23 September,2018

رئيس بورصة بيروت بالإنابة الخبير القانوني والدستوري الدكتور غالب محمصاني: نعيش في مرحلة سيئة نتيجة الهرطقات الدستورية بحيث أصبح الدستور عند البعض وجهة نظر!

1تتفاوت النظرة بين أهل العلم الدستوري حول مواد وبنود دستورية بدءاً من نصاب الثلثين لانتخاب رئيس للجمهورية في كل الدورات، أو بالنسبة لحدود صلاحيات مجلس الوزراء الذي يرث صلاحيات رئاسة الجمهورية إذا خلت سدة الرئاسة، أو بالنسبة لتشريع مجلس النواب إذا حلّ الفراغ الرئاسي. فماذا يقول البعض منهم؟!

<الأفكار> استضافت في منزل رئيس التحرير الدكتور غالب محمصاني وهو دستوري وحقوقي كبير وسبق أن كان في عداد لجنة قانون الانتخاب برئاسة الوزير الأسبق فؤاد بطرس ويشغل اليوم منصب رئيس بورصة بيروت بالإنابة، وحاورته على هذا الخط، بالإضافة الى عمل البورصة وتأثير الأحداث السياسية والأمنية على حُسن سيرها بدءاً من السؤال:

ــ بداية نسألك عن البورصة وكيفية تعيينك رئيساً بالإنابة لها. فماذا عن ذلك؟

– البورصة حسب نظامنا هي مؤسسة عامة حيث تعيّن الدولة اللجنة التي تديرها، ورئيسها يجب أن يكون متفرغاً، وحسب التوزيع الطائفي والمذهبي، فرئيس اللجنة يجب أن يكون كاثوليكياً، وقد شغل هذا المنصب الدكتور فادي خلف بعدما تسلّم الرئاسة منذ تعيين اللجنة عام 1999 زمن حكومة الرئيس سليم الحص، وأنا كنت نائب الرئيس بعدما أعفى اللجنة السابقة التي عينها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتم تعييننا، وآنذاك طرح  تعييني الوزير جورج قرم وهو صديقي رغم الخلاف في الرأي فيما بعد معه، لكن عند تعيين اللجنة اتخذت طابعاً مضاداً للحريرية. وأنا سألت آنذاك الرئيس الحريري رحمه الله عن تعييني كممثل للشركات، فشجعني وقال انه من الضروري أن نكون داخل اللجنة بدل أن نكون خارجها، كما طرح بعض مساعديه وأنا تعينت نائباً للرئيس حتى العام 2008 عندما عيّن الدكتور خلف رئيساً لاتحاد البورصات العربية، فحللت مكانه بشكل اوتوماتيكي بعد أن استقال وصرت رئيساً بالإنابة رغم أننا كنا نطالب بتعيين رئيس ولجنة جديدة، لكن الوضع الاقتصادي حكم ببقائنا بدءاً من الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008 مما جعل الكثيرين من أبناء الخليج يبيعون أملاكهم ولا يستثمرون في لبنان، وبعدئذٍ جاء الوضع الاقتصادي والسياسي المتدهور في لبنان مثل بقاء البلد دون حكومة وما الى ذلك، وعدم وجود موازنة مما دفع وزراء المالية بدءاً من الدكتور جهاد أزعور الى ريا الحسن وغيرهم الى إبقاء الوضع كما هو.

ــ وما قصة تدشينكم للمعاملات الالكترونية مع الزبائن مباشرة دون وسطاء وما شابه في خلال تطوير النظام المتبع؟

– اختلف الوضع عما كان سابقاً وأصبح عمل البورصة يتم عبر الكمبيوتر من خلال المكاتب، سواء البيع أو الشراء وكلفة الاعمال والرسوم والأسعار و<الكوميسيون> وما شابه، بحيث لا بد أن يتم ذلك ضمن النظام الإلكتروني، لكن هذا النظام لا بد من تطويره كل مرة وتحديثه، ونحن كان لدينا نظام جيد، لكن كان لا بد من صيانته، إنما مع مرور السنوات لم تعد تنفع معه الصيانة، ولا بد من اعتماد نظام متطور وجديد حيث لا يمكن للحظة التوقف عن البورصة، فعملنا على استدراج عروض من عدة شركات لاسيما من <يورونيكس> وهي مجموعة شركات أوروبية وأميركية وهذه العروض تطور الأنظمة، ونحن نتعامل معها، وعرضت علينا نظاماً جديداً ومختلطاً بيننا وبين ثلاث دول عربية هي: الأردن وتونس وسلطنة عُمان، ووحدنا موقعنا جميعاً وحصلنا على أسعار أفضل ووقّعنا الاتفاقية التي يلزمها سنتان لكي تنفذ، علماً أن هذا النظام سيكلف حوالى 4 ملايين دولار، والمبلغ جاهز وهذا الأمر كفيل بإبقاء بورصة بيروت على أعلى درجات الحداثة والتطور، بالإضافة الى ان الشركات ستؤمن صيانة النظام القديم حتى اعتماد النظام الجديد، الأمر الذي يسهّل التداول مع باقي الدول العربية وكل البورصات الأخرى، ولدينا في بداية شهر حزيران/ يونيو المقبل اجتماع اتحاد البورصات العربية السنوي في دبي، وسنكون هناك بين 4 و5 حزيران/ يونيو.

ــ وكيف ترى واقع البورصة حالياً في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بلبنان؟

– الحركة أخف بكثير مما كانت عليه سابقاً، ولدينا 12 شركة تتعامل بالبورصة، لكن هناك أربع شركات دائمة الحركة بدءاً من شركة <سوليدير> والمصارف الثلاثة الكبرى أي <لبنان والمهجر> و<عودة> و<بيبلوس>، لاسيما وأن الشركات تملك أسهماً تفضيلية غير الاسهم العادية، وكذلك الدولة توظف سندات خزينة.

ــ وهل عدم مجيء الخليجيين يؤثر عليكم سلباً؟

– أكيد.. فالأمر لا يتعلق بالسياحة فقط، بل بعدم التعاطي بالأموال، خاصة وان هذه الدول لديها صناديق سيادية وتوظيف أموالها بغية الربح، وهذه الدول بدءاً من العام 2008 – 2009 ابتعدت عن لبنان، لكن لا بد من تحسين الوضع السياسي والحكومي واتخاذ اجراءات عملية تعيد الثقة الى الاقتصاد اللبناني وتنعكس إيجاباً على حجم التداول المالي في بيروت.

هرطقات دستورية

ــ هذا عن البورصة، لكن ماذا عن الجانب الدستوري عند غالب محمصاني، ونحن اليوم في مأزق والفراغ الرئاسي يحكم البلاد. فكيف تلخص لنا المشهد؟

– نحن في مرحلة سيئة جداً من ناحية أن الدستور أصبح لدينا وجهة نظر حيث إذا قرأ أحدنا في وسائل الإعلام عن الهرطقات الدستورية حسب التلون السياسي، يشيب شعره خاصة وانه مع الأسف لم يعد لدينا أساتذة دستور وعلماء مثل ادمون رباط، ورغم ان الدكتور حسن الرفاعي أطال الله عمره لا يزال يكتب ويعلّق وهو الأقرب في آرائه إلينا والى الدستور، وهو افضل الموجود. لكن لدينا أساتذة لاسيما في الجامعة اللبنانية يبررون للسياسيين كل ما يقولونه ولو على حساب الدستور ولا ينصحونهم بما يتلاءم مع نصوص الدستور.

ــ ماذا عن النصاب لانتخاب رئيس الجمهورية؟

– لا يوجد نص يقول بنصاب الثلثين، إلا في الدورة الأولى وباقي الدورات حسب الأكثرية العادية.

ـــ يعني إذا اعتمدنا هذا النص فالرئيس قد ينتخب بأكثرية 33 نائباً، بمعنى إذا حضر 65 نائباً وجرى الانتخاب، فالفائز ينال 33 أي الأكثرية من الحضور؟

– نظرياً هذا صحيح، لكن لا بد أن ينال الأكثرية المطلقة في عدد أعضاء المجلس، أي 65 نائباً، لكن ذلك لا يعني أن يحضر 86 نائباً بل 65 وما فوق. وطبعاً هناك غموض حول هذه المسألة ولا بد من شرح طويل ودراسات لاسيما وان هناك نقصاً في النصوص، لكن الحل هو باعتماد أكثرية الثلثين في الدورة الأولى وبالأكثرية المطلقة في باقي الدورات.

ــ يقال إن فلسفة الثلثين ثبتت عرفاً في كل دورات الانتخاب السابقة ووجدت لقطع الطريق على اتفاق النواب المسلمين مع نائب مسيحي واحد، أو العكس، ما يعني ان نصف اللبنانيين انتخبوا الرئيس فقط. هل ترى أن هذا التفسير منطقي؟

– هذا صحيح، ولكن هذا يعيدنا الى مفاهيمنا التي تغيرت بعدما أصبحت كل طائفة تسير وراء  شخص واحد. وعلّة نظامنا هي ان الديموقراطية لا تمارس في غياب التعددية داخل كل طائفة وطالما تلغى هذه التعددية أو تمنعها من التحقيق كما كان يحصل سابقاً، فلا يمكن ان يكون الامر طبيعياً. وإذا نظرنا الى الطوائف نجد ان هناك أحادية سنية الى حد ما وثنائية شيعية وأحادية درزية، وحدهم المسيحيون يعيشون التعددية.

التشريع ممنوع على المجلس

ــ دخلنا الفراغ الرئاسي، فهل يمكن تعديل الدستور للمجيء برئيس من الفئة الأولى من الموظفين مثلاً أم يمكن أن تتكرر تجربة الرئيس سليمان الذي جاء نتيجة فتوى دستورية، بأنه يحتاج الى التعديل وهو قائد للجيش، عندما دخلنا في الفراغ في انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود؟

– هذه فتوى دستورية اعتمدوها آنذاك، لكن شرط الاستقالة لموظف الفئة الأولى قبل 6 أشهر من ترشحه للرئاسة أمر أساسي، أو يجب تعديل الدستور آنذاك، لا بل تنطبق هذه المادة من باب أولى على قائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان.

وأضاف:

– وأنا أجزم بضرورة التعديل، لكن بالنسبة لحاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة فيقول ان لديه دراسة بأنه ليس موظفاً ولا ينطبق عليه هذا الشرط من الأساس، لكن في رأيي ان هذه المادة تنطبق عليه، لأن الدستور يتحدث عن الفئة الأولى في إدارات الدولة والمؤسسات العامة. والنص واضح في الطائف، وكان القصد منه قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان بالتحديد، لأن لديهما التأثير الأكبر في البلد، وأيضاً ولمجرد أن يقوم أي شخص بخدمة عامة ولو لم يتخذ صفة الموظف بالمعنى التقني ضمن كادر معيّن، فينطبق عليه هذا الشرط.

ــ هل يحق للمجلس التعديل حتى لو لم يكن هناك رئيس؟

– التعديل يحصل ضمن تسوية لا يعارضها أحد لانتخاب رئيس، وهذا ممكن طالما ان التعديل لغايات انتخابية، وليس لمجرد تغيير الدستور.

ــ هل جلسة 27 الجاري لدرس سلسلة الرتب والرواتب كانت غير دستورية طالما تتعلق بالتشريع؟

– في رأيي نعم، لأن الدستور يقول يجب على المجلس ألا يقوم بأي عمل آخر قبل انتخاب الرئيس، وهذا لا ينتهي يوم 25 أيار/ مايو، والرئيس نبيه بري يفسرها كما يحلو له، لكن عليه أن يجري انتخاب الرئيس أولاً، وبعد ذلك يشرع كما يريد، وهذا حقه، لكن ليس قبل انتخاب الرئيس، وبالتالي فالمجلس لا يفقد صلاحيته التشريعية إذا لم يكن هناك رئيس للجمهورية، بل عليه أولاً انتخاب الرئيس الجديد.

ــ حكي عن نية مستقبلية لتعديل الدستور وإعطاء صلاحيات أكبر لرئيس الجمهورية. فهل هذا وارد؟

– ليس أوانها اليوم، لكن الرئيس ميشال سليمان كلف فريقاً بهذا الخصوص وعمل ميشال قليموس على هذه النقطة بالذات وأصدر كتاباً عن الثغرات الدستورية، لكن الأمر مرتبط بالتوافق لأنه يدخل في باب التعديل الدستوري.

ــ هل ترى رئيساً في مدى شهرين؟

– الأمر يدخل في عالم الغيب، لكن يحكى ان شيئاً من هذا القبيل لن يحدث قبل شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، وطالما لم يتم الانتخاب اليوم، فلن تحل العقدة بسرعة وهي تنتظر الحلول في المنطقة.

ــ وما هي حدود صلاحيات مجلس الوزراء بعد الفراغ؟

– تبقى كما هي، ومنذ أيام كانت لدينا ندوة في بيت المحامي تحدثنا فيها عن هذا الموضوع وقلت إن الحكومة تبقى قائمة بكل مهامها وصلاحياتها، ولا تتحول الى حكومة تصريف أعمال ولا تعتبر مستقيلة، وتحل مؤقتاً محل الرئيس وتمارس صلاحياته، بالإضافة الى صلاحياتها الحكومية.

ــ وهل من عيب ميثاقي في ذلك؟

– لا أبداً.. فالدستور لحظ هذه الصلاحيات مع الإدراك المسبق بأن رئيس الحكومة سني، علماً أن الصلاحية هي لمجلس الوزراء مجتمعاً، أي لهيئة جماعية تضم كل المكونات الطائفية والمذهبية في البلاد.

ــ هل يحق دستورياً للنواب المسيحيين أن يقاطعوا الجلسات التشريعية، أم هذا من باب الضغط للإسراع بانتخاب رئيس؟

– لا يحق للمجلس أن يشرع قبل أن ينتخب رئيساً وهم يقاطعون لهذا السبب وليس لأن هناك فراغاً رئاسياً، وهذا إذا حصل ذلك. وأنا من الرأي القائل إن المجلس لا يحق له التشريع.

وتابع يقول:

– هناك نقطة أخرى وهي القول ان الوزراء أجمعين يجب أن يوقعوا أي مرسوم، ولكن لا يوجد نص يقول بذلك، ويبقى المجلس كما هو، بحيث يأخذ القرارات بالتوافق أو بالأكثرية، حيث يوقّع رئيس الوزراء مع الوزراء المختصين فقط. وقد حصل هذا الأمر مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة استثنائياً، لأن المكوّن الشيعي استقال منها، ولم تعد ميثاقية حسب رأي كثيرين، ولكي يتم تحصين الحكومة، اعتمدوا توقيع كل الوزراء حيث لم يكن هناك خطر من عدم توقيع أي وزير لأنهم جميعاً كانوا من لون واحد، لكن اليوم إذا لم يوقّع أي وزير، فماذا يحصل وهل يتوقف أي مرسوم؟

ــ وهل يوقع رئيس الحكومة عن رئيس الجمهورية؟

– لا أعرف بالضبط ماذا سيحصل، لكن يمكن له أن يوقّع كما هي العادة عندما يوقّع أي قرار أو مرسوم ويوقع معه الوزير المختص.

ــ طرح اسمك لرئيس الحكومة منذ فترة، ومن بعدها كوزير، فما عدا ما بدا حتى لم يرد اسمك في إعداد أي تشكيلة؟

– هذا صحيح، طرح اسمي قبيل تكليف الرئيس تمام سلام، وعندما كانت هناك نية في تسمية حكومة حيادية، لكن موضوع  الوزارة كان جدياً زمن الرئيس نجيب ميقاتي، لكنني رفضت كي لا أحرق نفسي بعد معارضة <المستقبل> لها الى أن شكلت حكومة الرئيس تمام سلام، وكان الأمر وارداً لو شكلت حكومة حيادية، لكن الوزارة تقاسمتها قوى 8 و14 آذار وبعض الوسطيين ولا علاقة لي بقوى الاصطفاف، وبالتالي لن يتنازل أي فريق عن حصته، وحصة الرئيس ميشال سليمان كانت محصورة.