21 November,2018

رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني في الذكرى السابعة والعشرين لولادة ”اتفاق الطائف“:  ”اتفاق الطائف“ وليد حوارات منذ ولادة الكيان اللبناني وهو وفاق لبناني وعربي ودولي وليس عنه بديل

 

بقلم حسين حمية

1-(3)------1

تمر الذكرى السابعة والعشرون لولادة وثيقة الوفاق الوطني في مؤتمر الطائف يوم 30 أيلول/ سبتمبر من العام 1989 والتي أقرها النواب يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر عند مطار القليعات في الشمال وأصبحت دستور البلاد، ولبنان لا يزال يعيش الازمات السياسية بدءاً من الفراغ الرئاسي المتمادي منذ 28 شهراً الى تعطيل مجلس النواب عن التشريع الى تعليق أعمال مجلس الوزراء بسبب مقاطعة بعض الوزراء، رغم أن الحكومة تعمل بالحد الأدنى وتستمر بالمساكنة القسرية. فهل أدى <اتفاق الطائف> وظيفته وانتهى أمره بإنهاء الحرب الأهلية؟ أم أن عدم تطبيق بنوده كاملة هو سبب العلل؟ أم أن سوء التطبيق لبعض البنود هو السبب أيضاً؟ أم الانقلاب عليه كما الوصف للوزير والنائب السابق ألبير منصور؟

<الأفكار> التقت عرّاب <اتفاق الطائف> وأباه وسائق قطاره كما سمته <الأفكار> منذ أمد بعيد وهو الرئيس حسين الحسيني داخل دارته في محلة عين التينة وحاورته في صلب هذا الاتفاق التاريخي وكيفية الخروج من الأزمة التي يعيشها البلد بدءاً من السؤال:

ــ 27 سنة مرّت على ولادة <اتفاق الطائف> الذي أنهى الحرب الأهلية وعجز عن تنظيم المؤسسات، بدليل الأزمات المتراكمة منذ توقيعه حتى اليوم. فهل استنفذ وظيفته ولا بد من عقد جديد بين اللبنانيين أم أن استنسابية وسوء التطبيق هما سبب العلة؟

– السؤال يستوجب التوضيح للناس لأننا عندما أنجزنا <اتفاق الطائف> لم تكن لدى الدولة الشرعية وسائل الإعلام اللازمة لتوضيح الأمور ما عدا التلفزيون المنقسم بين شرقية وضع النافذون يدهم عليه وبين غريبة وضع النافذون والميليشيات اليد عليه ايضاً لأنه كان هناك انفصام بين الشرعية والسلطة بحيث أن السلطة كانت في يد الميليشات والشرعية محصورة بمجلس النواب، وهكذا كان واقع الحال، ولما أنجزنا <اتفاق الطائف> التحق قسم كبير من الميليشيات بالدولة وقسم لم يلتحق، لكن بقي تشويه <اتفاق الطائف> قائماً، إنما هذا الاتفاق عندما نعرف حقيقته هو وليد مقررات منذ ولادة لبنان وتحديداً منذ ولادة الكيان اللبناني كدولة عام 1920، حتى <اتفاق الطائف> كان هناك حوار وطني حول الكيان والهوية الوطنية والهوية العربية ونظام الحكم، إضافة الى الحوار الموازي لسنوات الاضطراب وسنوات الحرب والمشاكل، فكل ذلك لم يوضح للبنانيين في حين أن <اتفاق الطائف> هو وفاق لبناني – لبناني، ولبناني – عربي بالإجماع، ولبناني عربي – دولي.

واستطرد قائلاً:

– واكتسب <اتفاق الطائف> قوة قانونية ودستورية أقوى من الدستور والواقع المحلي، بدليل أن جامعة الدول العربية التزمت به بالإجماع من خلال مؤتمري قمة هما: <مؤتمر الدار البيضاء> و<مؤتمر بغداد> بعد إعلان <اتفاق الطائف>، عندما تبنى العرب وجهة نظر النواب في خارطة الطريق للحل، ثم في مجلس الأمن قبل وبعد إعلان الاتفاق، ومن ثم الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وبالتالي فهذا الأمر كان غائباً عن ذهن اللبنانيين، وقد أصبح هذا الاتفاق دستور البلاد، وأصبح سامياً على كل القوانين. وعندما  يقول <لا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين> في الدستور، فهذا حسم للمسألة وإلا كانت هناك علامات استفهام.

التوطين مرفوض بشموليته

ــ على ذكر التوطين ومع الحديث عن تثبيت النازحين السوريين في لبنان، فهل عبارة <التوطين> كانت تعني اللاجئين الفلسطينيين أم هي أبعد من ذلك من دون تخصيص؟

– التوطين شامل لأن التكوين اللبناني لا يستطيع التحمّل، خاصة عندما نعرف أن أعلى كثافة سكانية في العالم هي في لبنان، بحيث أن 400 نسمة تسكن في كل كلم2، وهذه نسبة غير موجودة في أي مكان من العالم، إضافة الى أن اللبنانيين يتمسكون بعنصرين أساسيين هما: الأرض والحرية، كأقدس المقدسات وليست لديهم أرض واسعة، وبالتالي مسألة الحرية هي التي  أنشأت لبنان على هذه الأرض الضيقة. ولذلك فالميثاق أساسي في هذه المسألة. وبمعنى آخر فالشعب الواحد المتنوع بالانتماء الديني هو الذي شكّل أعلى نسبة تسامح ديني في العالم، فهذه المواثيق من هذا النوع لا يمكن استبدالها بالثياب.

وأضاف:

– هذه الحقائق بقيت بعيدة عن وسائل الإعلام، لا بل بقي عدد كبير من اللبنانيين لا يعرفون <اتفاق الطائف>. والمشكلة أن جزءاً من النخبة اللبنانية تأثر بالأخطاء الشائعة، فمثلاً قال بعضهم إن <اتفاق الطائف> انتزع من رئيس الجمهورية المسيحي صلاحياته وأعطاها للمسلمين، فهذا خطأ شائع بصورة فظيعة، وصار <اتفاق الطائف> سبب الإحباط كما قالوا، وهذا غير صحيح، فالطائف عزز صلاحيات رئيس الجمهورية ونزّهه، بمعنى أنه أعطاه سلطات كابحة حتى يحفظ البلد لأن مهمة رئيس جمهورية لبنان هي المحافظة على النظام بقصد استمرارية الكيان. ولكي يحافظ على النظام ويؤمن استمرارية الكيان يجب أن تكون لديه وسائل رد القوانين التي يعتبرها تمس بالنظام وبالكيان، ورد قرارات مجلس الوزراء، ومنع انعقاد مجلس النواب عندما يشكل انعقاده خطراً على الوحدة الوطنية، وحل مجلس النواب إذا جرّب المس بالدستور أو تعديله ووضع تراتبية وأكثريات موصوفة بمعنى أن ثلثي الاعضاء يستطيعون تعديل مادة دستورية، ولكن إذا لم يقبل الرئيس فالأمر يتطلب موافقة ثلاثة أرباع الأعضاء، وإذا تأمن هذا العدد وبقي الرئيس رافضاً، يحل مجلس النواب، وإذا أفرزت الانتخابات النيابية بواسطة قانون انتخاب دستوري  أكثرية تصل الى ثلاثة أرباع وتريد التعديل فلا بد للرئيس أن يوافق لأن هذه رغبة الشعب الذي يعتبر مصدر السلطات، وهذا لا يعتبر افتئاتاً على رئيس الجمهورية عندما يقول الشعب كلمته، أما بالنسبة لتشكيل الحكومات فلديه سلطة مراقبة على كامل الوزراء وما إذا كان يقبل بهم أم لا، لأن توقيعه أساسي في تسميتهم.

الرئيس ليس طرفاً

 

ــ وهل من المفترض أن تكون لديه حصة وزارية أم هو حكم وأكبر من ذلك؟

– لا… فنحن عندما قلنا <دون أن يصوت> فقد نزّهناه ولم نجعله طرفاً، ولكن عندما يصوّت يصبح طرفاً مثله مثل أي وزير، لكن إذا اتخذ أي قرار وزاري لديه 15 يوماً لعدم القبول به، وبالتالي لديه سلطات كابحة تنزّهه، خاصة وأن الدستور قال بأن لا تبعة على رئيس الجمهورية في حال قيامه بواجباته، وبالتالي لا يتحمل مسؤوليته. ومن هنا لا يمكن أن يكون طرفاً، وإلا لا بد من وجود من يحاسبه ويحمله المسؤولية، ولذلك فالدستور حصّن الرئيس ونزّهه وزاد من صلاحياته. نحن طرحنا في <اتفاق الطائف> تسوية وذهبت أنا الى جدة في مؤتمر وقلت إن <اتفاق الطائف> خارطة طريق لإقامة الدولة، وانه مشروع تسوية ذات أفق محدود قابلة للتطوير بالوسائل السلمية، ومن يأتي بأفضل منها نوقّع معه، كما قلت إن هذا قطار يتسع للجميع ولا أحد يملك الحق بمنع أحد من ركوبه، ومن يرد أن يركبه فالأمور مسهلة أمامه ومن يرد الا يركبه سيبقى في المحطة ينتظر، لأن القطار يسير في دورته، ومن يرد أن يقف في وجهه فهو المسؤول عما سيحصل له لأن القطار كما قلت سيسير، خاصة وأن الأستاذ وليد عوض سبق وسماني في احدى مقالاته <سائق القطار> قبل أن أصبح رئيساً للمجلس.

ــ هل سار القطار على الخط الصحيح؟

– طبعاً، ونحن عقدنا مؤتمراً صحافياً بعد 25 سنة من ولادة <اتفاق الطائف> وذلك عام 2014 قلنا فيه بأننا لسنا عبدة أوثان ودعينا 45 جهة دينية وسياسية وطلبنا منهم إيجاد البديل عن <اتفاق الطائف>، لكن لمدة ثلاثة أيام لم يجد أحد منهم البديل، وصدر بيان عن المجتمعين قال بوجوب تطبيق <اتفاق الطائف> بكامل بنوده وقالوا أن لا بديل عنه.

ــ هل لا يزال <اتفاق الطائف> يلبي طموحات اللبنانيين خاصة وأن الأزمات تعصف بهم؟

– <اتفاق الطائف> نجح نجاحاً هائلاً في توحيدالجيش وبإدخاله الجنوب وبحل الميليشيات هناك وسحب الأسلحة حتى من المخيمات باستثناء الأسلحة الخفيفة للدفاع عن النفس. ونجح في توحيد قوى الأمن الداخلي وفي إحياء أجهزة الأمن من مخابرات الجيش الى الأمن العام الى أمن الدولة. وهنا أسجل للرئيس إميل لحود نجاحه التام بإعادة توحيد المؤسسة العسكرية وإن كان الحظ لم يحالفه في رئاسة الجمهورية.

وأضاف الحسيني:

– طبعاً أهم ركائز <اتفاق الطائف> هو موضوع نهائية الكيان اللبناني، وبالتالي ضرب الطائف يؤدي الى ضرب الكيان ووحدة اللبنانيين لأن لا بديل عنه حالياً، والأزمة لا تكمن في النصوص الدستورية إنما في عدم صدور القوانين التطبيقية الخمسة الأساسية وهي: آليات العمل اللازمة لوضع روح <اتفاق الطائف> حيز التنفيذ والتي ترعى علاقة السلطات ببعضها البعض وهي: قانون الانتخاب، النظام الداخلي لمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، قانون السلطة القضائية المستقلة، قانون الدفاع، وقانون خطة التنمية المتوازنة الشاملة. أضف الى ذلك أن حرب الخليج مع اجتياح الكويت بدّل الأولوية من حل أزمة لبنان وجعل الأولوية لحل أزمة المنطقة ولم تحل لأن اسرائيل لا تنوي حل الأزمة لا اليوم ولا غداً ولا الى أبد الآبدين، لأنها تعيش على رفض السلام. وقالوا في مؤتمر <كامب ديفيد> أن لا حرب بلا مصر ولا سلم دون سوريا، لكن اسرائيل حصلت على اللاحرب في مصر ورفضت السلم في سوريا، ولا نزال في الدوامة ذاتها وكل هذه الإفرازات والمشاكل سببها التعنّت الاسرائيلي في تحقيق السلام.

قانون الانتخاب الأمثل

 

ــ ماذا عن قانون الانتخاب الذي يفصل في كل دورة على مقاس البعض وماذا قال الطائف تحديداً فيه؟

– نحن تبنينا مبادئ كقياس أو كمعيار لتكون الخطوات صحيحة وهي الوحدة والعيش المشترك. والعيش المشترك له أربع مسلمات هي: الحرية لأنه بدون حرية لا يوجد لبنان، المساواة بين المواطنين وليس بين الطوائف، العيش الكريم لأنه عندما تنادي بالحرية لا يعقل أن تكون البطون جائعة، التكافل والتضامن لأن السيادة والاستقلال موردهما التكافل والتضامن، والوحدة الوطنية التي بدونها لا توجد سيادة ولا استقلال.

وأضاف:

– قانون الانتخاب جاء ليقول بأنه مع التأكيد على الوحدة والعيش المشترك، ولا بد من قانون انتخاب يؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفعالية التمثيل، وهذه الشروط تتأمن من خلال وسيلتين: الأولى عبر الأقضية التي كان عددها 22 وزدناها في <اتفاق الطائف> الى 28 بحيث يكون لكل قضاء حصة نيابية والطوائف لها حصتها موزعة على الأقضية، والمرشح الذي ينال أكثر من 10 بالمئة من الناخبين في قضائه يصبح مؤهلاً لإكمال ترشيحه في المحافظة من خلال لوائح وكتل بحيث أن المحافظات تعقلن الأقضية، بمعنى لا يترشح متطرف في القضاء لأن المحافظة لن تنتخبه ويصبح التنافس على برامج اللوائح، إلا أن الانتخاب يتم عبر مرحلتين: مرحلة عبر القضاء ومرحلة عبر المحافظة، لكن الدراسة التي أجريت في وزارة العدل بعد <اتفاق الطائف> اكدت على هذا المشروع، لكنها ارتأت أن هناك مشروعاً أفضل يعطي النتيجة ذاتها من خلال اعتماد النظام النسبي والصوت التفضيلي الذي يعزز المشاركة في الانتخابات ويزيد عدد الناخبين لأن صوت الناخب آنذاك سيحدث فرقاً لا بل يحل الصوت التفضيلي محل التأهيل، بمعنى تصبح هناك استحالة في إنزال مرشح بالباراشوت وإذا لم تكن للمرشح قاعدة فلن يحصل على أي تمثيل.

 

نواب بسمنة ونواب بزيت

ــ وماذا عن المختلط المطروح حالياً اذا جرت الانتخابات ولم يحصل تمديد ثالث للمجلس؟

– المختلط هو عبارة عن خرق دستوري فاضح لأننا نأتي آنذاك بنواب بسمنة وبنواب بزيت، والنص الدستوري قال بالمساواة لاسيما في مقدمة الدستور التي قالت <إن لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل>، فيما تقول المادة السابعة من الدستور إن <كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينهم>، وبالتالي عند اعتماد المختلط تفتقد المساواة بين المواطنين.

ــ وماذا عن القانون الأرثوذكسي وألا يصلح عند تطبيق بنود <اتفاق الطائف> لجهة إنشاء مجلس الشيوخ وتحرير مجلس النواب من القيد الطائفي؟

– هذا الطرح حصل عام 1922 عندما اعلن شخص أرثوذكسي من بيروت فكرة وقال بأن تنتخب كل طائفة نوابها، وكان هناك سياسي مهم اسمه ميشال زكور وهو صاحب جريدة <المعرض> وقد علق على الطرح وقال: <سمعت عن فكرة عوجاء وعرجاء تقول إن كل طائفة تنتخب نوابها، وهذه تعيدنا الى أيام الحرب عام 1860، وأنا لدي فكرة عوجاء وعرجاء لكنها تأتي لنا بمجلس نيابي وطني.

ــ ما هي؟

– هي أن كل الطوائف تنتخب المرشح ما عدا طائفته، وآنذاك نحصل على افضل مجلس نيابي، لكن القانون الارثوذكسي الذي طرح مؤخراً هو ردة فعل على اعتبار أن البعض وضع يده على المقاعد الأرثوذكسية في بيروت والكورة إلخ، لكن عند تطبيق الدستور كل شخص يأخذ حقه بالكامل.

ــ وإن أُنشئ مجلس الشيوخ هل يعتمد القانون الأرثوذكسي آنذاك؟

– هذا أمر طبيعي ولا مانع لدينا، لكن آنذاك مجلس الشيوخ تكون لديه صلاحيات <الفيتو> بأكثرية معينة ويعترض على مادة تمس بالاديان وتقتصر صلاحياته على القضايا الأساسية المصيرية.

ــ يعني صلاحيات مجلس الوزراء الحالية التي تتطلب أكثرية الثلثين؟

– أبداً، لا يتسلم أي صلاحية بل يعترض فقط، ويبقى مجلسا النواب والوزراء هما صاحبا القرار، وهو يملك حق النقض بأكثرية معينة.

ــ اليوم لا رئيس منذ 28 شهراً والمجلس معطل والحكومة علقت أعمالها بفضل المقاطعة والأمور مفتوحة على الأسوأ؟ كيف الخروج من هذه الدوامة لاسيما وأن البعض يتخوف من الذهاب الى مجلس تأسيسي بعدما يعم الفراغ الشامل؟

– المجلس التأسيسي هو لإنجاز دستور ونحن لدينا أفضل دستور.

ــ تطبيق الدستور هو الحل؟

– طبعاً، فما يطرح مجرد شعارات لإطالة عمر الأزمة ولا قيمة لها.

 

انتخاب رئيس انتقالي لمدة سنة

ــ بانتظار ماذا؟

– بانتظار الخارج، لأنه للأسف فإن تطورات الأزمة منذ العام 1992 حتى اليوم سببها سيطرة مجموعة الخمسة على مقاليد السلطة في لبنان وهم مرتبطون بالخارج ومصدر قوتهم ليس الداخل اللبناني بل الخارج.

ــ هل نحتاج الى دوحة ربما تكون عبر الحوار الوطني المعلق هو الآخر حتى إشعار آخر؟

– الحل يتكون شيئاً فشيئاً، فالحراك الشعبي استهانوا به وقالوا إنه مرتبط بالأميركيين، وأنا آنذاك قلت إن هذه مزحة لأن أهل السلطة هم القابعون ليل نهار في أحضان الأميركيين، وإذا كان الأميركيون يساندون الحراك الشعبي الرافض لتكديس النفايات والمصائب التي تحل على اللبنانيين، فهذا معناه أن الاميركيين جيدون ولا بد من شكرهم ويقومون بعمل ايجابي لأول مرة. فأهل السلطة استهانوا بالحراك المدني فكانت الانتخابات البلدية والاختيارية التي شكلت مفاجأة لهم، بمعنى أنه رغم التلاعب بالانتخابات في بيروت واستغلال السلطة ورغم فوز اللائحة المنافسة للائحة الأحزاب مجتمعة، لم تستطع كل احزاب السلطة أن تحصل اكثر من 8,5 بالمئة رغم كل التوزير. وأنا أعني عبارة <التزوير> لأنني سمعت من أناس موثوقين عن كيفية حصول التزوير، لاسيما عندما لا يكون هناك مراقبون، والأمر انسحب على مناطق أخرى وهذا دليل أن الحل بدأ يتكون وهو أن يضغط الشعب لفرض قانون الانتخاب سواء بواسطة هذه السلطة الواقعية غير الشرعية وغير الدستورية منذ العام 1992 حتى اليوم أو بأي وسيلة أخرى.

ــ طالما أن السلطة غير شرعية لماذا بقيت نائباً واستقلت عام 2008؟

– صحيح، لأنه كانت لدينا آمال بالتغيير لاسيما بعدما شكلنا جبهة مع الرئيس سليم الحص وبطرس حرب ونسيب لحود ومحمد يوسف بيضون وألبير منصور ونايلة معوض. وفعلاً استطعنا أن  نضغط لإصدار قانون عام 1996 ولو لم يكن كاملاً، لكن عند إنجاز اتفاق الدوحة علقوا قيام الدولة والدستور وسطوا على الشرعية وادعوا أنهم يمثلون كل الناس ما جعلني أستقيل ولا اقبل أن أكون شاهد زور أو مشاركاً بأي شكل في هذه العملية.

ــ والحل للخروج من الأزمة؟

– نحنا طرحنا فكرة انتخاب رئيس لمدة سنة على الأكثر بصورة انتقالية ليعيد الشرعية للمؤسسات الدستورية وتكون مهمته إنقاذية بحيث يشكل حكومة حيادية تقر قانون الانتخاب وفق النظام النسبي والصوت التفضيلي، وتجري انتخابات ومن ثم يتم انتخاب رئيس وهيئة المجلس وسيعمد المجلس الجديد الى انتخاب رئيس جديد لولاية كاملة ونعود بذلك الى حياتنا الطبيعية.

– هل الحوار ينجز هذه المهمة؟

– الحوار بين من ومن؟ فهؤلاء النواب لا يمثلون أحداً، وطاولة الحوار لم ينتخبها أحد وهي توافق قوى الأمر الواقع على أمور خارج الدستور والنظام… فهؤلاء مهمون لأن هناك دولاً تدعمهم، فيما نجد أن 80 بالمئة من اللبنانيين لا علاقة لهم بالحياة السياسية، والدستور يقول إن الشعب مصدر السلطات.. فأي شعب أتى بهؤلاء النواب الذين توجه السباب والشتائم إليهم طوال النهار؟

الأزمة الحكومية والمحاصصة

 

ــ ماذا عن الأزمة الحكومية وكيف تفهم الميثاقية التي ينطلق منها العماد ميشال عون لمقاطعة الحكومة بعد اعتراضه على التعيينات الأمنية؟

– لنكن صريحين… هناك خمس ضربات تلقاها <اتفاق الطائف> منذ العام 1990: الأولى تمثلت بالمقاطعة المسيحية لانتخابات 1992 التي أفقدت الانتخابات ميثاقيتها وأبعدت المسيحيين عن المشاركة في الدولة، وأضعفت الاعتدال المسيحي والإسلامي وسلمت السلطة للميليشيات التي قبضت على السلطة وخطفتها ولم تسلم بقانون انتخاب صحيح، ولذلك كانت قوانين الانتخاب على قياسها وشهدنا المحادل والبوسطات، وللاسف فالبوسطات  والمحادل إسلامية نتيجة المقاطعة المسيحية. والضربة الثانية هي القرار 1559 الذي قال انه مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي للارض لا بد من سحب سلاح المقاومة وهذه فتنة ولا علاقة لها بإقامة الدولة، لا بل أعفى هذا القرار سوريا من التزاماتها بحل الميليشيات وسحب السلاح ومساعدة لبنان في بسط سلطته على أرضه وطلب منها الانسحاب، ولتفعيل هذا القرار جرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهذه هي الضربة الثالثة التي أدت الى الاصطفاف المذهبي ونشوء الانقسام العمودي القائم اليوم.

ــ يعني اغتياله مصلحة اسرائيلية – أميركية؟

– لا أعرف مصلحة ماذا؟ لكن المقصود منه الفتنة… فالفتنة الناشبة اليوم في كل بلادنا هل هي آتية من السني والشيعي؟!

ــ والضربة الرابعة ما هي؟

– الحلف الرباعي الذي حصل بعد اغتيال الرئيس الحريري بمسعى من النائب وليد جنبلاط، حيث أظهر هذا التحالف أن المسيحيين ليسوا شركاء في القرار الوطني ما أحدث ردة فعل عند المسيحيين لدرجة أن العماد ميشال عون حصل على اضعاف ما كان يمكن ان يحصل عليه في الانتخابات، وهذا أدى الى إلغاء التنافس عند المسلمين وإبقاء الصراع بين المسيحيين، بمعنى أنهم لزموا الدروز لوليد جنبلاط والشيعة للثنائي الشيعي والسنة للحريري وتركت الساحة المسيحية مفتوحة للصراع، ما يؤشر الى عدم وجود ديموقراطية لدى المسلمين التي اقتصرت عند المسيحيين، وصار الحديث عن التوحيد لدى المسيحيين كأنه إلغاء للديموقراطية لأن لبنان لا يحكم إلا بالمشاركة من خلال النظام الديموقراطي البرلماني وقانون الانتخاب.

ــ والضربة الخامسة؟

– هي تعليق قيام الدولة في الدوحة الذي كبّل الرئيس عبر منحه 3 وزراء في الحكومة ما يخالف مضمون <اتفاق الطائف> الذي جعل رئيس الجمهورية بحكم موقعه الدستوري مسؤولاً عن تشكيل حكومات متوازنة وطنية لا تمتلك فيها أي قوة الثلث المعطل منفردة بناء على قاعدة أن الجميع يحتاج الى الجميع ومسؤول عن جميع الوزراء وعملهم، وهذا ما جعلني أكشف الحقائق هذه عام 2008 وأقدم استقالتي لأني أرفض المشاركة في تعليق الدولة. فهذه جريمة نكراء وهي جريمة دستورية وإنسانية ووطنية، وكنت صريحاً وقلت بأنني لا أستطيع إصلاح الأمور لوحدي ولا بد أن أعود للناس الذين أمثلهم.

ــ وميثاقية العماد عون الذي يطرحها اليوم؟

– هناك أكثرية موصوفة، لكن طلب الميثاقية اليوم هو كمن جعل من اتفاق الدوحة حلفاً خماسياً، أضيف فيه العماد عون الى الحلف الرباعي الإسلامي، لكن في الوقت ذاته لم يعترف الأربعة بحقوق الخامس بحيث لا يعين موظف درزي بدون رأي وليد جنبلاط، ولا موظف شيعي بدون رضا الثنائي الشيعي، ولا موظف سني بدون رضا آل الحريري، لكن الموظف المسيحي لا يؤخذ رأي العماد عون به، وهو يستغرب كيف يكون لهم رأي بقائد الجيش الماروني ولا يكون له رأي به.. فهذا منطق المحاصصة وليس منطق الدولة حيث يجب أن يأتي الموظف وفقاً لمعايير وأسس وتراتبية وسجل وما شابه.

ــ هل القضية مرتبطة لدى العماد عون بالرئاسة أم بالشراكة؟

– إذا حصل على الرئاسة فمن الصعب تجاهله آنذاك، لكنه عملياً يكون قد ساهم في تمديد عمر الأزمة وليس في حلها.

ــ هل ستكون هناك رئاسة أم لا ؟

– الفكرة التي طرحت هنا هي التي ستأتي بالرئيس.

ــ هذه صناعة لبنانية لكن هل يمكن للخارج أن يوافق؟

– لا أحد يستطيع أن يفرض علينا ما نقرره اليوم لأن الكل أصبحوا ساحات مهمة وهم منشغلون بساحاتهم، وبالأمس اجتمع سفراء الدول الكبرى وطلبوا منا أن ندبر أنفسنا ونحل قضايانا بأنفسنا لكن نحن مصرون على التعلق بهم.

ــ وهل لبنان محيد أمنياً على الأقل؟

– صحيح، لأنه أصبح أصغر ساحة لا أهمية لها، لاسيما وان تفعيل الساحات يلزمه تمويل ولا احد يريد التمويل في لبنان أو يملك المال لهذا التمويل..