15 November,2018

رئيس مجلس أمناء مؤسسات المرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله السيد علي فضل الله في رحاب رمضان: نــــعيـش الغـــــزو الـسـيـاســــي فـــي لـبـــــنـان تـمـامـــــاً كمــا كـــان الـغــــزو أيــــام الـقـبـائــــل فــــي الـجـاهـلـيـــــة!

 

بقلم حسين حمية

1 

لا نزال في رحاب شهر رمضان المبارك ونستضيف في هذا العدد إمام مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك ورئيس مجلس أمناء مؤسسات العلامة المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله نجله السيد علي فضل الله في حوار حول شهر الصوم وما يدور حوله، ويتطرق الى أحوال المسلمين عامة، وظاهرة التطرف والإرهاب والتكفير، ناهيك عن ظاهرة الجريمة الفردية المتنقلة لاسيما في شهر رمضان والأسباب الموجبة لها، وما إذا كان حكم الإعدام هو الرادع أم لا بد من جهود أخرى بهذا الخصوص، إضافة الى الواقع السياسي لاسيما ما يتعلق بقانون الانتخاب.

حوار هادئ وشفاف مع سماحة السيد علي فضل الله في مكتبه في حارة حريك، وكان السؤال البداية:

ــ نسألك: الملاحظ أنكم السباقون في تحديد بدء الصوم وحددتم يوم السبت أول أيام شهر رمضان المبارك تماماً كما كان حال العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله دون انتظار ضوء أخضر من مرجعية دينية أو رسمية او حتى الاستماع الى موقف أي دولة. فهل هي مدرسة العلامة المرجع الراحل؟

– طبعاً، فهذا الأمر ليس اختيارياً، ونحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون على نظام محدد وأمرنا أن نلتزم بقوانينه. وقضية بداية الشهر جزء من هذه القوانين التي كانت موجودة قبل الانسان والاديان أساساً، ولذلك فالمطلوب أن نلتزم بهذه القوانين. وهذا الموضوع له علاقة بحركة الفلك وليس بعلماء الدين، والعلم أصبح دقيقاً بحيث لم نعد نحتاج الى الاستعانة بأعيننا ولا بأي شيء آخر لتحديد حركة الفلك.

ــ نلاحظ أيضاً أن المؤسسة تسير بانتظام ونشاط، كما لو أن السيد محمد لا يزال موجوداً ما يؤكد أنكم خير خلف لخير سلف. فما سر ذلك؟

– بنيت الجمعية أساساً لتكون مؤسسة ولم تبنَ لتكون مرتبطة بالشخص.  فالجمعية هي مؤسسة تمتلك كل المواصفات لكي تعمل وتتابع وتحاسب وتنفذ وتراقب كمؤسسة بعيداً عن اي ارتباط شخصي أو عائلي. ولأنها مؤسسة استمرت وهي حرصت على الاستمرار وفكرت بالمستقبل، وكانت هناك أعمال تدر المال على الجمعية سواء عبر المحطات والمطاعم أو أي شيء آخر لكي لا تبقى خاضعة للناس ولظروفهم رغم ملء الثقة بالناس الذين لا يزالون يواكبون هذه المؤسسات ويشعرون بالمسؤولية تجاهها والأمور على احسن ما يكون والحمد لله.

ــ نأتي الى شهر رمضان المبارك، ونسألك عن أهميته في حياة الفرد والمجتمع. فماذا تقول؟

– أهم شيء في شهر رمضان أن يشعر الإنسان بإنسانيته، وهي من أهم الأمور التي تهدف لشهر رمضان بحيث يشعر الأغنياء بجوع الفقراء. وطبعاً لا يقتصر الأمر على الجوع والعطش، لكن الإنسان يشعر بإنسانيته لأنه غالباً ما يعيش الإنسان أنانيته كفرد، ليأتي الصوم ويذكره بأن هناك جائعين يعانون. ونحن نؤكد على هذا الجانب الإنساني بحيث إذا استشعر الإنسان بإنسانيته فلا مشكلة لا على مستواه الشخصي ولا على مستواه الاجتماعي ولا على المستوى السياسي، لأن مشكلتنا في السياسة هي أيضاً أن السياسي لا يعيش انسانيته بآلام الناس الذين يعانون من أزمات المياه والكهرباء والضيق الاقتصادي والاجتماعي.

 

الصوم واستعادة الانسانية

 

ــ يعني شهر الصوم هو شهر انسانية الإنسان؟

– صحيح، فهو لاستعادة الانسان لإنسانيته لأن الانسان تجذبه نفسه الى داخله، وهذا الصراع هو ما بين حرص الانسان على مصالحه وراحته وبين انفتاح انسانيته على الآخر. ونحن نقول أيضاً ان الانسان عندما يكون انسانياً لن يكون متعصباً ولا منغلقاً لأن المتعصب هو الذي لا يعيش انسانيته في الآخر بحيث من المفروض أن يحترم فكره ورأيه وقناعاته، بل على الأقل أن ينفتح عليه ويعرف ما عنده.

ــ وهل ظاهرة التطرف والغلو مرتبطة بثقافة دينية وبفهم خاطئ للإسلام أم ماذا؟

– الإنسان لديه مشكلته يركبها على الدين وينتقي من الدين ما يراه مناسباً لتبرير حقده، او مشكلته مع الآخر وهكذا. فهو غالباً ما يكون تعبيراً عن مشكلته يعطيها بعدها الديني من خلال استحضار نصوص دينية.

ــ وما هي حدود مسؤولية العلماء هنا، خاصة وان هذه الظاهرة لم تعد فردية بل تحولت الى سلوك عام؟

– المطلوب من العلماء أن يعيدوا الدين الى حقيقته والى انسانيته وأن يكون متوازناً، وصحيح ان هناك عنفاً في الدين لأن الحياة تحتاج الى العنف أحياناً من خلال رد عدو عن عدوانه، لكن الدين يحدد التوازن وحدود الرد. فإذا قاتل فقاتل من يعتدي عليك، وحتى تكسب حريتك، لكن لا تقاتل لكي تفرض الدين أو لتصادر حرية الآخرين. ولذلك فالدين حدد الضوابط لكن البعض يأخذ مما يريد في حدود الدين. فمثلاً <وقاتلوهم> بدون الأمور الأخرى، فالدين تحدث عن الحرب وكيف تتم تأديتها والقيام بها، لكن أن نأخذ ما نريد من الآيات، فهذا غير جائز. فالقتال حسب الآيات جاء في موقعه وليس في موقع آخر.

 

ظاهرة التكفير والحلول

ــ ماذا عن ظاهرة التكفير ضمن المذاهب الاسلامية وما دور العلماء هنا؟

– هذه مع الأسف مشكلة كبيرة رغم ان الاسلام سهل، ويكفي الانسان كي يصبح مسلماً بأن يشهد الشهادتين، وآنذاك حرم ماله ودمه وعرضه، والإسلام فرّق بين المسلم والمؤمن والله بسّط الاسلام لكن للاسف بعض الناس يعقدونه ويستسهلون خروج الناس من الاسلام. وهذا أمر مؤسف.

ــ المشهد الإسلامي يتخلله القتل والتدمير والتكفير والتطرف والارهاب. فهل المطلوب من المرجعيات أن تدعو الى كلمة سواء وتقول كفى سواء الأزهر الشريف أو مكة المكرمة أو النجف أو قم؟

– لا أتصور أن أحداً يخالف ذلك، والاشكالية تكون أحياناً أنه لا يتم اتخاذ مواقف حاسمة في بعض الحالات نظراً لهذا الصراع القائم سواء الصراع المذهبي أو الديني، ولذلك لا أحد يريد الكلام بالصوت العالي حتى لا يؤثر على جماعة الناس الذين يمثلهم، مع أن هذا الامر ينعكس على الجميع، فمن يستبيح الدم يمكن له استباحة دم كل من يختلفون معه حتى من ضمن مذهبه وهذا ما يحصل حالياً.

ــ ما المطلوب أمام هذا المشهد الذي نراه ؟

– المطلوب أن نعمل جدياً على موضوع استباحة الدم لأنه هو المشكلة وليس الاختلاف الذي كان موجوداً. إلا ان المشكلة الآن هي كيف تحوّل هذا الاختلاف الى استباحة الدم، ولذلك لا بد من التركيز على هذا الأمر وعلى موضوع التكفير لأن هذه هي المنافذ التي نبعد عنها أي شخص يعمد الى القتل، على اعتبار أن المقتول مرتد أو كافر رغم أن الكافر لا يقتل، والله يقول: <لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين>.

وأضاف:

– المطلوب الآن العمل على تعزيز المشتركات والتأكيد عليها خاصة في الإطار السني الشيعي، ونحن ننسى كشيعة مثلاً من أننا نلتقي في الكثير من الأمور مع السنة، والسنة أيضاً ينسون المشتركات مع الشيعة، ونحن الآن في شهر رمضان وكلنا نصوم مع بعضنا البعض وهكذا.

ــ يقال إن كل شيعي لا بد أن يكون سنياً لأنه متمسك بسنة النبي، وكل سني لا بد أن يكون شيعياً كونه متشيع لآل بيت الرسول. فماذا تقول؟

– هذا صحيح، فنحن لا نتبع الأئمة لأنهم يشرعون، بل لأنهم يأخذون عن النبي وسنته، ولذلك نلتقي جميعاً على سنة رسول الله. ومن المفيد أن نصلح هذه الفكرة وأن نتحادث مع بعضنا البعض ونتحاور، وسبق أن شاركت في مؤتمر في الأردن منذ فترة وقلت للمجتمعين إن الشيعة لا يختلفون عن السنّة في موضوع سنّة رسول الله، ونحن نرى أن المشتركات كبيرة ونبدأ من الصلاة والصوم والحج والوسائل العملية المتعلقة بالأحكام، لاسيما البيع والشراء والزواج والطلاق وإن كانت هناك اختلافات محدودة.

واستطرد قائلاً:

– المطلوب اللقاء لكن ليس لقاء رسمياً بل لا بد من النزول على الأرض أكثر من خلال لقاءات منسقة على المستوى العام لأن اللقاءات على مستوى القمم الاسلامية تتخذ طابعاً سياسياً في كثير من الاحيان، وتكون ضمن هذا الطابع أحياناً لا بل تجتمع القمة الروحية عندما تتطلب السياسة الاجتماع.

ــ أليس من المفروض أن يتحرر العلماء من ضغوط أهل السياسة وهم مسؤولون أمام الله؟

– صحيح، لكن السياسة لها دورها في الإتيان بهم، وبالتالي تساهم بشكل أو بآخر في توجهاتهم، كلما قلت، فالمطلوب النزول الى الارض ومعالجة الأمر عبر التواصل والحوار. وعادة عندما يحصل وباء ما مثل الكوليرا أو غيره، ينزل الأطباء الى الأرض لمعاينة الناس ومداواتهم.

 

وباء التطرف

ــ يعني التطرف والإرهاب مثل الوباء؟

– أكيد، هناك وباء موجود اسمه الفتنة التي لا أعرف الى أين يراد لها أن تصل لاسيما وأنها تستخدم في السياسة ايضاً، وبالتالي دعوتنا هي النزول الى الأرض على مستوى الديانات والثقافات والذهاب الى الجامعات والمدارس والاندية الثقافية، والقيام بحوارات منتجة لأن القمم الروحية تبقى ضمن إطارها السياسي بالإضافة الى أن التوصيات لا يعمل على متابعتها وتنفيذ ما اتفق عليه من توصيات، بل تبقى حبراً على ورق، بالتالي لا بد من المتابعة لمعرفة الثغرات وإصلاحها.

ــ وماذا تقول لأهل السياسة الذين لم يتفقوا بعد على قانون انتخاب ولديهم فرصة حاسمة لإنتاج قانون جديد أو الدخول في الفراغ المجلسي؟

– للأسف، يلعبون على حافة الهاوية لكن في النهاية هم لا يسقطون فيها بل يسقطون الناس. أقول لهم بأن يفكروا في المواطنين اللبنانيين وبأن يكون من حقهم كما حال باقي البلدان التعبير عن آرائهم وانتخاب نوابهم، وحقهم في الحياة الكريمة. فاللبنانيون الموجودون في الخارج يرفضون ليس فقط العودة الى لبنان بسبب اليأس، بل حتى الدفن فيه، ولا بد من التفكير بالباقين الذين يفتشون عن أرض أخرى للرحيل إذا استطاعوا ذلك، ولا بد من الرأفة بهم. كما لا بد من السؤال عن سر حرص اللبناني في الخارج على التزام القانون ودفع الضرائب كونه يشعر بأن هذا البلد أعطاه وكرمه واحترمه، بينما في لبنان يرفض الالتزام بالقانون ودفع الضريبة رغم اننا نقول للناس ان من واجبهم دفع الضرائب وفاتورة الكهرباء، لكنهم يسألون لمن يدفعون، في إشارة الى الفساد الحاصل.

وأضاف:

– ونحن لا نبرر ذلك، ولا يجوز التمثل بهؤلاء، بل بالقيم التي تؤخذ من الدين والإنسانية والحرص على هذا البلد، ولذلك ندعو الجميع للعودة الى انسانيتهم لكن للأسف، وكما نرى من خلال مقاربة قانون الانتخاب يظهر أننا لا نريد بناء بلد، بل لا تزال هناك شركة الطوائف، وكل طائفة تحاول قدر المستطاع أن تكسب لنفسها ولو على حساب الطوائف الأخرى تماماً كما كان حال القبائل أيام الجاهلية التي كانت تقوم بالغزو، وفي لبنان لا يزال هناك غزو سياسي رغم أننا نقول ان من حق كل طائفة أن تعيش لكن لا يمكن لطائفة أن تحصل على حقوقها على حساب حقوق الآخرين. وأنا أقول دائماً إن الغبن هو مشروع فتنة وحرب لا يفيد أحداً ولا بد بالتالي من حفظ حقوق كل الطوائف، لا بل نقول على المستوى الديني بأنه لا بد من التفكير بغير المسلمين لاسيما المسيحيين وغير المؤمنين والعكس صحيح ودورنا أن ندعو الى دولة الانسان والمواطنة بأن يشعر الانسان في هذا البلد بأنه مواطن كغيره، وله حقوقه وعليه واجباته ولا بد أن نشعر جميعاً بإنسانيتنا طالما أننا لا نريد أن نجعل من هذا البلد دولة اسلامية، ولتكن للأديان حضورها ونحن نقول إن لبنان يمثل هذا التنوع المذهبي والطائفي لكن لو كان هذا صحيحاً لوجدنا القيم حاضرة في هذا البلد، لكن هذا تنوع طائفي وعشائري باسم الأديان وليس تنوعاً دينياً لأنه لا يمكن فصل الدين عن القيم وعن الصدق والأمانة والانفتاح على الآخر والبعد عن التعصب والانسانية.

الجريمة الفردية والإعدام

 

ــ على ذكر القيم، نرى أن الجريمة الفردية المتنقلة ازدهرت حتى في شهر الله دون أي وازع وسط دعوة للعودة الى العمل بأحكام قانون الإعدام طالما أن القتل متعمد. فماذا تقول هنا؟

– استبيح الدم في هذا العالم العربي والإسلامي ولم يعد هناك احترام للدم وهذه هي المشكلة التي يجب أن نشدد عليها. وطبعاً الأمر ينعكس في كل بلد نتيجة رؤية الدم والقتل عبر عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي بحيث يتم استسهال القتل، ولذلك لم يعد يشعر أحد بجرم كبير طالما غيره يقتل بالمئات والآلاف سواء بالتفجيرات أو بالطائرات أو ما شابه، ولا بد من العمل على التربية من جديد لتأهيل الانسان.

وتابع يقول:

– ففي الغرب عندما يعود الجندي من المعركة تعمد السلطات الى تأهيله من جديد من خلال دراسات نفسية. ونحن بحاجة للعمل من أجل تأهيل انساننا الى جانب تعزيز القانون الرادع والقاسي حتى الإعدام، شرط ألا يسيس هذا الامر أيضاً، أو يمذهب أو يطيف، إضافة الى العمل لمعالجة التوتر النفسي الحاصل نتيجة التوتر الامني والسياسي والاقتصادي الذي يعيشه الإنسان من خلال العمل التربوي والتعليمي لبناء الحلم والإمساك عن غضب الناس وخلق قوة الإرادة والدين يساعد في هذا الإطار.

وزاد قائلاً:

– وطبعاً لا بد من معالجة انتشار السلاح وإعطاء الرخص خاصة وأن من يقتلون يحملون رخص السلاح، ونحن نسأل: على أي أساس تعطى هذه الرخص؟ وهل من خلال <كوتا> لهذا النائب أو الوزير أو هذا الحزب أو الجهة السياسية؟! فلا بد من دراسة ملف كل من يريد رخصة، وبالتالي لا بد عند الكلام عن الإعدام ان نتحدث قبله بهذا الجانب المتعلق ببناء الإنسان وتعزيز القيم الأخلاقية.