24 September,2018

رئيس مجلس إدارة مستشفى بيروت الدكتور وسيم الوزان يكشف سر استقالته: لم أعد أحتمل المعاناة والأزمة المالية المتمادية في المستشفى ولا أريد أن أكون حجر عثرة أمام الحلول

99-(7)

مستشفى رفيق الحريري الجامعي أو مستشفى بيروت يحتضر كما عبّر وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور، الأمر الذي دفع مجلس الوزراء لتشكيل لجنة من الوزير أبو فاعور ووزير التنمية الإدارية نبيل دو فريج لتحضير مجلس إدارة جديد سيتم تعيينه وتحديد حاجات المستشفى بعدما رصد له مبلغ 20 مليار ليرة يدفع بعد تعيين مجلس الإدارة الجديد، في وقت قدم رئيس مجلس الادارة في المستشفى الدكتور وسيم الوزان استقالته تسهيلاً لهذا الحل وتعبيراً عما صادفه من تعقيدات ومشاكل. فهل هذا الإخراج كفيل بإعادة ضخ الحياة في هذا المرفق الذي يخدم آلاف المرضى والتلامذة ويسد حاجة أساسية من العلاج في بيروت وضواحيها؟!

<الأفكار> استضافت في مكاتبها الدكتور وسيم الوزان وحاورته في هذا الملف الشائك بالإضافة الى المشاكل التي اعترضته والاقتراحات التي يراها مناسبة لتجديد شباب المستشفى المتعثر.

وسألته بداية:

ــ ما هي المعاناة التي عشتها خلال ترؤسك مجلس إدارة المستشفى؟

– مجلس الإدارة انتهت ولايته عام 2008 ومدّد له بحكم الاستمرارية حتى اليوم، وخلال السنوات الست وحتى قبل ذلك، بدءاً من إنشاء المستشفى عام 2005 كانت هناك محاربة لفكرة إنشائه، ولكن إصرار الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله حكم بولادته لأنه كان الدافع الرئيسي وراء فكرة إنشائه. ولما أنشئ المستشفى حدثت تعقيدات وحصل تأخير في افتتاحه لظروف عديدة، الى أن كان عام 2005 وتم تعيين مجلس الإدارة في عهد حكومة الرئيس عمر كرامي، وبدأت المعاناة، لأن المستشفى يستقبل فقراء ويعالجهم ولا يعالج الأغنياء، والفقير عادة قد تكون كلفة علاجه أكبر من الغني لأن الأرجح أن الفقير لم يسبق له أن زار أي طبيب، وصحيح أن <مستشفى بيروت الحكومي> إنما يعالج حوالى 30 بالمئة فقط من بيروت، والباقي من خارجها. وإذا استعرضنا المنطقة الجغرافية التي يتمركز فيها المستشفى وهي بيروت والمنطقة الجنوبية، نجد أن 50 بالمئة من المرضى هم من هاتين المنطقتين، والباقي من مناطق أخرى، لأنه أصبح مرجعاً طبياً في لبنان ويتعامل مع الحالات الصعبة، وبالتالي منذ اليوم الأول تعرض للأزمات المالية، والدولة لم تواجهها وتجد الحل الجذري لها.

المستشفى وموازنته

ــ كم هي الموازنة المخصصة له؟

– لا توجد موازنة محدودة وثابتة، فالمستشفى يعالج بقيمة 24 مليار ليرة لبنانية، أي إنه يصرف هذا المبلغ، وهذا لا يعتبر موازنة دائمة، وتدفع الدولة لنا هذا المبلغ محسوماً من جراء التدقيق في الفواتير أو ما شابه، مع تأخير دائم. وبالتالي يدرك الجميع أن الدولة لم تعطِ المستشفى حقها، بحجة أن التكلفة عالية رغم أننا حافظنا على أدنى كلفة ممكنة، وأحياناً على حساب الصيانة وكانت الأولوية لدينا معالجة المرضى واستقبال المحتاجين وتأمين المواد اللازمة للمستشفى،رغم أنه حصلت زيادتان على المعاشات خلال هذه الفترة سواء عام 2006 أو عام 2012، وتكلفنا مع هذه الزيادة ومع زيادة التعرفة الكثير، مما انعكس أزمة مالية تفاقمت الى أن وصلنا الى أن المورّد لم يعد يعطينا ما نحتاجه، إلا إذا دفعنا له نقداً وليس بالتقسيط أو ما شابه، علماً بأن المبالغ النقدية نحصّلها من المرضى. وبالتالي بدأ دور المستشفى يتراجع بدءاً من العام 2009 حتى اليوم، رغم أن الحكومة السابقة دعمتنا وتنوي الحكومة الحالية دعم المستشفى من جديد، لكن عندما جاء الوزير الجديد وائل أبو فاعور قال إن هناك مشاكل في المستشفى وتراجعاً في ادائها وكشف عن نيته بتغيير مجلس الإدارة، فوافقته الرأي ولم أمانع، فقال إنه لا يشك لحظة في نزاهتي وأدائي.

وتابع الوزان يقول:

– وللحق فقدأنصفني الرجل في مؤتمر صحافي وقال إن المشكلة تكمن في تقصير الدولة في دعم هذا المستشفى الذي يشكل شبكة أمان للمواطن وأراد إنقاذه، فقلت له: <طالما التوجه بهذا الشكل فأنا لن أكون عقبة، فهذه استقالتي جاهزة>، فسلمها الى مجلس الوزراء الذي شكل لجنة لمتابعة وضع المستشفى وقال بضرورة تعيين مجلس إدارة جديد ومهمة اللجنة هي دارسة آلية التعيين. وأنا بصراحة اقول إن حملاً نزل عن ظهري وإذا تابعت وسائل الاعلام تجد أن الجميع قد أشادوا بدوري، وبالتالي هذه اشادة معنوية تكشف عن مدى مناقبيّتي وحسن أدائي وكيف حاولت تعويم المستشفى بالقدر الذي استطعته، ولكنني تعبت كثيراً خاصة في الفترة الاخيرة حتى انني قلت حينذاك إنني كنت <أمشي بين نقاط المياه >عندما تسلمت المستشفى، والآن مع اشتداد الأزمة أصبحت أسير بين الألغام.

ــ الملاحظ أن المستشفى يهتم بالحالات الطارئة مثل الكوارث وما شابه، وكان له دور مهم في استقبال ضحايا طائرة <كوتونو>.. ألا يفترض تقدير دوره؟

– صحيح، فالمستشفى أقيم أيضاً لمجابهة الكوارث وليس فقط لاستقبال المرضى، لا بل يعلّم الطلاب في الجامعتين اللبنانية والعربية ويعلّم بعض الأطباء المقيمين وهذه تكاليف يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، علماً أن هناك نية صافية لإنقاذ المستشفى وإيجاد حل جذري له وهذا ما شعرت به.

ــ ما مجموع معاشات الموظفين؟

– المعاشات تصل الى ملياري ليرة في الشهر وتشمل الأطباء والموظفين والممرضين، علماً أن عدد الموظفين كان مناسباً يوم كان عدد الأسرّة 400 سرير، لكن اليوم تراجع الى 240 سريراً.

نقص الممرضات والأسرّة

ــ لماذا هذا التراجع؟

– السرير يجب أن يُخدم بممرضة أو بممرض وحصلت منافسة في الجهاز التمريضي حول هذا الأمر. وهناك أزمة عالمية في مهنة التمريض، والسرير لا يزال موجوداً لكن الجهاز البشري الذي يجب ان يخدمه ليس موجوداً بعدما حصلت استقالات من الممرضين والممرضات، فاضطررنا الى تخفيض عدد الاسرّة، فيما لم تقدّم استقالات من الإداريين، وبالتالي حصل خلل، والحل ليس بصرف الموظفين بل بإعادة الأسرّة للعدد السابق.

ــ هل من الممكن أن المستشفى يُحارَب لمصلحة المستشفيات الخاصة؟

– ما أعرفه ان اي مدير في اي مؤسسة عندما ينجح في البداية، ومن ثم يتراجع العمل في المستشفى، لا يعود سبب التراجع الى المدير على سبيل المثال، بل ان الظروف هي التي تكون قد حكمت بذلك. أما ان المستشفى يحارب، فهذه مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات ولا اعرف مدى صحتها لأن الرئيس الشهيد رفيق الحريري هو الذي بناه علماً أننا اعتمدنا التوازنات المطلوبة في البلد سواء على الصعيد السياسي أو المذهبي أو الطائفي، وكنا على مسافة واحدة من كلّ الناس.

ــ هل هناك مرضى مسيحيون يرتادون المستشفى؟

– طبعاً، فقد وصلت نسبة المسيحيين الى 25 بالمئة في فترة من الفترات، حتى كنت اقول ان توزيع المرضى يشبه التوزيع الطائفي والمذهبي والمناطقي في البلد لأننا كنا فعلاً مرجعاً.

ــ من هو وزير الصحة الذي كان متجاوباً معك؟

– عاصرت 3 وزراء فقط، بدءاً من الوزير محمد جواد خليفة الذي كان متجاوباً واعتبر أن نجاح المستشفى هو نجاح له، واضطررنا للتوسع خلال حرب تموز/ يوليو عام 2006 عندما فتحنا الطوارئ. وبالتالي عند فتح الطوارئ، تزيد المصاريف بشكل كبير ولا يمكن بعدها أن نغلقها، والوزير علي حسن خليل حاول دعمنا مادياً، وأما اليوم فالوزير وائل أبو فاعور لديه نيات طيبة نحو المستشفى.

ــ ماذا عن المختبرات؟

– هي متكاملة، لكن في الفترة الاخيرة أصبح مورد التحاليل المخبرية يريد ماله نقداً بدون تقسيط أو انتظار. ونحن نجحنا في مسألة عندما وصل الدين للمورّد الى 50 مليار ليرة عام 2011ـ واليوم لا يزال الدين 50 مليار ليرة لأننا أصبحنا نشتري بالدفع نقداً ولم نزد ديوننا.

ــ من أكبر الموردين لكم؟

– أكبر مورد هو من يعطينا المازوت بسبب انقطاع الكهرباء، ولا يمكن أن يعاني المستشفى من انقطاع الكهرباء، ولهذا فالموتورات مكلفة جداً حتى ان هناك حالات تستلزم أن تتم عبر المازوت مثل الحراقات وغيره، وبالتالي فأكبر كلفة هي المازوت التي تتراوح ما بين 1,5 و2 مليون دولار في السنة.

ــ ما الموقف العصيب الذي واجهته كرئيس مجلس إدارة؟

– عندما اشتد الانقسام العمودي في البلد وحصل انقسام مذهبي شنيع، كان يجب أن نوفق بين الجميع فحاولنا ذلك. ونأمل أن يحصل هذا الوفاق اليوم. وأنا منذ البداية كنت حريصاً على إقامة التوازن، خصوصاً أن موقع المستشفى في منطقة جغرافية حساسة، وكنت أقول إن هناك ضرورة للتعامل مع المحيط بإيجابية، إذ لا يمكن مثلاً أن تكون الجامعة الاميركية عدائية لأهالي رأس بيروت، أو مستشفى المقاصد عدائية لأهل طريق الجديدة. وفعلاً نجحنا واستطعنا أن نكون على مسافة واحدة من الجميع كي نحصل على دعم الجميع لاستمرار المستشفى.

ــ هل وارد أن يتم اختيارك من جديد؟

– ما زلت أمارس مهامي حتى تعيين مجلس إدارة جديد، لكن بدون شك لا أمارس اليوم هذه المهام بالاندفاع ذاته الذي كنت أتحلى به سابقاً. ولا أتصور أنه سيتم تعييني من جديد لأنه لا بد من التغيير وإحداث هزّة ما وضخ دم جديد.

لا أبحث عن دور سياسي

ــ كابن رئيس وزراء سابق وابن بيروت هل تنوي خوض غمار السياسة؟

– لا.. فأنا عانيت في هذا المستشفى ما عانيته وكنت قريباً من السياسة من خلال علاقاتي وممارساتي لأننا كنا نقوم بعمل اجتماعي عام، وهكذا أفهم السياسة ولا أفهمها بأنني أتخذ موقفاً ما وأجاري الآخرين من خلاله لأن زعيمي أو مرجعي يريدان ذلك، وبالتالي لا أنوي خوض غمار السياسة.

ــ وهل الدولة في تقديرك قادرة على دعم المستشفى أو على الاقل لديها نية في ذلك؟

– سئل الوزير وائل أبو فاعور عن ذلك، وكان رده أنه لا بد من دعم المستشفى خاصة وان هناك خدمة عامة يقوم بها المستشفى، والتكاليف قليلة جداً قياساً مع ما يطرح من مشاريع. وانا اقول ان الدولة تدفع في المستشفى أقل بكثير  إذا قارنت الامر بما تدفعه للمستشفيات الخاصة. واحدى مشاكل المستشفى تكمن في قيمة الفواتير التي تتم على حساب وزارة الصحة فمعناه ان يخسر المستشفى الأموال التي تذهب الى الوزارة، وبالتالي لا يمكن أن يتهم المستشفى بالخسارة طالما أن الاموال تصل الى الوزارة، ما يعني ان الدولة كان لا بد إما أن لا تحسم أو تعترف بأن المستشفى توفر عليها الكثير، خاصة وانها تعلّم طلاب الجامعة اللبنانية وتدفع حوالى 3 مليارات ليرة في السنة لقاء ذلك، فهذه المبالغ تصل الى المجتمع وليس الى المستشفى والتكلفة لصالح الجامعة التابعة للدولة أي كما قال <من العب للجيبة>، وبالتالي اذا حذفنا هذه التكاليف نجد أن العجز غير موجود.

ثم أضاف:

– وهناك مثل عن المستشفى وهو ان المبنى كلف إنشاؤه مع المعدات والآلات حوالى 125 مليون دولار، وإذا حسبنا استهلاكه وصيانته في السنة حوالى 5 ملايين دولار، وإذا أضفنا هذه المصاريف الى فاتورة المريض، فيعني ذلك تحميل المريض 300 أو 400 دولار على كل فاتورة، وهذا ما لا يستطيع أن يتحمله المريض ولا تعريفات الدولة تتحملها.. فمن يتحملها!؟ لا بد من درس الموضوع، ولذلك فأحد الاقتراحين الذي طرحته هو أن تأخذ الدولة الصيانة على عاتقها، سواء المباني والمعدات، والعمل على تحديثها كما يتم في الجامعة اللبنانية والإدارات العامة.

ــ ماذا  قيل لك من اهل الحكم بعد التشاور معك؟

– كل مقترحاتي اخذت بإيجابية والتنفيذ لا بد أن يتم ضمن الخطة التي اقرها مجلس الوزراء.

ــ ماذا تنوي أن تفعل بعد انتهاء عملك في المستشفى؟

– لديّ عيادتي وأنا استاذ في الجامعة الاميركية وليس لديّ طموح سياسي، فأنا أعتز اليوم بأن ضميري مرتاح بعدما تسلمت المستشفى لمدة 10 سنوات، وحصلت على ثناء الناس، حتى ان الاتصالات التي جاءتني خلال 24 ساعة بعد إعلان استقالتي أجمعت على كلمة <مبروك> حتى سكرتيرتي سألتني بتعجب عن سرّ ذلك، فقلت لها بأنهم يعرفون أن عبئاً كبيراً أزيح عن كاهلي.