15 November,2018

رئيس جمهورية جديد يرتدي ثوب ”النأي بالنفس“

 

قمة عبد الله و”أوباما“ تحدد مواصفات الرئيس ولا تذكر اسماً!

1

اليوم الجمعة مفصل تاريخي في أحداث المنطقة. إنها قمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الأميركي <باراك أوباما> ضيف العاصمة الرياض. فمن هذه القمة سيصدر بيان حول الموقف من الأحداث السورية، وإشارة الى الوضع في لبنان، وموقف دول الخليج من إيران، ومن الصراع الأميركي ــ الروسي حول ابتلاع الروس لشبه جزيرة القرم الأوكرانية، وتهديد جمهوريات أخرى كانت تابعة للاتحاد السوفييتي بالابتلاع ومنها جمهورية <مولدافيا>.

   ويخطئ من يداخله الظن بأن قمة عبد الله ــ <أوباما> ستتفق على اسم رئيس جمهورية لبنان المقبل، بل ستعلن تأييدها لأي اسم تختاره أكثرية النواب اللبنانيين، والمهم حسب قمة عبد الله ــ <أوباما> أن تجري الانتخابات الرئاسية اللبنانية في موعدها الدستوري ولا يقع الفراغ الرئاسي..

   على مشارف قمة الرياض بين المليك السعودي والرئيس الأميركي، كانت هناك زيارة للبنان قام بها وزير الخارجية المصري نبيل اسماعيل فهمي، ضمن سياسة الانفتاح الجديد على الدول العربية، وإزالة آثار الارهاب الاخواني في مصر، وقد اختار بيروت لأنها الطرف الثاني في المعادلة السياسية مع القاهرة. فمصر هي معقل السند الأكبر للعرب منذ زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر طيب الله ثراه، وبيروت هي مرآة الحركة العربية، والاثنان في فلك واحد يسبحان. وقد قيل عن <الاسكندر المقدوني> انه كان يحتفظ بمرآة سحرية تكشف مواقع البلدات التي يريد غزوها، والمرآة السحرية للعرب في هذه الأيام هي بيروت.

   وبقدر ما تمثل زيارة نبيل فهمي للبنان من أهمية في هذه المرحلة بقدر ما تلفتنا كلماته، وخصوصاً تلك التي قالها في مقابلة مع مذيعة <المستقبل> بولا يعقوبيان، وهو ان هناك نية دولية خبيثة لتقسيم المنطقة، بدءاً من سوريا، وأن مصر ستقف بالمرصاد لأي مشروع يحمل هذه الشبهات.

   وسوريا.. ماذا قال عنها نبيل فهمي؟!

   في رأيه ان الصراع في سوريا سيطول، ولن يضع أوزاره في أسابيع أو شهور، وهو أمر ينبغي أن تأخذه قمة الكويت العربية بعين الاعتبار. كذلك عبّر نبيل فهمي عن دعمه لطاولة الحوار التي أعلن عنها الرئيس ميشال سليمان يوم الاثنين 31 آذار (مارس)، حيث سيكون للبنانيين صوت واحد في مواجهة مصير الوطن، ومن يتخلف عن الحضور يتحمل مسؤوليته أمام اللبنانيين.

   وفي الوقت الذي يعلو الرهان على طاولة الحوار، وهي آخر هدية يقدمها الرئيس ميشال سليمان الى اللبنانيين، تتطلع الديبلوماسية اللبنانية الى يوم الخميس 10 نيسان (ابريل) المقبل، موعد انعقاد اجتماع وزراء خارجية دول العالم في روما لدعم لبنان، وتعوّل الأوساط الرسمية في هذا الموضوع على جهود وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، وخصوصاً في الدعوة الى دعم الجيش اللبناني في مواجهة الارهاب.

باسيل وظل حميد فرنجية

   والحركة الديبلوماسية للوزير باسيل هي خير وسيلة اعلامية للمرشح الرئاسي العماد ميشال عون، بل يمكن القول إن الوزير باسيل يطبخ معركة عمه الرئاسية في الخارج، بداية من القاهرة، ثم الكويت، ثم روما يوم 10 نيسان (ابريل) المقبل. فهذه الاطلالة العربية المتجددة للبنان تدعم الوجه العربي للمرشح الرئاسي ميشال عون، مثلما تدعم الوجه الدولي في اجتماع روما.

   وفي مراد جبران باسيل أن يلعب دور الراحل الكبير حميد فرنجية الذي كان أشهر وزير خارجية في تاريخ لبنان، ومن بعده فيليب تقلا وفؤاد بطرس. ولا ينسى حفظة التاريخ من اللبنانيين كيف تنازل رئيس الوزراء الراحل رياض الصلح، طيب الله ثراه، عن رئاسة وفد لبنان الى مباحثات الجلاء في باريس لوزير الخارجية حميد فرنجية في سبيل أن يطل الزعيم الماروني بوجه استقلالي وعربي، بعدما كان غلاة الموارنة يعتبرون فرنسا الأم الحنون أو أم الدنيا عموم. والوزير باسيل هو الورقة التي يلعبها العماد ميشال عون في معركته الرئاسية لتجميل صورته في العينين: عين العرب وعين الغرب، وتقديمه بصورة المرشح القوي.

2

   والمرشح القوي الآخر الدكتور سمير جعجع يلازم معقله في معراب، وليس عنده هدهد يرسله الى بلاد العرب مثل جبران باسيل. ولكن عنده رفاقه في قوى 14 آذار، بدءاً من الرئيس سعد الحريري، والرئيس فؤاد السنيورة، ورب ساع لقاعد كما يقول بديع الزمان الهمذاني في مقاماته المشهورة، وحتى الآن لم يقم الدكتور جعجع، أو من يمثله، بزيارة لأي بلد عربي لتسويق اسمه، فيما الرئيس أمين الجميّل، المنافس الرئاسي لجعجع في قوى 14 آذار، لم يقصر في رحلات تسويق اسمه بين القاهرة والكويت والفاتيكان.

    في كل الأحوال هناك الناخب الخارجي والناخب المحلي. الناخب الخارجي يتمثل في المملكة السعودية ومصر، والناخب المحلي يتمثل بالرئيس نبيه بري جامع شمل النواب، والرئيس سعد الحريري، والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي لم يتسرب عن لسانه أي اسم لمعركة الرئاسة، خلافاً لما فعله سلفه البطريرك الطيب مار نصر الله صفير، عندما سلم الى السلطة السورية أربعة أسماء لم يرس منها أي اسم في جعبة المعركة، بل جاء المبعوث الأميركي <ريتشارد مورفي> عام 1982 من دمشق ليعلن اسم مخايل الضاهر، وبرغم كفاءة الرجل وخبرته السياسية والقانونية، فقد قامت القوات اللبنانية بوضع الحواجز أمامه يوم الانتخاب، وجرى احتجازه في أحد شاليهات كسروان.

شبح الفراغ الدستوري

   والبطريرك الماروني، مثل اسمه، هو الراعي الأول للجناح المحلي في انتخاب السيد الجديد لقصر بعبدا، ولا يجوز أن تخالف ارادته في هذا الموضوع، وهي ارادة مثبتة من الشارع المسيحي الصرف، ومعه دعم الطائفة السنية، وهما كفتا ميزان في التأشير على اسم الرئيس الجديد. ومعلومات وزير الخارجية المصري نبيل العربي تقول إن دول الخليج وأوساط الجامعة العربية تأخذ بالاعتبار كلمة اللبنانيين في هذا الموضوع، فلا يؤتى برئيس رغم ارادتهم، وكان النائب أمين الجميّل في حاجة الى صوت كصوت الرئيس صائب سلام حتى ينشر قلاعه الرئاسية خريف 1982، وقد جاءه ذلك الصوت على طبق من فضة.

   ولكن.. ماذا لو وقع الفراغ الدستوري وتعطلت لغة انتخابات الرئاسة، ودخل لبنان في الدجى، كما شعر أحمد شوقي؟ ساعتئذ سيتحول كل عضو في الحكومة، بدءاً من الرئيس تمام سلام، الى مشروع رئيس جمهورية، لأن مجلس الوزراء مجتمعاً سيقوم بمهام رئيس البلاد، الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، ويولد رئيس جديد في قصر بعبدا. وكل الأمل أن لا تطول هذه المدة، وإلا عاشت البلاد ظروف تفكك وفوضى.

   وإذا كان مرشح الصقور غير مقبول لدخول قصر بعبدا، سواء أكان ميشال عون، أو سمير جعجع، فهل يتفق نواب البرلمان على مرشح توافقي؟

   البطريرك الراعي ضد أي تعديل للدستور، من أجل انتخاب رئيس جديد مثل قائد الجيش العماد جان قهوجي، لا اعتراضاً على الشخص، بل تمسكاً بالمبدأ الديموقراطي الذي كان ولا يزال سمة لبنان، وهذا يفتح الباب أمام أسماء طرية على السمع مثل حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة، ووزير الخارجية الأسبق جان عبيد، ووزير الخارجية الأسبق فارس بويز، والنائب روبير غانم، والوزير السابق ابن مؤتمر <الطائف> ادمون رزق، والوزير السابق شارل رزق الذي كان ملفتاً اختياره للخطابة في مهرجان <البيال> في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، ورئيس مجلس القضاء الأعلى السابق الدكتور غالب غانم، ولا بد أن يكون للرئيس ميشال سليمان دوره كناخب محلي، مثلما كان الرئيس فؤاد شهاب في انتخاب شارل حلو، وشارل حلو في انتخاب سليمان فرنجية، وسليمان فرنجية في انتخاب الياس سركيس والياس سركيس في انتخاب الشيخ بشير الجميّل. ومن الأسماء المقربة الى الرئيس سليمان: الوزير السابق مخايل الضاهر الذي دعاه الى الغداء في الشهر الماضي، واستوضحه رأيه السياسي والدستوري، والوزير السابق ناجي البستاني وإن كان حظه أقل من حظ مخايل الضاهر.

3

   ويبقى في ميزان المرشحين التوافقيين: جان عبيد، بما له من صداقات عربية، ومن تواصل مع كافة الأطياف اللبنانية، وهو حتى الآن يؤثر الصمت، ولا يعلن ترشحه للرئاسة، معتمداً على بيت الشعر القائل: <نحن سكوت والهوى يتكلم>، أي يترك الكلام لعواطف الناس والنواب، وله فيهم عشرات الأصدقاء والمحبين.

   ولكن الرئيس الجديد يجب ألا يأتي من فراغ. فظروف المنطقة سترجح كفة مرشح على كفة مرشح آخر، آخذين في الاعتبار حصول الرئيس السوري بشار الأسد على ولاية رئاسية جديدة، وتحالفه مع إيران وروسيا في تقريب حظ مرشح، وإبعاد حظ مرشح آخر. وكما للسعودية ومصر دورهما في ترجيح كفة الرئيس الجديد، كذلك يتوجب مراعاة التوافق مع إيران، حليفة سوريا في هذا الموضوع، بمعنى ألا يكون الرئيس الجديد خصماً للنظام السوري، وبالضرورة ليس محسوباً على المعارضة السورية، أي رئيس سياسة <النأي بالنفس>، وهو الشعار الذي ابتكره رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وأهداه الى الطقم الخلف ليتقي به العثرات، ولا يقع في الخطأ.

   والرئيس الذي ينبغي أن يأتي قبل 25 أيار (مايو) المقبل، يجب أن يكون صاحب هيبة، فلا يتجرأ عليه أحد، ولا يشكك أحد في قدرته على انقاذ السفينة المشرفة على الغرق… إذا عرف كيف يستعين ببحارة يتناغمون مع أوامر القبطان.

   ويوم الثلاثاء الماضي دخلنا في مرحلة الاستحقاق الدستوري، ولم يعد لمجلس النواب دور إلا دور انتخاب الرئيس الجديد..

   أما المشاريع الأخرى، ومنها سلسلة الرتب والرواتب وقانون الايجارات، وهي مطلب حق فقدرها أن تنتظر، لعل الأيام تبدي ما كنا… جاهلين!