14 November,2018

رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس: الـخـــــلاص الاقـتـصـــــــادي مـوجـــــــود فـيـنـــــــــا ولا يـأتـيـنــــــا مــن خـــــــارج الـحــــــــدود!


 

بقلم طوني بشارة

1

يحاول الاقتصاديون بشتى الطرق التعلق بأي أمل يعيد الحياة الاقتصادية الى وضعها الطبيعي، تلك الحياة التي باتت تعاني من جراء الأوضاع الأمنية المحيطة بلبنان من جهة، ومن تصاعد عدد النازحين السوريين والكلفة العالية المترتبة على وجودهم من جهة ثانية، لاسيما وانهم بدأوا يحلون مكان العمالة اللبنانية، وإضافة الى ذلك لا يمكننا ان نتجاهل عدم وجود موازنة منذ العام 2005 والعمل على أساس القاعدة الاثني عشرية، الأمر الذي يتسبب باستمرار العجز في المالية العامة، وتراكم الدين العام الذي تجاوز الـ72 مليار دولار، وبعدم الانضباط في الانفاق العام.

 وبمراجعة دقيقة للأرقام يتبين لنا ان التراجع في الاقتصاد اللبناني وصل الى حدود خطرة، لاسيما في ظل تراجع حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتضرر مختلف القطاعات الاقتصادية التي باتت تعاني من الركود بعد اقفال الحدود البرية بين الأردن وسوريا، وانعكاس ذلك على حركة التصدير اللبناني وتراجعها بنسبة 35 بالمئة وعدم القدرة على المنافسة مع ارتفاع الكلفة. وبالنسبة للقطاع السياحي فلا بد من الإشارة الى أن حركة الانفاق فيه استمرت في التراجع الى حدود 3,5 مليارات دولار بعدما وصلت عام 2010 الى 7 مليارات دولار بسبب استمرار المقاطعة الخليجية القادرة على الانفاق.

دراسة نسناس

إزاء هذا الواقع الاقتصادي المتردي اجرى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان الأستاذ روجيه نسناس وبالتعاون مع عشرة خبراء دراسة يمكن اعتبارها مقدمة للحوار بغية النهوض بلبنان، وتمت هذه الدراسة بعد مناقشة مشاكل عديدة من قبل واضعي الدراسة، وبنتيجة هذه المناقشة تم التوصل الى وضع أفكار توافقية حول الموضوع.

للإطلاع على مضمون هذه الدراسة التقت <الأفكار> الأستاذ روجيه نسناس الذي اعلمنا بأن لبنان اليوم ليس في وضع يحسد عليه، لذا اقترحت كتاب <لبنان الغد نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية> وهو عبارة عن كتاب أنجزته جنبا الى جنب مع شركائي من خبراء اقتصاديين وسياسيين وكبار المسؤولين في الإدارة.

وتابع نسناس:

– يتألف هذا الكتاب من 660 صفحة وهو نشر في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وكان قد سبق هذا الكتاب كتاب آخر تم تحريره عام 2007، وتجدر الإشارة في هذا السياق الى ان طبعة 2007 شكلت مادة امتحانات رسمية وجامعية، وهنا لا بد من التنويه بأن طبعة 2016 استفادت بالتأكيد من طبعة 2007 ولكنها تضم اختلافا جوهرياً، فهي تتجاهل القطاعات وتعتمد نهجاً مستعرضاً للواقع الاقتصادي، إذ لم تعد المسألة تتعلق بالسياحة والصناعة والتجارة او حتى بالتكنولوجيا المتقدمة ولكن بالانتاجية والتوازن ومناخ الاستثمار وتحديداً العمل.

منهجية الدراسة

ــ ماذا عن المنهجية المتبعة في اعداد الدراسة، وهل هي شبيهة بمنهجية دراسة عام 2007؟

– ان المنهجية أيضاً تطورت فلقد عمل على الكتاب الأول عدد بارز من المؤلفين، في حين تم اختيار المؤلفين الجدد بالانتقاء من بين أولئك الذين برزوا من خلال عملهم خلال السنوات القليلة الماضية على مدى الفضاء الفكري في البلاد، واتى النهج الجديد ثمرة لاجماعهم، وشكل كل موضوع على حدة موضوع مناقشة مستفيضة قبل ان يقوم احد الكتاب بصياغته وتقديمه الى الفريق لتنقيحه، ولا يقوم هذا الكتاب على التوازنات الخالدة التي تسمح بإصدار صيغ صالحة اليوم وغدا، فهو لا يتصور المستقبل على صورة الماضي.

وتابع نسناس:

– يلتصق الكتاب بالواقع ويعترف بأن هياكل الاقتصاد تتغير من دون شك مع مرور الوقت، وتختلف التدابير التي يمكننا اتخاذها تبعاً للظروف التي نمر بها.

مبادرة النداء الى حوار علمي وعملي

 واستطرد نسناس:

– هذه المبادرة لا يمكننا ان نعتبرها حلاً للمشكلة، انما هي نداء للجميع كي ينخرطوا في حوار علمي وعملي من اجل صوغ رؤية جامعة للإنقاذ، انها دعوة صريحة للانتقال من السجال الى العمل جميعاً ومعاً لوقف التراجع وللشروع في ورشة الانماء وللانطلاق ببناء لبنان الغد.

ونوه نسناس قائلاً:

– نحن اليوم امام مفترق صعب، ففي الداخل تتراكم الازمات والتحديات، ويحاصرنا الاختناق السياسي والاقتصادي، وتكبلنا الضائقة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية ناهيك عن هجرة الكفاءات وتراجع الاستثمارات وتزايد عجز المالية العامة وتفاقم البطالة والفساد واندثار الطبقة الوسطى وتضخم أعباء الصحة والتعليم والشيخوخة وتعاظم الاخطار التي تهدد سلامة البيئة، إضافة الى مسألة النزوح السوري والتغيرات المتلاحقة التي تهدد دور لبنان الاقتصادي المعهود.

 

الدراسة والحوار

 

ــ ما الهدف الأساسي من هذه الدراسة؟ وما دور المجلس الاقتصادي – الاجتماعي في تحقيق هذا الهدف؟

– تهدف هذه الدراسة أساسا الى تشجيع الحوار بين كافة الجهات الفاعلة الاقتصادية والاجتماعية لوضع استراتيجية طويلة الأمد لتطوير البلاد، وهنا لا بد من التذكير بأن القانون رقم 389 المعدل بالقانون رقم 96 \533 يكلف المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الواقع بضمان مشاركة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية بصفة استشارية في وضع السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك بالتحديد من خلال تحفيز الحوار والتنسيق بين هذه القطاعات الأخيرة، وهي مهمة تتطلب من المجلس جمع أكثر من 70 عضواً من المنظمات العمالية والمهنية في كافة قطاعات الأنشطة الممثلة في لبنان (جمعية الصناعيين، نقابة المحامين…) بالإضافة الى الخبراء المعنيين وتحديدا في مجلس الوزراء بالإضافة الى ممثل عن المغتربين.

ــ الدراسة اشارت الى <سياسات الإصلاح>، فهل من الممكن تطبيقها في ظل انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والذي لطالما كان شعاره الأساسي الاصلاح والتغيير؟

– ان الفصول العشرة المدرجة تحت عنوان <سياسات الإصلاح> تكثر من التدابير والتوصيات فهي نتاج عمل مسؤولين كبار يعيشون الواقع الحالي للميدان ويعرفون تماماً ما يجب القيام به، ولبنان يمتلك كافة عناصر إعادة التأهيل حتى ولو كان يتجاهل هذا الأمر جوهرياً، ولا يعني هذا ان مؤلفي الكتاب يعتقدون بسذاجة بأن تعزيز هذه السياسات من شأنه او يمكنه ان يضع حداً لانقسام السلطة، ويوطد العدالة، ويرشد القطاع الاقتصادي في الدولة، ويحمي البيئة ويوزع الكهرباء 24/24 ويستخدم ويحفظ الموارد المائية، ويساهم في سيادة الشفافية والحوكمة في الإدارة، ويعزز التكنولوجيا والمعرفة، ويكبح الفساد وينفذ برامج الانتعاش… ولكن من المفارقة أن كل ذلك ممكن وهناك اشخاص قادرون وعلى استعداد لتحمل هذه المسؤولية.

roger-nasnas---2 

نسناس واقتراب استحقاق الإصلاح

 

وتابع نسناس:

– مع انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية بات هذا الاستحقاق قريباً وسيتم كما اعتقد تطبيق هذه الإصلاحات، وسيتحقق الهدف الكامل من وراء هذا الكتاب الذي يشكل لعبة الانطلاق وزيادة المساحة البيضاء التي متى هيمنت على الحياة السياسية أحدثت التغيير، ومن المهم أن يعي كل شخص خطورة افعاله او فعالية عمله وان يصبح على بينة من تأثيره على الحياة العامة، وهنا لا بد من التنويه بأنه لا يمكن للخلاص ان يتحقق الا من خلال الجنود المجهولين الذين يقاتلون في الاتجاه الصحيح، ومن غير المجدي انتظار قدومه من ما وراء الحدود او بواسطة قوى غامضة، فالخلاص موجود فينا اذا كانت لدينا الشجاعة للتحليل والتقييم والفهم والفعل.

واستطرد نسناس:

– ان دراستنا تحتاج الى حوار ونقاش وتغيير وتوسيع، فهي مقدمة لحوار اقتصادي – اجتماعي للوصول الى رؤية مشتركة لجميع شرائح المجتمع اللبناني، فعندئذٍ نكون قد سهلنا عمل الحكومة المقبلة والتي ستأخذ بعين الاعتبار هذه الخطة الى جانب اعتبارات أخرى، فنحن كمجتمع مدني لدينا خبرة على الأرض، وقد أعطينا ونعطي رأياً موضوعياً بالمشاكل المطروحة، ونحاول تقريب وجهات نظر المجتمع حول المواضيع الأساسية الحساسة.

ــ لقد اشرت الى ان الدراسة هدفها نهوض لبنان نحو دولة الانماء فكيف سيتجلى ذلك؟ وهل ان المجلس الاقتصادي والاجتماعي قادر على ذلك علما ان لا ميزانية مخصصة له؟

– لا يخفى على احد بأن مثلث النهوض في الداخل يقوم على ثلاثة أمور: الامن، الوفاق والإنماء، كما يرتكز في الخارج على ثلاثة محاور: تفعيل علاقات الانفتاح الاقتصادي مع العالم، اجتذاب الاستثمارات العربية والاجنبية، وتوظيف قدرات الاغتراب اللبناني في معركة الإنقاذ، ونحن بالفعل اردنا نهوض لبنان نحو دولة الانماء كمقدمة لحوار اقتصادي واجتماعي يشارك فيه الجميع، ولقد قمنا بهذا العمل بالتشاور مع المسؤولين والهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام والاتحادات والنقابات وأهل المجتمع المدني كي نرفع الصوت معاً قائلين: لبنان ينادي كل أبنائه من أجل الإنقاذ، ومما لا شك فيه ان المجلس الاقتصادي والاجتماعي حاجة وضرورة لتفعيل الحوار، ونأمل من الدولة الإسراع في تشكيل هيئته العامة واستكمال هيكليته الإدارية.

 

دور الجمعية دولياً

وأضاف نسناس:

– بالنسبة الى الشق الثاني من السؤال فلا بد من التذكير بأن <اتفاق الطائف> عام 1989 أكد على وجود المجلس الذي استوحي تنظيمه من النموذج الفرنسي، غير ان المسؤولين السياسيين الذين لم يروا الفائدة منه استمروا بتأجيل انشائه لفترات طويلة، وفي بداية ولايتي لم يكن لدي من موقع او ميزانية او موظفين وقد أمنت بنفسي مصاريف تشغيل هذه الجمعية، وهنا لا بد من ذكر مفارقة انه عام 2001 تم تعيين ثلاثة مساعدين لي فقط بدلا من 50 موظفاً خصصوا في البداية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وفي نهاية ولايتي لم يكن في الواقع قد تم تجديد المجلس اذ فشل مجلس الوزراء في الاتفاق على التشكيل الجديد، بينما كنت اتحمل إدارة الشؤون الجارية، وقد استمر هذا الوضع ما يقارب الـ15 سنة.

وختم نسناس:

– وبما انني لم أتمكن من إنجاز مهام المجلس على المستوى المحلي، فقد حاولت الحفاظ على تأثير هذه الجمعية دولياً اذ شاركت في انشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي واضطلع حالياً بمنصب نائب الرئيس، وأشن حملة قوية لإنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي – المتوسطي.