعلق بميشال بصبوص من صور ومكاتيب ورسائل وما خص المنحوتات والرسومات التي تركها موثق ومنظّم، وهذا الارث عظيم ليس لجانبه الفني فقط بل لكميته ايضا. ومن الجيد ان الطلاب، وتحديدا في فروع الهندسة والفنون، يستفيدون منه وذلك في الجامعات الأساسية في لبنان والذين يقدمون اعمالهم حول راشانا ومتحفها واعمال <البصابصة>.

ــ في تموز/ يوليو الفائت اقمتم لطلاب ست جامعات لبنانية اساسية <Rachana Land Art Festival> وهو مشروع استثنائي. ما تفاصيل المشروع واهميته؟

– يتمحور المشروع حول <فن الأرض>، وهو بالدرجة الاولى معاطاة مباشرة مع الطبيعة من قبل المشاركين بحيث ان الطالب في الفنون او الهندسة يختار بقعة معينة، في الوادي او عند سفح الجبل في الكرم او عند البيدر في راشانا فيعمل من ضمن هذه البقعة والمواد الطبيعية الموجودة فيها، اي في مختلف ما تقع عليه يداه، وقد تفرض هذه عليه الشكل وطريقة العمل، فيستفيد مثلاً من اغصان الشجر او مخلفات ما مر بهذه الطبيعة من جرارات زراعية او جرافات الخ، ويطوعها لعمل فني يستخدمها فيه، فيعبر عن فكرة او مفهوم معين، وهذا ما نسميه <تجهيزاً>. ويمكن لبعض الاعمال ان تتفكك لأنها من الموارد الطبيعية كما ذكرت، كعمل لجامعة الالبا بحيث تم استخدام اوراق الشجر.

ــ هل سيكون هذا <المشروع> سنويا في راشانا للطلاب؟

– نعم. اردنا من خلال هذا العمل ان نجدد عند الشباب العلاقة مع الطبيعة ومع موادها المختلفة بعد ان أصبح كل شيء يتم نظرياً. فهم لا يتلمسون المواد ولا يتحسسونها بين ايديهم كما يجب. العلاقة المباشرة مع الطبيعة عاشها جيلنا (مواليد عام 1969) اما الجيل الجديد فبعيد عنها كل البعد. والى الجانب الفني، نجمع الجانب البيئي، والهدف الأسمى يبقى العودة الى الطبيعة، الى المادة النظيفة، وهذا الموضوع يؤتي ثماره لدى الطلاب وقد عملوا على فكرة الحفاظ على البيئة وهي همّ أساسي في عصرنا..

ــ تحدثت عن تجربتك الشخصية، كيف كانت طفولتك في راشانا؟

– انا عشت في قلب الطبيعة. السبعينات والثمانينات قضيتها فيها… مرحنا، ألعابنا كانت من الطبيعة وفيها. حياتنا امتزج ايقاعها مع مواسم الزيتون، ومواسم الفاكهة، والمنتجات المختلفة. اولادي عاشوا ايضا معي لفترة في راشانا وتعلقوا بالطبيعة. <مشروع آرت لاند> الذي تحدثنا عنه ممكن ان يوقظ من جديد هذا الحب للأرض.

ــ هل سيصبح العيش في الطبيعة و<على الطبيعة>، والاهتمام بموادها ومواردها، والنحت من صخورها <ترفاً> في المستقبل، في حين ان الجميع منغمس بالمدنية وتقنياتها والركض خلف لقمة العيش؟

– التاريخ علمنا انه لا يسير الى الخلف ولكل عصر خصوصياته التي يجب تقبلها والتأقلم معها، فلكل حقبة موسيقاها وآدابها وفنونها وعمرانها..

جلباب ابي

ــ اثر الوالد ميشال بصبوص بك الى حد كبير، علما انك فقدته باكراً وانت في ربيعك الحادي عشر، وعلى الرغم من ذلك تقول انك تطلبت وقتا حتى تخرج من تأثيره لتشكل هويتك الفنية. لماذا؟

– تطلّب الامر وقتاً لأن الانسان بحاجة اليه حتى يجد طريقه وهويته، وليخرج مما هو متأثر به، وكيف بالحري لولد هو ابن ميشال بصبوص؟ الامر ليس سهلا لشخص مثلي عاش في بلدة وبيت وحديقة تعج بالمنحوتات. هذه المنحوتات كانت قبلي، سبقتني الى العيش هنا، اذ انها تعود للخمسينات اي قبل ولادتي باعوام طوال. راشانا الفنية وصلت قبل <اناشار> بكثير، ولا تنسوا ان تأثير ميشال بصبوص لم يكن فقط على اخوته وعائلته انما على الساحة الفنية في البلد والمنطقة منذ انطلق في مرحلته الكلاسيكية في الخمسينات وصولا الى مرحلة التجريدي كلها.

ويزيد اناشار قائلاً:

– حتى في الجامعة يجد الطالب نفسه متأثراً عن غير عمد ربما، بما يحبه. وحتى يجد طريقه يلزمه مراكمة التجارب. لا يمكن للفنان ان يشبه غيره حتى ولو كان والده. الفن كالبصمة تختلف كليا من شخص الى آخر. والفنان ايضا ابن عصره، لا يقطع الاوصال مع الماضي لكن يكمل بطريقته، باسلوبه. في <ارض الفن> كانت اعمال الطلاب تشبههم، تشبه عصرهم وتفكيرهم، ولولا ذلك ما من قيمة لخوض هذه التجربة معهم ولا مبرر لها.

1-b ــ في اي اطار يمكن ان تضع هويتك الفنية، اين يكمن تميّزك؟

– ما ساعدني لتشكيل هويتي الخاصة هو المجالات المتعددة التي خضتها. فانا بدأت بدراسة الهندسة المعمارية، سافرت الى فرنسا فدرست في (Ecole Nationale Supérieure des Arts et des Métiers d’Art) وتخصصت بما يعرف بـ<Sculptures Murales> كما عملت لفترة في الموزاييك، ومن ثم اندفعت الى النحت، وهذا التنقل فتح لي أبوابا عدة ساعدتني في عملية <التحرر> من الارث الكبير.

ــ كان ميشال بصبوص معروفا في اعماله ببصمة خاصة وبهذا التوق بمنحوتاته نحو الاعلى <Aspiration> هل من خاصية لديك؟

– ليست هوية بقدر ما يمكنني القول انها نافذة على اعمالي. فأنا متأثر بـ<النحت- هندسة> خاصة في الهندسة الحديثة، كالذي رأيناه في <لوفر ابو ظبي> مؤخراً مثلاً، او في اعمال المهندسة العراقية الراحلة زها حديد وغيرهما. هنا النحت والهندسة اقتربا من بعضهما وكأن الهندسة تدخل ارض النحت وفي بعض الأحيان يحصل العكس. وهذان الاختصاصان لانهما متعلقان بالفضاء ولهما نقاط مشتركة كثيرة، فانهما متقاربان جدا من حيث العلاقة بالمواد والأشكال والأحجام وعلاقة النور والشمس والضوء الخ…

ــ ربما البعض ينتقد فيك هذا الجنوح الى الاشكال الهندسية في منحوتاتك، وبرأيهم يمكنك بلوغ افاق اخرى اكثر دهشة. ما رأيك بذلك؟

– لا اعتقد هذا انتقاداً لي بل على العكس ارى فيه نقداً ايجابياً. العمل على منحوتات هندسية يفتح لي مكانا للتجديد في عالم النحت، وما اقوم به في غالبية الاحيان هو تركيب اكثر مما هو نحت، وانا افضل الحديد على الحجر لأن فيه <عمار> تركيب <construction> فيما فعل النحت، حتى لغويا، هو <قشر المادة، بريُها، بغية اعطاء شكل معين> بمعنى انه <تفريغ> مادة من المادة عينها لتكوين شكل. في ايقاعي الداخلي انا اميل أكثر صوب <العمار… بقطش… بشقف… واعيد التركيب> حتى احصل على الحجم المراد بالأبعاد الثلاثة. ولو يتم استحداث او ايجاد كلمة توحي بالمعنى الادق لما اقوم به من حيث انني <اركب واعمل في النحت> فإن استخدام هذا المصطلح سيوحي بشكل افضل ما انا عليه.

ويزيد اناشار قائلاً:

– حتى ان ما يميز عملي في الرخام أو حتى في الحجر، هو ان الناظر اليه يرى نصف المنحوتة والتتمة اركبها تركيبا، وهذه تأتي بعد سياق طويل في الابحاث والاشكال الهندسية من البسيطة الى المركبة. ما اريده للناظر الى منحوتتي ان يسمع موسيقاها، وقد تكون صاخبة او هادئة، او جامعة للاثنين. النحت عمل موسيقي للعين، والعمل الفني يقرأ بالاحساس اولا من ثم في الفكر. لا تحاولوا ان تفهموا العمل الفني، اشعروا به اولا وفهمه يأتي في مرحلة لاحقة. تمتعوا بالموسيقى الفنية في اي عمل نحتي او غيره. وما يميز عملي ايضا انني لا ابحث عن تصوير اي شيء مباشر، ولا اجرب امرا يشبه آخر.

ــ تحدثت عن الهندسة – والنحت وعلاقتهما ببعضهما خاصة في الهندسة الحديثة. هل من نماذج على هذه الهندسة في ابنية حديثة في بيروت بغير اعمال زها حديد؟

– في بيروت العديد منها اعطي كمثال مبنى الجامعة اليسوعية -المتحف الذي صممه صديق لي كان في الالبا معي يوسف طعمة، انه تحفة نحتية – هندسية رائعة. هناك اعمال بيرنار خوري أيضا. انا اقرب لهذا العالم واتفاعل معه اكثر من عالم زملائي النحاتين او الرسامين.

ــ الإرث قد يشكل <حملا> او <ظلما ما> للابن مهما تميز حين يكون والده معلما في مجاله فلا تكف المقارنة او النقد مع انجازات السلف. هل يثقل ذلك عملك؟

– صحيح يبقى بعض الظلم في الفترة الاولى، وصعوبة في الثبات بمكان معين، لكن تبقى هذه مرحلية لانه لا بد للفنان الحقيقي ان يجد طريقه الخاصة، وقد يكون في الامر لذة. شخصيا اعيش ذلك بشكل دائم، وسأشرح الامر: انا مثلا في الاعمال التي انجزها وتستقر في راشانا الى جانب منحوتات الوالد اقيم حوارا شبه دائم من خلال المنحوتات ما بين عملي وعمل والدي، وادرس من خلالها سير تطوره هو، وتطوري انا، فاعرف باي نمط تأثر وكيف تتطور والى اين وصل. من خلال اعمال والدي عرفت كم كان صادقا بفنه، يعكس حياته وتجاربه وحالاته. الفنان لا يمكن ان يكون غير صادق لأن اعماله تنبع من داخله، مما مر ويمر به، ولذلك يأتي فريدا لا يشبه آخر لأن ما من تجربة انسانية مطابقة لأخرى. مع البصابصة، يبقى الحوار قائما بين الماضي والحاضر، وهذه رغبة ميشال ان تبقى راشانا <ورشة> دائمة. كان يحب هذه الكلمة ويرددها لدلالاتها على العمل الدائم والتطوير. فهو لم يرد لراشانا ان تبقى متحفاً جامداً، بل ان يكون الزائر امام منحوتات جديدة دوما فيعود الى الماضي ويلاقي الجديد ويكتشف السر الذي يجعل هذه المنحوتات راسخة في قلوب من يزورها.

ــ هل من <بروفايل> نمط نفسي خاص للنحات، بمعنى هل يتطلبه ان يكون صبوراً او هادئاً او جلودا حتى يتعامل مع المادة الجامدة؟

– ما من <بروفايل> خاص بالنحات ولا بالفنان بشكل عام. فالبعض طبعهم ناري واخرون هادئون. انظروا جان خليفة، بول غيراغوسيان واصدقاء الوالد جميعهم. لكل فيهم طبعه الخاص. الاساس هو كيفية ترجمة الاحساس في العمل او اللوحة او غيرها من الاعمال الفنية. البراعة تكمن في مدى قدرة الفنان على الدخول الى ذاته، واكرر ان يكون صادقا مع نفسه فلا <يلطش> من هنا او هناك بل ان يكون هو. في اعمال ابي، ارى شخصه، وجهه، قامته، وهذا يدل على مدى صدقه مع ذاته. لقد سكب نفسه في منحوتاته، وانا تعرفت عليه من خلالها بعد ان فقدته بعمر الـ11 عاماً.

ــ وميشال بصبوص الصغير، ابنك، هل دخل عالم الوالد والجد ايضا في النحت؟

– لا، لكنه قام ببعض التجارب معي وقد اتخذ قراره بدراسة الهندسة الميكانيكية ودخل الجامعة الاميركية، الا انني اراهن بأنه سيعود يوماً الى هذا العالم ليس بالضرورة كنحات محترف بل كهاو له محترفه في هذا المجال.

ــ هل اخذ الوالد ميشال حقه برأيك خاصة وان منحوتاته تزين غالبية المقرات الرسمية اللبنانية من القصر الجمهوري الى مصرف لبنان ووزاراتي السياحة والثقافة ومتاحف المدن الكبرى من حول العالم؟

– للصراحة لا، علما انه في العصر الذي عاش فيه، اي في عز الستينات والسبعينات كان النحات الابرز ليس في لبنان فقط بل في كل الوطن العربي. في العام 1981 رحل عنا ومن حينها لم ينظم اي حدث ذي اهمية له، وكل ما تم القيام به من متحفه في راشانا الى الحديقة والمعرض الاستعادي لمنحوتاته منذ ثلاث سنوات في الذكرى العشرين لغيابه والكتاب حوله، كل ذلك كان بمبادرة شخصية.

ــ هل تؤثر عوامل الطبيعة على المنحوتات في رشانا وهي في الهواء الطلق وبعضها يعود الى الخمسينات؟

– تؤثر على الحجر (oxydation) لكنها تجعله أجمل… تزيد من قيمته وروعته.

ــ ما جديدك المقبل وأين تعرض اعمالك؟

– أحضـــّر لمعــــرض كبير في غـــــاليري صـــــالح بـــــركات في الربيــــع المقبل، وهناك اعمال لي معروضة بشكل دائم في غاليريهات اخرى فتحل واحدة مكان الأخرى بعد بيعها، وفي الخارج لي ما هو معروض ايضا كدبي وغيرها.

ــ وما الاسم الذي سيحمله معرض الربيع؟

– حتى الآن لم اختر له اسما، علما انني وكما الوالد من قبلي لا نرغب في ان نعطي المنحوتات او المعارض اسماء محددة حتى لا يأتيها الزائر من باب عنوانها فنسلبه حرية التفكير بما يستوحيه، وبالمقابل اعرف ان الاسم يجذب احيانا ويكون عاملاً مساعداً، سوف نقرر ونعلمكم..