24 September,2018

رئيسة المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس وزيرة المالية السابقة ريا الحفار الحسن: إقــــرار مـجـلـــس الـــوزراء للـمــوازنـــة لـــيـس إنـجـــــازاً بـــل الإنـجـــــاز أن يـقـرهـــــا مـجـلــــس الـنــــواب!  

بقلم حسين حمية

ريا-الحسن---ab

أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري مشروع موازنة 2017 الى اللجان النيابية المختصة لدرسها بعدما أقرها مجلس الوزراء في إنجاز مهم، لاسيما وأن لبنان بلا موازنة عامة منذ العام 2005، على أمل أن يعمد المجلس الى إقرارها قبل انتهاء ولايته في 20 حزيران/ يونيو المقبل. فكيف ينظر أهل المال والاقتصاد الى هذا المشروع؟ وهل يتضمن فرض ضرائب جديدة؟ أم ان الأمر مرتبط بسلسلة الرتب والرواتب الواردة أيضاً على جدول أعمال الجلسة النيابية المقبلة؟

<الأفكار> التقت وزيرة المال السابقة ورئيسة المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس ريا الحفار الحسن وحاورتها في هذا الخضم، بالإضافة الى واقع المنطقة الاقتصادية في طرابلس والطريقة المثلى لإنماء الفيحاء التي تعتبر من أفقر مدن حوض المتوسط.

سألناها بداية:

ــ بداية نسألك: هل تعتبرين إقرار الموازنة العامة إنجازاً مهماً لاسيما وأنها تقر لأول مرة منذ العام 2005؟

– الإنجاز ليس هو إقرار الموازنة والتي يجب أن يقرها مجلس النواب، وإنما الوعي حول ضرورة خفض سقف الإنفاق. وإذا استعرضنا مشروع الموازنة نجد أنه يتضمن خفضاً لمعدل العجز قياساً الى الناتج المحلي، وبالتالي حصل استيعاب من السياسيين بأن هذا المسار الذي نسير فيه بالنسبة للدين والعجز، لا يجوز أن يستمر وبالتالي مشروع الموازنة لحظ خفض كل المواد والخدمات الاستهلاكية في قلب المشروع، وأيضاً بند التجهيزات شهد انخفاضاً بنسبة 20 بالمئة وهذا هو الإنجاز الأهم في تقديري. وإقرار الموازنة اليوم ليس سابقة منذ العام 2005، لأن هناك حكومات سابقة أقرت الموازنة وأرسلتها الى مجلس النواب، وفي عهد حكومتنا عام 2010 قدمنا مشروع الموازنة وأقرها مجلس الوزراء، وهذا ليس إنجازاً إنما الإنجاز أن تقر الموازنة في مجلس النواب.

ــ هل سيقر مشروع الموازنة في مجلس النواب؟ أم ان الوقت سيداهم النواب قبل انتهاء ولايتهم في 20 حزيران/ يونيو وينشغلون بالتمديد أو بقانون الانتخاب الجديد، أو ربما بالخلافات حول قانون الانتخاب بما ينعكس سلباً على الموازنة العامة؟

– في اعتقادي أن العهد يريد تحقيق إنجاز على الصعيد المالي وسيتم إقرار الموازنة، لكن الأمر يستغرق وقتاً لأن المشروع سيدرس أولاً في لجنة المال والموازنة النيابية، ناهيك عن ملف سلسلة الرتب والرواتب، وما إذا كانت ستضم الى مشروع الموازنة أم لا، وإذا حصل ذلك فالأمر يستغرق وقتاً أطول أيضاً لأن السلسلة ستعيد فتح الباب مجدداً أمام المواد الضريبية التي ستمول هذه السلسلة، وبالتالي لا أرى أن الإنجاز هو إقرار الموازنة في مجلس الوزراء، وإنما عندما  تقر في مجلس النواب ويتم حل قضية قطع الحساب المعلق.

إيجابيات الموازنة والسلسلة

ــ كيف قرأت مضمون هذه الموازنة؟

– هي تتضمن عدة أمور إيجابية، فأولاً هناك خفض في النفقات لاسيما في البنود الثلاثة التي سبق وذكرتها،وخفض في نسبة العجز المحلي نسبة الى الناتج المحلي وأصبح 8,7 بالمئة، كما أنها تتضمن بعض الإجراءات التحفيزية التي اتخذت داخل المشروع، لاسيما في ما يتعلق بتحسين بيئة الأعمال وزيادة التنزيلات عن بعض الضرائب لاسيما ضريبة الأملاك البحرية وهي تتضمن بعض التحفيزات للشركات التي تستثمر في مناطق نائية أو انها خلقت فرص عمل لشبان تخرجوا حديثاً، وبالتالي هذه التحفيزات إذا أقرت في مجلس النواب تشكل إنجازاً لاسيما وأنها تدخل في صلب تحفيز النمو وخفض الاعباء عن الشركات الخاصة وعلى الأفراد، ناهيك عن أن الموازنة لا تتضمن أي ضرائب، لا بل تتضمن خفضاً للنفقات وتحفيزاً للقطاع الخاص وللأفراد وهذا أمر جيد في الضرائب المقترحة، لاسيما وان الضريبة على القيمة المضافة تتعلق بإقرار سلسلة الرتب والرواتب.

ــ هل من المفيد ضم السلسلة الى مشروع الموازنة؟ أم يجب تمويلها بإيرادات وضرائب خاصة؟

– ضم السلسلة الى مشروع الموازنة سيغير الوضع إيجاباً إذا بقيت نسبة العجز كما هي، ولكن إذا لم يتم إيجاد مصادر تمويل للسلسلة حتماً ستكون الامور سلبية وسيرتفع العجز مجدداً في مشروع الموازنة، وستكون هناك مشكلة كبيرة لأن وضعنا ليس مستداماً ولا يمكن أن نكمل بهذا المنحى بالنسبة للعجز وللدين العام.

 

وقف التهرّب الضريبي

 

ــ وهل في تقديرك يمكن تمويل السلسلة دون المخاطرة برفع عجز الموازنة مجدداً؟

– إذا لم تفرض ضرائب أو إذا لم نحسن تحصيل الضرائب، لا يمكن المخاطرة برفع العجز من خلال تمويل السلسلة. فهناك طريقتان لتمويل السلسلة: إما فرض ضرائب جديدة، وإما تحسين جباية الضرائب السابقة، خاصة وأن هناك نقصاً كبيراً في الإدارة بالنسبة لتحصيل الضرائب نظراً للهدر الكبير وللانفلات الحاصل من بعض الافراد والمناطق وعدم دفعهم للضريبة، مما يخفف نسبة التحصيل في مختلف المناطق. فقد كانت نسبة الضرائب 24 بالمئة قياساً الى الناتج المحلي وهي اليوم تدنت الى 19 بالمئة ما يعني أن هناك هدراً بنسبة 5 بالمئة بالنسبة للتحصيل.

ــ هل تستبدلين عبارتي <تهرب وهدر> بعبارة <فساد>؟

– الأمر سيان، فالفساد هو الهدر والتهرّب من دفع الضرائب معاً، فالتهرب الضريبي نسبته كبيرة. ونحن من جهة نسبة الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الأرباح من أقل البلدان خفضاً لهاتين الضريبتين في العالم العربي. فنحن ثاني أقل بلد في العالم العربي خفضاً لضريبة الـ<T.V.A> ومن بعدنا تأتي <جيبوتي>، وبالتالي نسبة الـ10 بالمئة مخفضة، إنما التهرب الضريبي يجعلها في نظر البعض مخفضة. وهنا لدينا حلان لتمويل السلسلة، أما رفع الضرائب مع تخفيف النسبة على كاهل ذوي الدخل المحدود والأسر الفقيرة، وإما العمل على تحسين الجباية.

ــ البعض يقترح زيادة الضرائب على الأملاك البحرية وارباح المصارف كونها تدر أرباحاً هائلة. فماذا تقولين هنا؟

– الأملاك البحرية أمر مفروغ منه وكل الكتل ستوافق على فرض ضريبة عليها إذا أقرت السلسلة ويتم تمويلها في جزء كبير من مخالفات الأملاك البحرية، حتى إن البعض يطرح تقديرات منها تصل بين 800 و900 مليون دولار، والأكيد ان هناك اتفاقاً سياسياً حولها، حتى من أصحاب الأملاك البحرية الذين أبدوا كل الاستعداد للدفع. أما بالنسبة للمصارف، فإذا نظرنا الى مشروع الموازنة نجد أن ضريبة الأرباح زادت بشكل كبير لأن ارباح المصارف عام 2016 عالية من جراء الهندسة المالية التي حصلت، ولذلك ستدفع المصارف ما لا يقل عن 800 أو 900 مليون دولار عام 2017، وبالتالي لا يوجد تهرب من قبل المصارف من دفع ضريبة على الارباح بل بالعكس، فكلما زادت ارباح المصارف كلما سيدفعون نسبة أكبر من الضرائب، لكن البعض يقترح أن تدفع المصارف معدلات اعلى كضريبة استثنائية وهذا لا يجوز، لأنه لا يوجد ما يسمى ضريبة استثنائية على قطاع واحد، إنما كلما تزيد الأرباح تزيد الضرائب عليها، لكن لا يمكن تطبيق ضريبة على قطاع بنسبة اعلى من باقي القطاعات بحجة أن هذا القطاع يربح أكثر.

الضمان وقطع الحساب

 

ــ الضمان الاجتماعي والمضمونون عموماً يشكون من مادتين في صلب الموازنة هما المادة 54 والمادة 68 اللتان تتحدثان عن تقسيط ديون الدولة للضمان لمدة عشر سنوات، ما يؤثر على صندوق نهاية الخدمة، وأيضاً بالنسبة لعدم إعطاء براءات ذمة للشركات إلا عندما تحل وتصفى نهائياً. فماذا تقولين هنا؟

– الأكيد أن براءة الذمة من أصعب الأمور المعيقة لعمل القطاع الخاص ولا تسهل انطلاقته. وفي رأيي لا بد أن تبقى براءة الذمة شرطاً أساسياً، لكن هناك بعض الحالات لا تتطلب الحصول عليها ويجب أن تلغى هنا. وكمبدأ عام فبراءة الذمة تعيق عمل القطاع الخاص وهي احدى المطالب الأساسية التي يطلبها لتسهيل عمله. وهنا من الضروري تنمية الاقتصاد، ومن أجل تنميته لا بد من تسهيل عمل القطاع الخاص تحت طائلة أن يمتنع عن الاستثمار في لبنان، وبالتالي لا بد من اعتماد المرونة في التعاطي معه كي لا يهرب الى أماكن أخرى في الخارج نظراً للتعقيد الإداري القائم في لبنان. أما بالنسبة لتقسيط ديون الدولة للضمان، فهذا أمر طبيعي وسبق أن قسطت الديون على سنوات، لكن أن يكون التقسيط لعشر سنوات فهذا أمر غير مرغوب، لأنه يؤثر على ملاءة صندوق الضمان ولا بد أن يتم التقسيط عبر سنة أو سنتين على الاكثر.

ــ وما حل قطع الحساب؟ وهل يجوز قانوناً أن تقر الموازنة دون إقرار قطع الحساب؟

– يمكن الحل من خلال إقرار الموازنة مع اشتراط أن يكفل حق ديوان المحاسبة بدرس كل الملابسات المتأخرة بحيث لا يتم إسقاط حق ديوان المحاسبة في الرقابة المتأخرة، ولا من حق مجلس النواب أيضاً، لكن يمكن تمرير الموازنة حتى الانتهاء من درس قطع الحساب وإقراره لاحقاً. فالحسابات كلها موجودة والتأخير يتم من خلال التأخر في درس هذه الحسابات القائمة وفقاً لقوانين قديمة بحيث يدرس كل حساب على حدة، لكن طالما الانفاق يصل الى 20 مليار دولار، فلا يمكن لإدارة المخاطر أن تدرس كل حساب لوحده، بل يدرس كل الحسابات معاً من قبل المالية، وبالتالي يمكن تمرير الموازنة مع حفظ حق ديوان المحاسبة بدرس كل الحسابات لاحقاً.

طرابلس ومنطقتها الاقتصادية

ــ كرئيسة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس نسألك: أين أصبح المشروع بعد سنة ونصف السنة من انطلاقته؟ وهل تم تجاوز مرحلة الحفر والردم؟

– أنهينا مرحلة الردم، ومن المفترض أن يسلمنا المتعهد الاعمال في الشهر المقبل، ونحن الآن في مرحلة إنشاء المنطقة بالنسبة للبنى التحية وإنجاز الإجراءات والأنظمة والتراخيص لاسيما وأن المنطقة الاقتصادية الخاصة تشبه إنشاء منطقة <أوف شور> (شركة ذات كيان قانوني خاص، والنعيم الضريبي خارج الشاطئ)، ما يتطلب انظمة وإجراءات تكون ملائمة للانظمة الاقتصادية الخاصة المعتمدة في كل أنحاء العالم، وهذا يتطلب وقتاً إضافياً، ولكن بين الردم وبين الأنظمة والإجراءات وبين استكمال البنى التحتية نأمل خلال سنتين من إنجاز كل هذه الأمور بحيث تكون المنطقة جاهزة لاستقبال الشركات التي تؤسس فيها، لكن من خلال طلب المستثمرين العرب والأجانب واللبنانيين نجد إقبالاً كبيراً لكي تؤسس فيها كونها تشكل انطلاقة لإعادة إعمار سوريا من جديد، خاصة ان المنطقة بكل التحفيزات بما في ذلك وجودها على مرفأ طرابلس الذي بدأ ينمو ويكبر، تشكّل إمكانية للاستفادة منها وللانفتاح على الأسواق العالمية.

وتابعت تقول:

– وبالتالي الطلب كبير إنما لا بد من عمل إضافي لاستكمال البنى التحتية، والإجراءات والانظمة المطلوبة. وهنا أذكر بأن أي منطقة اقتصادية في العالم يستغرق العمل فيها بين 5 و7 سنوات حتى ينطلق، ونحن أمضينا سنتين في العمل ونأمل خلال سنتين إضافيتين أن نكون جاهزين على الأقل لاستقبال أول طلب للمستثمرين.

ــ كم تساهم هذه المنطقة في إنماء طرابلس والشمال وتشكل حافزاً للنمو الاقتصادي فيها؟

– إذا نجحت المنطقة كما نأمل، وإذا استطعنا تهيئة اليد العاملة كي تتوظف من قبل الشركات التي ستتأسس فيها، يمكن أن نخلق فرص عمل لا تقل عن 3 أو 4 آلاف فرصة عمل جديدة، إنما لدينا مهمة أخرى وهي أن يضع المسؤولون ثقلهم لاسيما في الشمال لكي يعزز الاقتصاد المحلي بالتزامن مع إنشاء المنطقة الاقتصادية والاستثمارات التي ستأتي من خلال العمل على مهارات اليد العاملة، ونحن اليوم نستطلع عمل التعليم المهني والتقني في طرابلس كي نبدأ بتحضير اليد العاملة، وما هي الموارد الأولية الموجودة بغية تعزيز شبكة الموردين حتى تستعملها الشركات في صناعة السلع التي تستوردها، ناهيك عن استكمال إنشاء البنى التحتية وربطها بالمنطقة الاقتصادية الخاصة، وبالتالي فلا بد من جهد كبير من السلطات المحلية ومن الحكومة المركزية لتأمين البيئة الحاضنة لهذه المنطقة الاقتصادية.

ــ طرابلس التي تعتبر أفقر مدينة على حوض المتوسط، ما الذي يكفل أن تخطو خطوات نحو الانماء، وهل المنطقة الاقتصادية إلى جانب المرفأ والمعرض أمور كفيلة بنهوضها أم ماذا؟

– طرابلس مقبلة على نهضة اقتصادية لاسيماوأنها تملك امكانيات لم تستثمر بعد بعدما مرت بدورة حرب وعدم استقرار. وهي اليوم لديها كل الإمكانيات لكي تنمو من جديد، علماً بأن بيروت وجبل لبنان حصلت منذ عشرين سنة على فرصتها واليوم الدور على طرابلس لكي تنهض، لاسيما وأن هناك امكانات واعدة بين المنطقة الاقتصادية والمرفأ وبين المعرض الذي يتجه نحو التفعيل وبين موقع طرابلس قرب الحدود السورية ما يعطيها الفرصة لكي تنهض وتتقدم، لكن لا بد من استكمال البنى التحتية كما قلت لتساعد المستثمرين على تعزيز القطاع الخاص لطرابلس، بالإضافة الى تأمين الاستقرار السياسي الذي يساعد على هذه النهضة ولا يعيقها.

ــ البعض يقول إنها ستكون محطة انطلاقة نحو إعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الحرب. فهل هذا أيضاً كفيل بمزيد من إنمائها؟

– هـــــذا صحيــــــح، ونأمل أن نستطيع استغــــــلال ذلك، لكن لا بــــد أن نحضــــر أنفسنـــــا لهــــــذه المهمــــــة خلال السنوات المقبلة لكي نستفيد من هذه الفرصة بأقصى الحدود الممكنة.