21 September,2018

رئيسة جمعية ”سند“ للعناية التلطيفية في الأيام الأخيرة للمريض لبنى عز الدين: لصون كرامة المريض في بيته!

بقلم عبير انطون

صورة-لبنى-عز-الدين---a

طوال 72 ساعة متواصلة بين مناطق لبنان الجبلية والساحلية، اختار العداء العالمي علي قضامي وتحت عنوان <INFINITY> الركض في مختلف المناطق اللبنانية للتعبير حتى النهاية عن دعمه لجمعية <سند> في قضيتها ومبادئها.

فما هي هذه الجمعية التي ما ان تأسست حتى اصبح لها موقعها في الميدان الطبي – الاجتماعي؟ ما النموذج الذي تعمل عليه بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية في مستشفى رفيق الحريري، وما علاقتها بلجنة وزارة الصحة اللبنانية التي جعلتها ممثلة في احدى لجانها؟

<الافكار> حاورت رئيستها السيدة لبنى عز الدين وعادت بالاجوبة، وقد بدأنا بالسؤال:

– لنعرف القراء بجمعية <سند> ومهامها، وهل انطلقت من تجربة شخصية؟

– تعنى جمعية <سند> بالعناية التلطيفية وهنا لا بد من تعريفها. العناية التلطيفية تعني تقديم الدعم الطبي والتمريضي والنفسي والاجتماعي لاصحاب الأمراض العضال والذين لا أمل لهم بالشفاء بحيث تعاونهم جمعيتنا على ان يمضوا أيامهم الأخيرة وحتى آخر لحظة منها بكرامة ومن دون ألم في بيوتهم. تأسست الجمعية منذ سبع سنوات ما بيني ومجموعة من 5 اصدقاء وصديقات وذلك بناء على تجربة شخصية عشتها، اذ عانت امي من مرض عضال وتلقت العلاج في الاردن، وهي اردنية الجنسية، وقد تلقت العناية التلطيفية التي بدأت منذ حوالى عشرين عاماً في المملكة. المؤسسون الباقون كانت لديهم اسبابهم الخاصة هم أيضاً، واجتمعنا على ضرورة ان يعيش المريض في المراحل الأخيرة مع عائلته بطريقة سليمة. لا أعمار محددة للمرضى الذين نعينهم وعائلاتهم، ولا علاقة لها بالعجز او التقدم في السن انما بالمرض في المراحل الاخيرة.

السند للمريض

 

وفي استذكار لوالدتها تضيف عز الدين:

 – اعود الى تجربتي مع والدتي التي تلقت العناية التلطيفية في الشهرين الأخيرين من حياتها وأمكننا إطلاق <الموت الجميل> على تلك المرحلة بعيداً عن الانتظار الصعب للموت والعد العكسي للايام. والعناية التلطيفية اختصاص موجود ومعترف به، له دراسته ومواده ويتطلب تدريباً طبياً ونفسياً وتمريضياً واجتماعياً. بدأنا بنواة فريق صغير يضم طبيبة متطوعة وممرضة بأجر زهيد وبعض المتطوعين، ونضم اليوم ثلاثة اطباء وأربع ممرضات مع باحثة وفريق مختصر لادارة الموارد، وقد افتتحنا مكتبا لنا في بيروت الكبرى وآخر في البقاع الأوسط ونتطلع الى تأسيس مكاتب في الشمال (طرابلس) والجنوب.

 ــ تقدمون مساعدتكم في بيت المريض له ولعائلته؟ وفي أية اوقات؟

– نحن <السند> الذي يعمل بلا اي مقابل لأربع وعشرين ساعة ولسبعة أيام في الأسبوع في المراحل الحساسة من حياة المريض حيث يكون هو نفسه كما العائلة من حوله مرتبكاً وخائفاً لا بل مرعوباً. في الجمعية نكون مع المريض وعائلته في بيتهم، نجيب عن جميع الاسئلة التي تطرح وما يرافق هذه الفترة من تغييرات جسدية وطبية ونفسية على المريض ونحاول ان ندله والعائلة على الطريق الصحيح، وتعرفون أن المريض في أواخر ايامه يضحى انطوائياً لا يرغب برؤية أحد. نقف الى جانب افراد العائلة وندربهم على الاعتناء به حتى يكونوا مرتاحي الضمير تماماً لما يرحل عنهم، لأنهم قاموا بواجبهم تجاهه بالشكل الذي يجب ان يكون عليه من دون اي لوم او تساؤل، ونشاركهم معنا بشعار الجمعية انه <كما ان هناك أصولاً للدخول الى الحياة، هناك أيضاً أصول للخروج منها>.

 ــ كيف يتم الاتصال بالجمعية ومن قبل اية جهة، المستشفى او المريض، عائلته او غير ذلك؟

– الاتصال بنا كان يتم في البداية بصفة شخصية اي ان الاشخاص يسمعون عنا من احدهم او عبر الاعلام والندوات ويتصلون بنا في حين ان مرضانا اليوم سبعون بالمئة منهم يحوّلون الينا من قبل اطباء ومستشفيات معتمدة، وهذا دليل رائع على اهمية العناية التلطيفية والايمان بما نقدمه. نعمل اليوم مع مستشفيات اربعة كبرى وهي مستشفى <الجامعة الاميركية في بيروت> ومستشفى <اوتيل ديو> و<عين وزين> و<مستشفى الحريري> إذ تمّ إنشاء لجان كل بطريقته بحيث تتدخل خلية العناية التلطيفية، وكجمعية <سند> نقوم بالتعاون مع <مستشفى الحريري> في بيروت لمدة عام، وبناء على عقد مع منظمة الصحة العالمية بتأسيس خلية دعم عناية تلطيفية من داخل المستشفى، على ان يعمم النموذج في حال نجاحه على مستشفيات حكومية أخرى.

ــ لكن في المستشفيات وحدات لهذا الأمر ايضاً، بمَ تختلفون عنها؟

– أبرزها بأننا خارج المستشفى، مع المرضى في بيوتهم، في غرفهم وعلى اسرتهم. وفي لبنان ما من جمعية أو مؤسسة تعمل في هذا المجال ويلزمنا منها أكثر اذ لوجودها أهمية كبرى.

 

استراتيجية وطنية..

ــ كم مريضاً رافقتم الى مشواره الاخير حتى اليوم؟

– حتى الآن كنا السند لحوالى 280 مريضاً حتى آخر العام 2016.

ــ ماذا عن تمويل الجمعية؟

– غالباً ما يأتينا المال من خلال نشاطات خيرية ثقافية وأمسيات نحييها مع فنانين ونجوم تحت الاضواء، وفي هذا المجال نتعاون مع المؤلف الموسيقي وعازف العود القدير شربل روحانا الذي هو، كما العميد علي جابر، سفير لقضية <سند> ومهامها، وسوف نحيي مع روحانا والشاعرين انيس شوشان وزاهي وهبي امسية فنية شعرية نجمع فيها التبرعات، وكنا قد قمنا لهذه الغاية سابقاً بتقديم <ستاند اب كوميدي> وحفلة مع <كورال الفيحاء> وغيرها.

واستطردت قائلة:

 – كذلك تصلنا بعض المساعدات من جهات خارج البلد تهتم بالرعاية التلطيفية ومن بعض الرعاة والشركات. الا ان البارز حالياً هو ما يتبرع به اهل وعائلات المرضى الذين وقفنا الى جانبهم لأننا نقدم عملنا مجاناً من دون مقابل، ويجد الاهالي بالتبرع طريقة نوعاً ما لرد الجميل، كما أننا غير محسوبين على فئة او جهة معينة وتجدوننا في خدمة الجميع. وأشير هنا الى الشفافية المعتمدة من قبلنا اذ أن الذين يتبرعون لجمعية <سند> يحق لهم معرفة كيف تم صرف المال عبر تقارير تعرض عليهم.

ــ وهل من دعم من قبل وزارة الصحة؟

– لا بد لي من الاشادة بوزارة الصحة ومديرها العام الدكتور وليد عمار المهتم جداً بالعناية التلطيفية اذ تم تأليف لجنة لوضع استراتيجية وطنية للبلد على أكثر من مستوى، من ضمنها تعليم الأطباء وتدريبهم ورسم السياسات التي يستطاع بموجبها تحديد الاشخاص الذين يمكنهم وصف ادوية الالم والمهدئات للأوجاع في اوضاع مماثلة، وتضم اللجنة اطباء وممرضين واكاديميين فضلاً عن مؤسسات غير حكومية، وجمعية <سند> موجودة في هذه اللجنة.

وتضيف عز الدين قائلة:

– كذلك تدرس الوزارة مؤخراً كيفية استفادة المريض من العناية التلطيفية عبر تغطيتها مادياً من قبل الدولة بحيث يتلقى المريض العلاج في بيته، وفي ذلك فائدة نفسية له وفرصة للمستشفيات حتى تحظى بعدد اكبر من الأسرة الفارغة لاستقبال مرضى آخرين، إذ ان خدمة العناية التلطيفية يمكنها ان تقدم كل العناية التي تقدمها المستشفى بما في ذلك وصف الدواء بالاتفاق مع طبيب الاورام المختص ما عدا نقل الدم الذي لا بد وان يتم في المستشفى.

 

الموت الرحيم..

IMG_6366----a 

 ــ بعد عهد المريض الى <سند> كيف تتدخلون وما هي المراحل؟

 – بعد تحويله الينا تتوجه الطبيبة الى طبيب المريض الخاص والمتابع لحالته ويجري إعداد خطة الرعاية له من مختلف جوانبها الطبية والنفسية ونباشر عملنا. وهنا لا بد أن أشير الى اننا ندرس تاريخ المريض وشخصيته لأننا ندخل حياته وعائلته، وهذا ما يتطلب تروياً كبيراً من قبلنا من دون اقتحام الخصوصية الشخصية والعائلية. ففهم شخصية المريض اساس للتعامل معه، فاذا كان عسكرياً مثلاً ومعتاداً على اصدار الأوامر واتخاذ القرارات فلا يمكننا عندئذٍ اتخاذ القرارات بدلاً عنه بل نشركه بها، وهكذا دواليك فنتعامل مع كل حالة بحسب الشخصية التي امامنا.

وتزيد عز الدين:

– للأسف حين يكون المريض بوضع مماثل تعتبره العائلة من عداد الاموات فلا يأخذون رأيه او حتى يستشيرونه في علاجه ويتخذون عنه كل القرارات ليس لقلة محبتهم له بل لاراحته او تركه في فراشه، وهذا لا يجوز فإن اراد المريض ان يسمع الموسيقى او يكتب او يتأمل البحر او يفتح الباب فيجب ترك كل الحرية له وهذا يدخل من باب المحافظة على كرامته وصونها.

 ــ هل في مجموعتكم للعناية التلطيفية رجال دين ايضاً؟

– ليسوا من ضمن وحدة العناية التلطيفية علماً اننا ندرك اهمية وجودهم في مثل هذه المرحلة من حياة المريض، الا اننا كمؤسسة <سند> لا نقدم اي دعم ديني انما ندرس ونفهم كيفية نظر الديانات المختلفة الى الموت لأننا ندخل بيوتاً من مختلف الانتماءات. عملنا ليس تبشيرياً لكننا نؤكد على أهمية الدعم الروحاني ووجوده. واذا ما طلبت منا عائلة ما تدخل رجل دين فإننا على اتصال بعدد منهم ويمكننا ان نؤمن التواصل معهم، خاصة انهم اشخاص رائعون ومتوازنون. حتى الآن لم نلجأ الى وجود رجل دين سوى مرة واحدة من ضمن الحالات الكثيرة التي كنا سنداً لها، فضلاً عن ان البيوت لكل واحدة منها مرجعيتها ومرشدها في هذا المجال.

 ــ في مجال العناية التلطيفية لا بد وان يقفز الى البال السؤال عن <الموت الرحيم> الذي بات مشرعاً بالقانون في بعض البلدان وان بشكل نادر..

– اتمنى ألا نصل له قانوناً او تشريعاً، فنحن كجمعية <سند> لسنا مع <الموت الرحيم> على الاطلاق. الناس عادة تطلبه من شدة الالم، ونحن في الجمعية نعمل مع الاطباء على ألا يتألم المريض ونشدد على حفظ كرامته بعيداً عن الوجع.

– هل تخصصت شخصياً في مجال ما من وحدة العناية التلطيفية؟ وماذا عن لهجتك الاردنية الجميلة؟

– انا اردنية – لبنانية، متزوجة من لبناني وأعيش هنا منذ 16 عاماً. اعمل في الجانب التنموي الاجتماعي وفي التعاون مع قطاع المنظمات التي لا تتوخى الربح والمنظمات الدولية وبينها <اليونيسف> واعمل مستشارة في شؤون التنمية.

قصة علي قضامي مع الركض

 

ــ  لنختم مع العداء علي قضامي وما حققه لجمع التبرعات خدمة لقضيتكم في الجمعية..

– علي قضامي بطل <ماراتوني> تعرفنا اليه كجمعية منذ ثلاث سنوات وكان يركض لابنته من ضمن حالة خاصة بها بعد الولادة، فطلب منه الطبيب ان يساعدها ويلهمها ويمشي ويكون المثال لها، فاختار ان يركض كوسيلة لإلهام ابنته وشد عزيمتها، وهي بالفعل استطاعت الركض بعد تخطي مشاكل جسدية جمة واصبحت <سارية> ابنته اليوم بعمر الـ15 عاماً. سمع علي عن قصتي مع والدتي، وآمن بقضية <سند> للعناية التلطيفية فركض لأجل جمع التبرعات للجمعية لتسعة ايام في المرة الاولى في استراليا، ومن ثم ركض لمرة ثانية لمدة 48 ساعة من دون توقف على طول الساحل اللبناني من الجنوب الى طرابلس رجوعاً الى بيروت السنة الماضية، ولحظة وصوله اعلن للجمعية انه سيركض لهذا العام مدة 72 ساعة متواصلة. علي رجل يعجز لساني عن وصفه، وقد عشت معه مشواره مؤخراً لثلاثة ايام من دون ان يغمض له جفن الا لساعة وعشرين دقيقة طيلة ثلاثة ايام واصل بعدها طريقه لجمع التبرعات عبر الـ<اونلاين> وهو جمع حتى الآن لجمعية <سند> عشرة آلاف دولار علماً ان الحملة لجمعية <سند> تنتهي في أواخر الشهر الجاري.