23 September,2018

رؤساء جمهورية لبنان في الميزان و الأصــــدق بينهـــــم كان ”شــــارل ديغــــول“ عـــام 1968 شـــرط ألا تشتـعــــل النـــار بيـــن الـبـسطـــة والـجـمـيـــزة!

 

بقلم وليد عوض

hariri-tamim----2

منذ أن جمع الانتداب الفرنسي أوراقه في لبنان وسوريا زمن منتصف الأربعينات، والشعب اللبناني موصول برؤساء فرنسا، بالقدر الذي يستحقه كل انسان منهم. وبين الرؤساء الفرنسيين <رينيه كوتي> و<شارل ديغول> و<جورج بومبيدو> و<فاليري جيسكار ديستان> و<فرانسوا ميتيران> و<جاك شيراك> و<نيقولا ساركوزي> و<فرانسوا هولاند> كان اللبنانيون يتعاملون مع كل من هؤلاء الرؤساء بمقدار ما يقدمه إليهم من خدمات ويبسط حولهم من حماية. ومثلما كان الرئيس <شارل ديغول> الأصدق بينهم وجاهزاً لرد غائلة أي هجوم اسرائيلي يتعرض له اللبنانيون، ولكنه لا يستطيع شيئاً إذا وقع تصادم بين البسطة والجميزة، كذلك كان الرئيس <فرانسوا ميتيران> وهو يستقبل الرئيس أمين الجميّل في مطلع التسعينات، يقول عبارته المشهورة: <ما كنا نتمناه لم يكن المشتهى عند غيرنا>. وكانت العبارة بالحرف: <Ce qui est souhaité n’est pas souhaitable>.

لقد طلب الرئيس <ميتيران> من الرئيس أمين الجميّل أي تدخل عسكري فرنسي إذا شاء لحماية لبنان من أي عدوان اسرائيلي، ولكن الرئيس الجميّل لم يكن في هذا الحسبان، وكان يرى في المدد الفرنسي عودة جديدة لزمن الانتداب، فرفض الاقتراح!

ومنذ ذلك الحين والعلاقات بين الحزب الاشتراكي الفرنسي والرئيس أمين الجميّل لم تكن على ما يرام.

وكصحافي في الواجهة لم تكن تفصلني صداقة عن الرؤساء والمرشحين لرئاسة الجمهورية. وكان لي مع الرئيس الياس سركيس عدة جلسات مصارحة ومكاشفة، بينما كان ينزل في النهار ضيفاً على فندق <كارلتون> وفي الليل ضيفاً على صديقه رجل الأعمال خالد خضر آغا ابن سير الضنية. وكنت أرى في الرجل، وأنا أختلي به عدة مرات، نموذجاً للحلم السياسي، بحيث كان يسبقني الى النماذج التي كان يريد أن يكون على صورتها ومثالها أواسط السبعينات. وعندما استوى على كرسي رئاسة الجمهورية زرته في قصر بعبدا مع القاضي الشيخ عبد الحميد الحر ورجل الأعمال عبد الكريم بكداش، حيث قال لنا:

ــ لقد أعددت نفسي وبرنامجي على أساس أن أبشر بقانون الانتخابات النسبي ليستوعب كل الفئات اللبنانية دون تفريق، ولكنني اطلعت على دراسة لمفكرين فرنسيين يعتبرون قانون الانتخاب النسبي عملية شق للصف الفرنسي وحالة تخريبية للسياسة الفرنسية، فقررت أن أعيد التفكير في الأمر، وأصرف النظر عن هذا الموضوع.

ومنذ ذلك الحين، أي منذ منتصف السبعينات وقانون الانتخاب النسبي موضوع تداول ولكنه لم يأخذ مكان قانون 1960 الذي سنته حكومة الرئيس أحمد الداعوق، وأورثته الأجيال.

وعاصرت الرئيس سليمان فرنجية وهو متنقل لدواع أمنية بين بيروت وجونية، وكان يقول لي كلما التقينا ان اللبنانيين لم يبلغوا حتى الآن المستوى الفكري والثقافي الذي يتيح لهم الامساك بتلابيب قانون مثل قانون النسبية، وان ظروف البلاد تستدعي ترك الأمور تجري على أسنتها حتى يغير الله من حال الى حال. وأشهد ان سليمان فرنجية كان حراً من نوازع التعصب الطائفي بدليل انه استقبل خريف 1982 مؤسس <الأفكار> جورج اسحق الخوري الذي جاء إليه على عجل لسؤاله عن الشخص الذي أراد أن يبيعه امتياز جريدة <الأفكار>. فالرئيس فرنجية ماروني متأصل، ومن يريد جورج اسحق الخوري أن يبيعه رخصة الامتياز كان مسلماً سنياً من طرابلس. وقد تفرس سليمان فرنجية في وجه جورج اسحق الخوري وسأله: <أليس طالب الشراء لبنانياً؟>! قال له: <نعم>. وسأله: <وهل هو ملتزم بلبنانيته؟>! فأجاب الخوري: <إنه كذلك>. فسأله عمن يكون ولما أخبره انني أنا طالب الشراء قال مستغرباً:

ــ ماذا تنتظر.. اذهب إليه وبعه الامتياز!

 

تليفون الرئيس عون

ولم يكن الرئيس الياس الهراوي بأقل لبنانية من باقي الرؤساء. وقد استقبلني عدة مرات في مقره الرئاسي المؤقت عند منطقة الرملة البيضاء وقصر بعبدا، وقال لي:

ــ أنت كصحافي معرض للمغريات.. ولكن بقدر ما تتمسك بلبنانيتك بقدر ما تتميز عن الآخرين. فاجعل هويتك اللبنانية أساس التعامل مع الناس!

أما الرئيس ميشال عون فلي معه حكاية تشبه المغامرات. لقد تركت بيروت الى الضاحية الباريسية <هوت ميزون> حين غادر السفارة الفرنسية في بيروت. لم تكن الجغرافيا ولا المسافات تمنعني من الالتصاق بالعماد ميشال عون. وعندما استقبلني في ضاحية <هوت ميزون> قال لي:

ــ أعلم انك تجشمت السفر حتى تصل اليّ وتعقد معي لقاء صحافياً. وأنا صديق المسافات وتصاريف الزمن أقدر لك هذا الأمر..

والحق أقول انني لم أتجشم متاعب السفر الى الجنرال، بل حاولت أن أكون وفياً بالمجيء إليكم. فلا أنسى يوم وقفت الى جانبي وأنت رئيس حكومة مؤقتة لتنتقل ملكية الشقة التي أسكنها في بيروت من جــــورج عفيش. وكان العمــــاد عــــون قد اتخذ قراراً بمنع أي مسلم أن يبيع عقاراً باسمه لمسيحي وبالعكس، ولكنني قدمت الاثبات على ان جورج عفيش يملك شقتين باعني احداهما، ولم يغادر المنطقة، وإذ ذاك وبعد التأكد من هذه المعلومات سمح بصفقة البيع.

الوفاء لهذا الموقف، إضافة الى الواجب الصحافي، حملني الى ضاحية <هوت ميزون> لأستكمل العلاقة مع العماد عون. وقد جاءت الخادمة بسماعة التليفون وقالت ان القصر الجمهوري على الخط، ولما استلمت السماعة كان الصوت الآتي هو صوت الرئيس ميشال عون. لقد أراد أن يطمئن عني، ويشكرني على خط التآلف مع العهد الجديد، دون أن تكون لي في الأمر مصلحة شخصية.

وقد قال لي الرئيس عون:

Ministerial-Council---1ــ لقد جمعنا الوفاء وألف ما بين قلوبنا، وأنا أقدر لكم هذا التجاوب مع العهد. أعانكم الله على مهمتكم.

وحتى لا نذهب بعيداً في مؤازرة الرئيس عون، أحب أن أتساءل: هل نفجع بالرئيس عون، كما فجعنا بغيره من الرؤساء؟ أم نظل على تأييده ومؤازرته الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا؟! الجواب واضح وصريح وشفاف وهو ان العلاقات بين القصر الجمهوري والسراي الحكومي هي الميزان لأسلوب مواجهة أحداث البلاد. وكلما تعززت علاقات رئيس الوزراء برئيس الجمهورية، كلما انعكس ذلك خيراً وبركة على البلاد. وكان ملفتاً قيام الرئيس سعد الحريري ظهر السبت الماضي بزيارة الرئيس ميشال عون في القصر الجمهوري للاستئناس برأيه في <منتدى الدوحة السابع عشر> ولقائه بالرئيس القطري الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قبل التوجه الى منصة المنتدى الذي يحمل عنوان <التعاون الدولي وأهمية الاستقرار السياسي والاقتصادي>. وكان في متناول الرئيس الحريري أن لا يعقد مع الرئيس عون جلسة الاستئناس، ولكن حلوله في المنتدى القطري كضيف شرف من جهة وحرصه على توازن العلاقات مع رئيس الجمهورية من جهة أخرى حكما بزيارة الاستئناس..

والاستئناس كلمة ابتكرها الرئيس الراحل كامل الأسعد مع نهاية عهد الرئيس فؤاد شهاب، إذ تردد مرتين على القصر الجمهوري في جونية، وحين سئل عن الغرض من ذلك قال:

ــ إنها زيارة استئناس. لقد كنت أريد أن أعرف ما إذا كان فخامة الرئيس فؤاد شهاب يريد تجديد عهده..

لكن الرئيس الأسعد لم يأخذ من الرئيس شهاب لا حقاً ولا باطلاً.

 

سياسة الاستئناس

ولغة الاستئناس جرى اعتمادها من قبل الرئيس صائب سلام، طيب الله ثراه، حين كانت مفتاح الازدهار في علاقاته مطلع السبعينات مع الرئيس سليمان فرنجية، ثم غابت عن التداول ربيع عام 1973، عندما تعرض شارع فردان لهجوم عسكري اسرائيلي واغتيل القادة الفلسطينيون الثلاثة أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر، وأصر الرئيس سلام على إقالة قائد الجيش اميل بستاني كمحاولة لاطفـــــاء ذلك الحريـــــق، ولما لم يجد صائب سلام مخرجاً لذلك الهجوم الاسرائيلي، عمد الى تقديم استقالته، وحل مكانه الرئيس أمين الحافظ نائب طرابلس، ولكنه لم يحصــــل عـــلى ثقـــــة البرلمان لأن الرئيس كميل شمعون لم يمنحه الثقة لأنها لم تتحقــــق على أيدي النواب المسلمين، وانتهى الموضوع الى تكليف تقي الدين الصلح بتأليف الوزارة.

الشاهد على كل ذلك ان صفو العلاقات بين القصر الجمهوري والقصر الحكومي كان هو المقياس لصفو العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية في البلاد. وكان تقي الدين الصلح في أعلى درجات الذكاء حين استمر الفراغ الحكومي عشرة أيام، ولم يملك تقي بك إلا التوجه الى القصر الجمهوري ليشرح للرئيس سليمان فرنجيـــة ان المبعوث السوفييتي <كيريلنكو> موجود الآن في دمشق وينوي زيــــارة لبــــنان، فإذا استمر الفراغ الحكومي سيقال ان موسكو لا تريد انهاء الأزمة الحكومية اللبنانية، وإذا قــــرر أن يأتـــي فـــلا بـــد أن تكــون في انتظـــــاره حكومــــة كاملة متكاملة برئاسة تقي الدين الصلح، وهكذا كان على الرئيس فرنجية أن يختار، ويستضيف <كيريلنكو>.

 

بين الهراوي والحريري!

 

كذلك جاء حين من الدهر زمان منتصف التسعينات اشتعل فيه الموقف بين الرئيس الياس الهراوي والرئيس رفيق الحريري واختار بعض الوزراء الاستقالة كوزير البقاع بسام مرتضى، واستعين يومئذ بجاره رئيس تحرير <الأفكار> وليد عوض ليذهب معه الى الرئيس رفيق الحريري في صحوة سياسية بقيادة السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري، وشمل جو المصالحة الوزير نقولا فتوش نائب زحلة ووزيرها.

ولم يشهد عهد رئاسي انفتاحاً على أهل الفن، موسيقيين ومطربين، مثل عهد الرئيس الياس الهراوي الذي خصص يوماً من كل شهر لإقامة حفلة غناء في القصر الجمهوري لواحد من المطربين، أو واحدة من المطربات. وكان معجباً بالموسيقار الراحل ملحم بركات، ويبث شريط أغنيته <تعا ننسى الأيام اللي راحت>، ويستقبله في القصر الجمهوري كضيف شرف..

والعين الآن مسلطة على العلاقات بين الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري، خصوصاً بعدما استثني الرئيس ميشال عون من بقية رؤساء الدول الاسلامية في الدعوة الى المؤتمر الاسلامي ــ الأميركي في الرياض، بحضور الرئيس الأميركي <دونالد ترامب>. فقد كان في رأي أنصار ميشال عون أن يستنكف الحريري عن حضور ذلك الاحتفال، بينما رأى فريق آخر ان استنكافه سوف يؤذي مسار العلاقات اللبنانية ــ العربية.

ولكن ماذا يطلب لبنان الآن من العرب؟!

البلد، بما حباه الله من ثروات طبيعية، وانسان مميز في التعامل مع الغير هو الآن في أمس الحاجة الى تدفق الزوار والسياح الخليجيين، حتى إذا حصل هذا التدفق، واغتنت مرابع لبنان السياحية، ولاسيما الفنادق، بالزوار، حصل لبنان على موسم اصطياف من الزهو والازدهار بمكان، وإذا لم يحصل هذا التدفق فسوف تكون هناك عدة علامات استفهام في تعامل لبنان مع أشقائه العرب.

وأغلب الظن، حسب تقارير سفرائنا في الدول الخليجية، ان لبنان سيستقطب مئات ألوف السياح والزوار الخليجيين، ويكون موسم الاصطياف خير دليل على استرجاع لبنان لدوره العربي، ولاسيما ان هناك الآن رئيس جمهورية يؤمن بأن العرب هم أوكسيجين لبنان، وعبثاً البحث عن بديل.

وبالعباءة العربية يستقبل اللبنانيون أهل الخليج مع كامل الانفتاح.