18 November,2018

«ديغــــــــول » تــحت الـبـــلـكون!

 

 بقلم وليد عوض

وليدما أغنـــــى طفــــــولـتي فــــــي طـــــــرابـلس بالذكريات، ولو شئت أن أسردها جميعاً لاحتجت الى مجلدات، ولكنني سوف أكتفي ببعض المراحل والمشاهد التي حفلت بأشياء تكاد لا تصدق..

   أول هذه الأشياء حصان الجنرال <شارل ديغول> رئيس حكومة فرنسا الحرة في الجزائر، وكان الزمان عام 1941 حين قصفت طائرات الحلفاء، ومنها الطائرات الفرنسية المعاقل العسكرية لحكومة <فيشي>، وأبرزها منطقة الكازخانة شرق ميناء طرابلس. فاحتفالاً بهذا النصر على جيش <هتلر>، كان هناك استعراض على الخيل تماماً تحت شرفة بيتنا في عمارة وجيه حسين آغا والد الصديق العميد فؤاد الآغا، عند شارع عزمي. وهو أطول شارع في لبنان باعتبار انه يمتد من أمام بلدية طرابلس وحديقة المانشية أكثر من خمسة كيلومترات، وقد أخذ اسم عزمي تيمناً باسم والي بيروت عزمي بك الذي أحب أن يقدم لأهل طرابلس شارعاً طويلاً يجمع بين البر والبحر، تماماً كما أهدى السلطان عبد الحميد الثاني ساعة التل الأثرية التي هي الآن شعار طرابلس عام 1898 قبل أن تنقلب عليه ترويكا جمال باشا السفاح، وتنصّب مكانه شقيقه الضعيف البنية السلطان رشاد.

   في هذا الشارع، وتحت شرفة بيتنا، وأمام القشلة الفرنسية التي كان فيها ابن خالي فريد الدهني، رأيت الجنرال <شارل ديغول> لأول مرة وهو يمتطي حصانه ويرسل تحياته الى سكان الشارع، وكانت على رأسه البرنيطة العسكرية ذات النجوم، وببراءة الأطفال في عيني، قلت لوالدي الذي كان يقف في <البلكون> الى جانبي: <أبي.. إن الجنرال <ديغول> يسلّم علينا، فلنرد له التحية والسلام>. فابتسم والدي وأشار بيده كما فعلت أنا بعلامة الشكر والامتنان!

   من كان يدري ان هذا القائد العسكري الذي يحيينا من فوق صهوة جواده سيصبح مع الأيام رئيس جمهورية فرنسا ومنقذها، ورمزها الكبير حتى الآن؟! وكل ما أدريه أنني قابلت الجنرال <ديغول> بعيني الاثنتين، قبل أن يقابله أي رئيس في العالم!

   إنها ذكرى تسكنني حتى الآن..

   وثاني الذكريات كانت ترددي مع والدي على منزول محمود بك الخالد المرعبي في سوق العطارين. كان سوق العطارين كتلة من الحيوية ذلك الزمان. فإضافة الى باعة العطورات، منهم شيخ من آل تاج الدين، وكان كل من يمر في ذلك الشارع يكسب على ظاهر يده نقطة من العطر، أو ما كنا نسميه <الماعة>. وفي ذلك الشارع أيضاً كان هناك مقهى يقدم فيه مسرح العرائس رجل يسمى أبو عبد الكراكيزي، نسبة الى الكاراكوز الذي كان يتحرك من وراء الستار بصوت أبي عبد الكراكيزي.

   ومن هذا الشارع، تطل طلعة أدراج بين الحي وبين قلعة طرابلس، وعلى جانبها الأيمن مقام سيدي عبد الواحد الادريسي الذي جاء في القرن الثامن عشر من بلاد المغرب، ومعه عائلات بالجملة منها عائلة سلام، وعائلة حطب.

   على يمين سوق العطارين كان منزول محمود بك الخالد بوجهه المضيء باللون الأحمر، تحت قبوة أثرية، وكان من مظاهر كرمه انه قبل أن يقدم عازف العود أغانيه، ومنها أغنية <مين يشتري الورد مني> لليلى مراد بعدما ذاع صيتها عند عرض فيلم <ليلى غادة الكاميليا>، مائدة عشاء عامرة بأطيب المأكولات. وكم كنت حزيناً بعد ذلك حين جاءنا خبر مصرع محمود بك الخالد في أحد شوارع طرابلس ضمن حالة ثأر عكارية، والثأر يومئذٍ كان سمة ذلك الزمان.

   والذكرى الثالثة عن أطباء ذلك الزمان ومنهم الدكتور عبد اللطيف البيسار، والدكتور كامل الشعراني عم العميد سمير الشعراني الذي غادرنا منذ أسبوعين الى دنيا الحق، والدكتور رشاد الحجة، والدكتور حلمي الشعراني، وفي جيل آخر الدكتور عبد المجيد الرافعي الذي أصبح بعد ذلك نائباً لطرابلس عام 1964. وما يتميز به أطباء طرابلس ذلك الزمان أنهم تحالفوا حتى العظم مع يمين سيد الطب <أبو قراط>، وحفظوا يمينه عن ظهر قلب، وفي غياب المصاعد الكهربائية ذلك الزمان في عمارات طرابلس، ما عدا مصعد فندق <حكيم> فوق مقهى <فهيم>، لم يكن هؤلاء الأطباء يترددون في صعود السلالم الى الطوابق العاليـــة لـفحص مـريض وإعطائه الروشتة ليتم صرفها في إحدى الصيدليات ومنها صيدلية جـــان صـــراف والد الصديق جاك صراف عميد الصناعيين وشقيقه في الصيدلية حنا صراف.

   وفي أكثر الأحيان لم يكن أولئك الأطباء يريدون ثمن المعاينة، إذا كان المريض من أصحاب الدخل المحدود، كما كان للصيدليات يوم في الأسبوع يقدم فيها أصحابها الدواء مجاناً للفقراء. وكان الدواء يومئذٍ يخرج من المدقة الصغيرة أو الهاون الصغيرة كدواء تركيب حسب وصفة الحكيم!

    ويبقى اسم الدكتور عبد اللطيف البيسار، طيب الله ثراه، محفوراً في الذاكرة لسببين: الأول انه صاحب مشروع مد مياه رشعين الى طرابلس مع المهندس رشدي سلهب، وأتاح ذلك لأهالي المدينة أن يشربوا ماء نظيفاً، بعدما كانوا يشربون من مياه نهر أبو علي الملوثة بسبب مرورها بين البساتين وتجمعات الدواب. أما السبب الثاني فهو أن الدكتور بيسار كان من الظرف بمكان فإذا جاءه مريض ليطلب الكشف عليه، قبل أن يدخله وراء البرداية في عيادته عند محلة القبة، قال له: سأطرح عليك ثلاثة أسئلة تغني عن المعاينة: أولها كيف هو نومك، فإذا أجابه بالإيجاب، طرح عليه السؤال الثاني: كيف شهيتك للأكل؟، فإذا أجابه بأن شهيته للطعام ممتازة، سأله، والمريض متزوج: كيف هي أحوالك الجنسية؟ وهنا قد يجيب المريض الآتي: <مش ولا بد يا دكتور>، وإذ ذاك يقول الدكتور البيسار:

   ــ إذن.. ادخل وراء البرداية لأفحصك!

   تلك كانت سمة الأطباء الظرفاء الطيبين أيام زمان. ونردد مع أم كلثوم: <عاوزنا نرجع زي زمان؟ قول للزمان إرجع يا زمان>!a