22 September,2018

رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس: لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي لا بـــد مــن المطـالـبـــة بالإســراع فــي تشكيـــل حكـومـــــة استــثـنـائـيـــة!

بقلم طوني بشارة

اسواق بيروت شبخه خالية  b

يقبل لبنان على تشكيل حكومة جديدة، وبعيدا عن العراقيل السياسية التي ترافق تشكيل الحكومة المقبلة، نلاحظ بأن الحكومة اللبنانية بعيد تشكيلها ستواجه مشاكل اقتصادية عديدة، منها النمو الاقتصادي المنخفض الى نسبة لا تتجاوز 1 بالمئة تقريبا، والتضخم الذي لامست نسبته 5 بالمئة، وحلول لبنان بالمركز الثالث لاكبر مديونية على مستوى العالم، ناهيك عن الهدر الكبير في الانفاق العام وارتفاع الدين العام بحسب وزارة المالية الى 79,5 مليار دولار اي ما يعادل الـ151 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي.

فما سبب هذه العراقيل والنسب المرتفعة في الهدر؟ وما هي المسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومة المقبلة؟

شماس ومعاناة القطاع التجاري!

 

رئيس جمعية تجار بيروت الدكتور نقولا شماس افادنا بأن معاناة القطاع التجاري ليست جديدة، والتردي المالي الحاصل بدأ للاسف منذ عام 2005 مع توقف الحكومات المتعاقبة عن اصدار الموازنة، فابتدأت الصعوبات المالية من عجز واستدانة وعدم محاسبة تضرب كل مرتكزات الاقتصاد الوطني، وهذا الانهيار ابتدأ صامتاً واستمر صامتاً حتى 2010، ولبنان اثر تسوية سياسية ظرفية (تسوية الدوحة) كان وضعه جيدا نوعا ما ولكن عام 2010 انتقلنا من ازمة سياسية صامتة الى ازمة صاخبة اقتصاديا واجتماعيا، فمع مرور الايام بدأ التأثر السلبي بسبب جيوسياسية المنطقة من جهة وعدم قدوم السياح الخليجيين الى لبنان من جهة ثانية لاسيما في فترات الاعياد حيث كان قدومهم يساهم في دعم الاقتصاد الوطني.

وتابع الشماس قائلا:

– بالتوازي هناك تأثير مباشر للحرب السورية على الواقع اللبناني وتزايد اعداد السوريين وتأثيرهم على البنى التحتية، فهم شعب يوازون بحجمهم ثلث حجم الشعب اللبناني، شعب للاسف دخل الى سوق العمل وبكافة مجالاته، ونحن بحاجة لهم في قطاعي الزراعة والبناء، ولكنهم للاسف دخلوا في قطاع الخدمات والصحة والنقل وبكافة المجالات الاقتصادية، والمسؤولية هنا تقع على الدولة وعلى كافة اصحاب العمل اللبنانيين، وكجمعية تجار بيروت نحذر من مخاطر استبدال القوى العاملة اللبنانية بقوى عاملة اجنبية، على اعتبار ان كل دخول لعامل سوري الى سوق العمل اللبناني يوازيه خروج لعامل لبناني، مما يؤدي حكما الى انهيار في القدرة الشرائية الجماعية للبنانيين لان اموال السوري تذهب الى الخارج، فالقوة الشرائية الى تراجع في ظل ارتفاع نسبة البطالة لأن الاستهلاك يشكل 90 بالمئة من الاقتصاد اللبناني.

ــ وهل فعلا الاقتصاد اللبناني على شفير الانهيار؟

 – الوضع الاقتصادي بات على حافة الإنهيار أكثر من أي وقت مضى حيث أن المعضلات الهيكلية المشنجة لا تزال قائمة، فيما لم يكن لإقرار سلسلة الرتب والرواتب وللانفاق الإنتخابي، كما كان متوقعا من قبل الجمعية، أي تأثير ملموس ولو طفيف على حركة الأسواق بشكل خاص أو على النشاط الاقتصادي بشكل عام، بل على العكس، إذ دخلت المالية العامة منذ إقرار القانونين رقم 45 و 46/2017 في نفق مظلم لا تستطيع البلاد الخروج منه بالوسائل التقليدية.

ونوه شماس بأنه تقرر تمويل السلسلة من خلال رزمة من عشرات الضرائب والرسوم الموجعة التي أثقلت كاهل الأسر وقوضت قدرتها الشرائية، بالتزامن مع غياب السياح والزوار من الخارج والذين يرفدون الدورة الإستهلاكية بنفس إضافي في المحطات الرئيسية، فضلا عن الضغوط الناتجة عن إقرار متوقع لتعديل قانون الإيجارات التجارية الذي سوف يطال معظم المؤسسات، لاسيما تلك التي دفعت خلوات باهظة.

وأضاف شماس:

– نتيجة لما سبق، فإن النشاط في الأسواق التجارية تراجع، وبحسب المناطق والقطاعات بنسبة تتراوح بين 20 بالمئة و 30 بالمئة مع ذروات لامست 50 بالمئة، خلال النصف الأول من العام الحالي مقارنة مع الفترة نفسها من العام المنصرم، والذي كان هو الآخر نتائجه رديئة.

وأكد شماس أن القطاع التجاري يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة بالمعنى الاقتصادي دون أن تتخذ الجهات المسؤولة أي تدابير حازمة، لا بل على العكس جاء المجلس الدستوري مثلا وإرتكب، من حيث لا يدري ربما، خطأ جسيما بإلغاء غير مبرر وتحت عناوين غير مقنعة، للتسويات الضريبية والإعفاءات التي تطالب بها الهيئات الاقتصادية منذ أمد بعيد، في حين أن تلك الإجراءات هي معهودة وقانونية ودستورية، في لبنان كما وفي الخارج، كما أنه قد فوت على الخزينة، المكسورة أصلا، إمكانية إدخال موارد ضريبية ضخمة كانت تعول عليها بشكل كبير خلال العام 2018.

 

شماس والاثر السلبي!

ــ ما الاثر السلبي لهكذا اجراء؟

– لقد طال هذا الإجراء كل ما تبقى من دورة مالية في القطاع التجاري، وهي منكوبة أصلا، وفي حين تتنامى أعداد المؤسسات غير الشرعية دون حسيب ولا رقيب، يتم الاقتصاص ماليا وضريبيا من التاجر الشريف الذي يعمل تحت سقف القانون.

وأضاف:

– اتوقع أن تشهد السنتان المقبلتان إقفال ما لا يقل عن 20 إلى 25 بالمئة من المؤسسات التجارية التي لا تزال قائمة شرعيا في لبنان، إذا ظلت الظروف الاقتصادية على هكذا حال من دون معالجة.

ــ اشرت في سياق حديثك الى سلبيات مستويات الضريبة على الاسر والمؤسسات، فما الحل البديل؟

– من الضروري اعادة النظر بمستويات الضريبة على الاسر وعلى المؤسسات لانه بعلم الاقتصاد يكون من الهرطقات الكبرى زيادة الضرائب في ظل وضع اقتصادي راكد، فعلينا ان نسعى جاهدين الى تخفيض الهدر من جهة وتخفيف حجم دين الدولة من جهة ثانية، لانه وبحسب احصاءات المصرف المركزي، القطاع العام الذي كان وزنه 17 بالمئة من الناتج القومي قبل الحرب، اصبح وزنه 35 بالمئة، وهذا الامر يعتبر نوعاً من الكفر بالاقتصاد الليبرالي اللبناني، الذي اصبح كاقتصاد اشتراكي ولكن دون خدمات، ففي الدول الاشتراكية هناك خدمات مقابل الحجم الكبير للقطاع العام، ولكن في لبنان هناك كلفة كبيرة في مقابل خدمات صغيرة ورديئة، والامور يجب ان تسمى باسمائها اذ يجب ان تزداد انتاجية القطاع العام لانه مع اقرار السلسلة تم وعدنا بزيادة الانتاجية للقطاع العام وبنوع من المحاسبة والمساءلة وتطبيق مبدأ الحساب والعقاب والمسح الشامل لعدد الموظفين في الدولة، ولكن ما تم وعدنا به لم يطبق فإزدادت الكلفة ولم تزداد الانتاجية.

DSC_7894--nالحكومة المقبلة ومسؤولياتها!

ــ ما المطلوب من الحكومة المقبلة؟

– الكساد عمّ التجارة برمتها، اقتصاديا في كل القطاعات، وجغرافيا في كافة المناطق، وعليه لا بد من المطالبة بالإسراع في تشكيل حكومة استثنائية، يتحلى أعضاؤها بالكفاءات العلمية وجرأة المواقف، لاسيما في الحقائب الاقتصادية، وذلك لوضع وتنفيذ برامج إنقاذية طال إنتظارها، وإستقطاب الاستثمارات المحركة للقطاعات الإنتاجية، وإطلاق عجلة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما وضبط فلتان المالية العامة، وتقليص مساحة الهدر والفساد في الدولة، وتخفيض حجم القطاع العام، والمبادرة إلى تخفيض شامل للضرائب والرسوم عن المؤسسات والأسر، وتخفيف الإجراءات الضريبية، وتخفيض فوائد التقسيط على المتوجبات الضريبية، كل ذلك كشرط مسبق لعودة النمو الاقتصادي المتين والمستدام، وإستحداث فرص العمل المجدية، بالتزامن مع تنفيذ البرامج التي تندرج ضمن <مؤتمر سيدر> الاستثماري، وصياغة خطط لتحديث أسس الاقتصاد الوطني لجهة تقويته وتحصينه من المؤثرات الخارجية.

وتابع شماس قائلا:

– باختصار، الحكومة المقبلة مطالبة باطلالة اقتصادية من اجل اعادة الثقة للمستثمرين والمستهلكين، ويجب تغيير مسار الامور والتأكيد بأن لبنان ليس ميؤوساً منه، فلديه افضل الموارد البشرية وكل مميزات النجاح ولكن القرار يجب اتخاذه جماعيا ويجب ان تجسده الحكومة المقبلة من اجل ان تحظى بتأييد اللبنانيين اولا وتأييد المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الاجانب ثانيا، وعندئذٍ يكون لبنان قد انطلق على طريق الصواب، فنحن امام مفترق طرق وعلينا اتخاذ القرارات الصائبة وكلنا ثقة بالرئيس عون وبقيادته فهو قادر على اظهار لبنان كصاحب معجزات اقتصادية.

وختم شماس قائلاً:

– لذا فإن دور أي حكومة يكمن في مساندة كافة القطاعات الاقتصادية دون تمييز بينها، فتماما كما تقف الحكومة إلى جانب القطاع الصناعي، وعن حق، ينبغي عليها أن تبادر فورا إلى مساندة، لا بل إغاثة القطاع التجاري، وهو المريض الأكبر في الاقتصاد الوطني.