14 November,2018

رئـــاســــــــة مــؤجــلــــــــــة

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

كثيرون يضعون أيديهم على قلوبهم، فالأمل كبير، كذلك امكانية خيبة الأمل.

ويقال ان الرئيس العتيد متحمس لشيء اسمه الثورة العصرية التي ستبني الجمهورية الجديدة في لبنان كما بنت الجمهورية الجديدة في فرنسا، وستصبح رؤوس الادارة غير مرتبطة بالزعمات الحزبية وغير الحزبية، وينتهي الحلف التاريخي الثلاثي <النائب ــ الوزير ــ المدير>، خصوصاً النائب القريب والوزير الأقرب والمدير المقرّب!

ولكن، هل سيكون للبنان رئيس في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الحالي كما هو مقرر ومعلن؟

وهل ستتحقق الثورة العصرية في حال شعشع قصر بعبدا بأضواء الرئيس المنتظر والناس المحيطة به من كل صوب؟

أولاً، كل المعطيات تفيد بأن لا رئيس في الأفق لا في الواحد والثلاثين من الجاري ولا حتى في الأسابيع الأربعة من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، لأن أحداً من اللاعبين الاقليميين لن يسهم في تسهيل الاستحقاق اللبناني، قبل الثامن من الشهر المقبل تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقبل أن تقوم الادارة الأميركية الجديدة بتدعيم حضورها، وهذا الأمر يتطلب شهرين على الأقل، وقبل تبريد التوتر المتصاعد بين موسكو وواشنطن، وبين طهران والرياض، فضلاً عن لاعبين محليين أساسيين غير متحمسين لاتمام الاستحقاق منعاً لعودة التيار الأزرق الى السلطة من موقع قوة، ومنح حزب القوات اللبنانية لقب عرّاب العهد العوني.

ثانياً: ان اتمام الانتخابات الرئاسية من دون تفاهمات مسبقة، أمر غير واقعي على الاطلاق بالنسبة الى قوى داخلية عدة، لأن المسألة <ليست مجرد توزيع للمناصب الثلاثة الأولى في الدولة، وانما عبارة عن وضع أسس للحكم على مدى سنوات ست>.

وفي حال تمت التفاهمات، كون كلمة صفقات غير مستحبة لدى فاعلي خير التفاهمات، ما هي الضمانات للرئيس الجديد؟ وماذا يستطيع أن يفعل رئيس جديد <قوي> بضمانات وغير ضمانات؟

هل يعرف الرئيس العتيد، في حال وصل الى <جنة الحكم> ان دولة الموظفين تستطيع بدهريتها أن تشغله أسابيع وأشهراً في موضوع اسمه مدير الآثار مثلاً، وبعد أسابيع وأشهر يفاجأ بأن موسم التفاح كاسد وان لا أسواق للمحاصيل الزراعية؟

هل يعرف الرئيس العتيد، في حال وصل الى <قصر الشعب> ان الخطيئة الكبرى التي يمكن ان يقترفها أي رئيس، أن يصبح رئيس دولة الموظفين، لا رئيس لبنان أو رئيس اللبنانيين؟

هل يعرف الرئيس العتيد، ان مواضيع بديهية كالكهرباء والمياه والطرقات والعلم والعدالة الاجتماعية أمور لا حلول لها ولن يكون لها حلول في المديين المتوسط والبعيد؟

وهل يعرف ان التاريخ لا يرحم، وعليه ان يقرر بينه وبين نفسه، ومنذ الآن، وقبل أن يستلم، مَنْ سيكون المهم في عهده، وما الذي سيكون الأهم في عهده؟

ولْنَسرد للرئيس المنتظر هذه الواقعة التي جاءت في خلال احتفال كبير في الولايات المتحدة، على لسان خطيب صديق لوكيل وزارة الدفاع أحيل على التقاعد. يقول: <هذه قصتي المفضلة، تذكّر من أنت>.

<كان وكيل الدفاع وقد تقاعد مؤخراً يلقي خطاباً مكتوباً أمام آلاف من الحاضرين في مؤتمر، وراح يرتشف القهوة من كوب كرتوني، تأمل في الكوب ثم نظر الى الأسفل وابتسم! ثم خرج عن النص ليقول: هل تعلمون انه في العام الماضي كنتُ وكيل وزارة الدفاع وأتحدث في المكان عينه والمناسبة عينها. لكن، في العام الماضي حُجزت لي درجة رجال الأعمال، ووُضعت سيارة خاصة بتصرفي من المطار الى الفندق، وموظف ليكون دليلي ويتمم كل الاجراءات.

وفي الصباح، كان في استقبالي شخص آخر ليرافقني الى هــــذه القـاعــــــة ويوصــــلني الى المدخــــل الخلفـــــــي فغرفــــة التحضير، ثـــــم نــــاولني القهــــــوة في فنجــــــان خـــــزفي جميــــــل.

لكني الآن، لم أعد وكيل وزارة، لقد أتيت على متن طائرة اقتصادية واستقليت سيارة أجرة على حسابي وقمت بإجراء كل ما يلزم بمفردي.

مشيت الى المدخل الأمامي وعثرت على طريق من وراء الكواليس من دون مساعدة أحد.

وعندما سألت أحد الأشخاص: هل لديكم قهوة؟ أشار الى ماكينة القهوة في زاوية الصالة، أعددت القهوة بنفسي وسكبتها في هذا الكوب الورقي.

أضاف: العبرة هي ان كوب القهوة الخزفي لم يكن لي بل للمنصب الذي كنت أشغله، أنا أستحق كوباً ورقياً. كلنا نستحق كوباً ورقياً.

وكلما كنت شخصاً ناجحاً وتبلي بلاء حسناً في الحياة، سوف تمنح العديد من الامتيازات. الناس ستناديك <سيـــدي>، وتحمـــل حقائبــــــك، وتفتح لك الأبواب وتحضر لك كوبـــــاً مــن الشـــــاي مــن دون انتظـــــار طــــلب منك. لكنك لست المستهدف بل منصبك! وعندما تستمر الحياة ســــوف يمنحـــــون كـــــل هـــــذه الامتيــــازات للشخص الذي سيستبدلونه بك.

لا تنسَ أبداً انك تستحق كوباً ورقياً فقط>.

أخيراً، لستَ مضطراً أيها الرئيس العتيد لأن تقول بعد ست سنوات: لو أعادوني لفعلتُ كذا وكذا.

مع كل التمنيات بوصول ليس متوافراً الآن ولا في المستقبل القريب مع الأسف الشديد.