21 November,2018

رئيس الجمهوريـــة تــارة هــو المشكلــة وتــارة هــو الحـــل!

 

بقلم وليد عوض

جنبلاط-عون  a

مثلما كان الزعيم الوطني الراحل كمال جنبلاط رقماً صعباً في السياسة اللبنانية، كذلك نجله وليد جنبلاط. فهو الميزان في تقديمات هذا العهد. ويتناغم معه وزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة في وصف الحكم الحالي بأنه أسوأ ما يكون قياساً للخط الحكومي المنشود. كما يتناغم شيخ عقل الموحدين الدروز نعيم حسن مع الموجة فيطالب بحكومة جديدة تجترح الأخطاء، وتوفر للناس أفضل الخدمات. وطبيعي أن يرد وزير الطاقة سيزار أبي خليل، ووزير العدل سليم جريصاتي ونائب التيار الوطني الحر نقولا صحناوي بأن تقديمات هذا العهد في سنة واحدة حققت للبنانيين ما يحتاجونه في عشر سنوات!

وعيب حملة وليد جنبلاط في موقعه على <تويتر> أنها تأتي بعد ساعات من زيارته للسعودية، الأمر الذي أتاح للاعبين بالنار، والمصطادين في الماء العكر أن يخرجوا الى النور، ويمارسوا الدور المرسوم لهم، في حين ان المملكة السعودية هي الكتف السياسي والاقتصادي الوحيد الذي يتكل عليه لبنان، وما هذه الجموع من السياح والزوار السعوديين لبيروت هذه الأيام إلا الشهادة بأن السعودية دائماً هي على الخط!

فهل يريد وليد جنبلاط أن يغير اللعبة ويسعى الى رئيس وزراء غير سعد الحريري؟ وهل هو متفق مع الزعيم الشمالي سليمان فرنجية على رئيس حكومة جديد؟ وما هي حظوظ هذا الاتجاه؟!

في العام 1976 لم تكن هناك أسماء واضحة في الطائفة السنية لاحتلال منصب رئيس الوزراء، ولكن سيد العهد الجديد الياس سركيس سارع الى أن يكون رئيس الوزراء هو الدكتور سليم الحص رئيس لجنة الرقابة على المصارف، وسط تساؤل كبير عن حظ هذا الرجل في الإمساك بالكرسي الثالث للسلطة اللبنانية، ولكنه قدم العديد من الشعارات من أجل أن تكون سورة الحكم، مثل: <يظل الحاكم حراً ما لم يطلب شيئاً لنفسه>، وغصت فيلا الرئيس الحص في عرمون بالزوار والمريدين لأول مرة في تاريخ رئيس الوزراء الجديد. ومن هذا النأي بالنفس عن المصالح الخاصة ولدت زعامة سليم الحص وتولى تشكيل الحكومة عدة مرات جزاء حياده الايجابي.

وكان سليم الحص غريباً على السرب السياسي، يمامة خارج كل قفص، وطير فوق نيران البنادق، وبقي كذلك حتى اليوم. وعند استقباله الرئيس الحريري في الزيارة البروتوكولية التي تسبق تشكيل الحكومات لم تسمح ظروف سليم الحص الصحية بالوقوف لاستقبال الرئيس المكلف فظل جالساً على الأريكة فيما كان سعد الحريري يلقي الكلمة المناسبة للزيارة.

 

رئيس كل المواسم

 

ويختلف سعد الحريري عن باقي رؤساء الحكومة بما عنده من شبكة اتصالات واسعة وحظوة عند كبار الحكام مثل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورئيس الجمهورية المصرية عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون>، ورئيس الولايات المتحدة <دونالد ترامب>، والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، وهذه الحظوة لم تتوفر لأكثر رؤساء الحكومة في لبنان. وما عرف لبنان رئيس وزراء قادراً على غزو مراكز القرار في العالم مثل الشهيد رفيق الحريري، ويأتي نجله سعد الحريري ليكون الرجل الثاني الذي يملك مفاتيح العالم.

فأين أخطأ الرئيس ميشال عون إذن في كل هذه المواقع؟

من حظ لبنان واللبنانيين أن يكون ميشال عون منذ أن كان منفياً في بلدة <هوت ميزون> الفرنسية، خلال السنوات العجاف التي أمضاها وراء الجدران استطاع أن يتصل برؤساء العالم حتى لا يكون غريباً على السرب، وإذا ما وصل الى قصر بعبدا وأطلق صرخته المدوية: <يا شعب لبنان العظيم>!

والدائرون في فلك الرئيس عون لم يعثروا على أية نقطة ضعف في سلوكه كرئيس جمهورية ولا هو متهم بمسايرة أهل الحل والربط في الشؤون الاقتصادية، ولا في رمي مفاتيح الدولة في جيب أي فريق او مقرّب. ونقطة الضعف عنده هو صهره الوزير جبران باسيل المتهم بتوسيع ملكياته وأراضيه في منطقة البترون التي يتولى تمثيلها في البرلمان، وفي اطلاق يده على مستوى سفارات وقنصليات العالم.

الحريري الحص  b 

لا حل خارج الطائف

 

في الأساس وقبل توقيع اتفاق الطائف صيف 1989 كان رئيس الجمهورية أحياناً هو المشكلة، وأحياناً بصورة نادرة كان هو الحل مثل الرئيس فؤاد شهاب، ثم الرئيس الياس سركيس عام 1976. ولذلك تعوّد اللبنانيون على أن التصدي للعهد كان سلاح التغيير. وبسبب الخلاف مع العهد، وتحديداً مع الرئيس شارل حلو، قدم الرئيس رشيد كرامي استقالته بعد انقطاعه ستة أشهر عن ممارسة رئاسة الحكومة، والنزول الى السراي. كذلك قدم الرئيس صائب سلام استقالته عام 1973 إثر تسلل الجنرال الاسرائيلي <ايهودا باراك> على رأس <قومندوس> الى شارع فردان وقيامه باغتيال الزعماء الفلسطينيين الثلاثة: محمد يوسف النجار، وكمال ناصر، وكمال عدوان. وكانت استقالة الرئيس سلام مرتبطة بطلب واحد هو إقالة اللواء اميل البستاني قائد الجيش لأن البلد كان مخترقاً أمنياً، إلا ان الرئيس سليمان فرنجية لم يقبل الطلب، وإلا أصبح أي قائد جيش تحت سكين الإقالة إذا حصل أي اضطراب أمني في البلد، وذلك كان مخالفاً للعدل.

وكان الرئيس كميل شمعون زمان الخمسينات متهماً بالاستئثار بالدولة، على حساب الطوائف الأخرى، ولكنه عندما تقدم في السن أوعز الى صديقه الوزير جوزف الهاشم، من وراء فراشه في مستشفى <أوتيل ديو> أن يتعاون مع الرئيس رشيد كرامي في إيجاد مصباح علاء الدين الكفيل بإنهاء الحرب اللبنانية، وكان الوسيط الآخر هو العميد سمير شعراني.

وعندما اجتمع النواب المسيحيون في مدينة الطائف صيف 1989، استذكروا غير مرة الرئيس كميل شمعون الذي وافق على تحويل سلطات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، وكان ذلك سنداً للحل المطلوب لإنقاذ لبنان، إضافة الى الحلول الأخرى. وأنا شهدت بنفسي كيف كان النائب ادمون رزق بين المشاركين في المؤتمر، للتأكيد على اللبنة التي وضعها كميل شمعون مع رشيد كرامي.

كان اتفاق الطائف لجهة تحويل صلاحيات رئيس الجمهوريـــــة الى مجــــلس الوزراء مجتمعاً، هو المدخل الى الحل اللبناني بصورة نهائية. ولاحظوا عبارة <مجلس الوزراء مجتمعاً>، فهي تعني وجوب حضور كل الطوائف في مجلس الوزراء، دون غياب أي نواب طائفة عن المجلس مثلما حدث زمان الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان يتخذ القرارات في غياب ممثلي الطائفة الشيعية.

ومن مفارقات الزمان ان العماد ميشال عون لم يكن مؤيداً في البداية لاتفاق الطائف، وحاول تعطيله، وهاجم أنصاره البطريرك نصر الله صفير في بكركي وهزوا جسده لأنه أدلى بتصريح مؤيد لاتفاق الطائف. والآن ها هو العماد عون يلتزم اتفاق الطائف ويشهر سيف الدفاع عنه كأساس للتفاهم بين اللبنانيين، وعدم التساهل مع الذين قلبوا له ظهر المجن.

والموضوع الشائك هو موضوع النازحين السوريين. وحسناً فعل وزير الخارجية جبران باسيل حين توجه يوم الجمعة الماضي الى عرسال في البقاع لينقل إلى أهلها رغبة الرئيس ميشال عون في تفكيك العقد التي من شأنها أن تربك الوسط اللبناني.

فاشتباك جبران باسيل مع وكالة الإغاثة الدولية في موضوع النازحين السوريين كان لتوضيح صورة الدولة اللبنانية حيال النازحين، وما اختياره عرسال إلا لأنها مؤلفة من مجموعة سنية صرف، وطائفة السنة هي الطائفة التي تطلب من المجتمع الدولي مد يده الى النازحين السوريين وإبداء استعداد الدولة للأخذ بتوجه هيئة الأمم حيال النازحين السوريين.

والمعادلة هي: من حق كل نازح سوري أن يسترجع أرضه في سوريا في معزل عن خطر الموت والمثول لكل قرار تصدره هيئة الأمم في هذا الخصوص، خصوصاً إذا كان القرار عادلاً ومختلفاً عن القرار الذي وزع الفلسطينيين عام 1948 على البلدان العربية ومنها لبنان.

فالطريق سالكة وآمنة أمام من يريد العودة الى بيته شرط ألا يكون منهاراً، كما من واجب هيئة الأمم أن تصدر القرار العادل حول عودة النازحين السوريين الذين أصبح عددهم فوق المليون وثلث المليون نسمة!