21 November,2018

ديامــان بــو عبــود: هي مأسـاة الإنسـان في كل مكـان والاغتصـــاب كــان الأصـعــــب ”فـــي سوريـــــــا “!

 

بقلم عبير انطون

d2

تعرّف عن نفسها بأنها <ممثلة، مخرجة، وحالمة..>، وهكذا هي بالفعل من دون ضجيج. تتكلّم بهدوء، بكلام مختصر بعكس أحلامها التي قد تحملها بعيداً في عالم التمثيل الذي اختارته، وبدأت <تجوهر> فيه وتحصد النجاح تلو الآخر. إنها المرّة الأولى التي تزور فيها القاهرة ومنها عادت بأجمل انطباع وأرفع تقدير بحيث فازت بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة السينمائي بدورته الـ39 عن دورها في فيلم <في سوريا> وهو من إنتاج مشترك بين بلجيكا ولبنان وفرنسا.

فما الذي عنته هذه الجائزة الرفيعة لديامان بو عبود، خاصة وأنها في لبنان نجحت في كل شخصية أدتها لكنها لم تصنف بعد تلفزيونياً على الأقل في المرتبة التي تستحقها. فهل تكون هذه الجائزة جرساً يلفت انتباه القيمين على إنتاجاتنا اللبنانية فيسندوا إلى صاحبة الموهبة المضافة إلى دراسة أكاديمية عالية وأدوار متنوّعة ما بين المسرح والسينما والتلفزيون ما تستحقه؟ ماذا عن دورها في فيلم المخرج زياد دويري الأخير <قضية 23>؟ ما دخلها بالحرب السورية مؤخراً؟ وما هو <الجدار الرابع>؟

مع ديامان كان لقاء <الأفكار> وسألناها بداية:

ــ ما الذي جعل مخرجاً بلجيكياً يتصل بك، أين تعرفت بـ<فيليب فان ليو>، وكيف رشحك لدورك في فيلم <في سوريا>؟

– تعرفت بـ<فيليب> لما كنت أشارك في فيلم <طالع نازل> للمخرج محمود حجيج وجسّدت فيه دور مريضة نفسية تزور الطبيب النفسي بشكل دائم، فأحب أدائي وبعد سنة اتصل بي وأرسل لي <سكريبت> فيلم <insyriated> معيناً لي دور <حليمة> ومتمنياً أن أجد نفسي فيه. بعد القراءة وافقت طبعاً منذ النسخة الأولية للكتابة التي عدلت أكثر من مرّة . الدور عنى لي الكثير كإنسانة وكممثلة وفنانة. لم يكن الإبحار في هذا الفيلم سهلاً بحيث أن الأداء كله يجري في مكان واحد: <huis clos> كما نقول بالفرنسية بحيث تدور الأحداث ما بين الشخصيات التي لا تخرج من الشقة حيث تعيش. لا نرى الشخصيات في قلب الحرب الخارجية الدائرة، لكنها تنعكس عليهم في الداخل وتدور كلها في خلال يوم واحد.

ــ عما تدور الأحداث ونعرف أنك تفضلين تركها لاكتشاف المشاهد ولا تحبذين الخوض في التفاصيل؟

– هي قصة عائلة من ضمن عائلة في مبنى واحد وما تعيشه كل منها من صراعات. النماذج جميعها تقاسي بشكل أو بآخر، وفي الحكاية الكثير من نضال المرأة ومعاناتها أثناء الحرب. سأروي الخط العريض باختصار، إذ وبينما كنا نستعد زوجي وطفلي الرضيع وأنا إلى الهرب تردي رصاصة قناص زوجي سمير فور خروجه من البيت. هل مات، هل بقي حياً، من رأى ما حدث وهل سيبوح بالحقيقة؟

ــ أين استفزتك شخصية <حليمة> كممثلة، كيف رسمت ملامحها؟

– هي شخصية تمرّ بأكثر من مرحلة وتعرف أكثر من تحول على مدى نهار واحد، ويترافق التحول مع تصاعد مستمر للأحداث.

ــ <أم يزن> أخت الرجال في الفيلم هي الممثلة الفلسطينية القديرة هيام عباس، ولها أكثر من بصمة في عالم السينما، كيف كان التعاون معها؟

– لا تنتظر هيام عباس شهادة مني. هي رائعة على الصعيد الشخصي وولد بيننا تناغم كبير حتى بتنا نفهم بعضنا البعض من دون اتفاق مسبق.

ــ هل استغربت أن يطرح مخرج بلجيكي الحرب السورية، في حين أن فنانين سوريين وعرباً كثيرين يعرضون عن ذلك منتظرين مرور الوقت الكافي ليكونوا على مسافة من الأزمة حين طرحها؟

– لا لم أستغرب. فهذه القضية تعني أي شخص وقد تناولها <فيليب> على الصعيد الإنساني وانعكاسها على حياة الشخصيات. من الطبيعي أن تطرح الحرب السورية فنياً في السينما أو في مجالات أخرى. وإذا كان الفيلم يدور في فلك الحرب فإنه لا يتناولها حصراً ولا بشكل مباشر ولا يطرح وجهة نظر تجاهها أو يطلق أحكاماً على هذا الفريق أو ذاك. الهم الأول في الفيلم هو الإنسان ويعرض عبره للأوضاع الإنسانية في العالم، مهما كان المكان الذي يقيم فيه، فالمشاهد لا يرى صوراً دموية ولا جثثاً أو أشلاء إنما تسرد الأحداث من خلال اصوات القنابل والصواريخ وما يسمع عبر الإذاعة، أو عبر المعلومات المتداولة ما بين الشخصيات التي تعيش مع بعضها البعض، وما يحدث بين هذه الشخصيات من مناكفات وتحدّيات يومية تعكس المأساتين الخارجية والداخلية للحرب.

ــ في الفيلم مشهد بارز بني عليه الكثير لمنحك الجائزة كما علمنا وهو مشهد الاغتصاب الذي تتعرضين له. هل تتطلّب هذه المشاهد جرأة كبرى؟

– تتطلّب إيصالها بإقناع إلى المشاهد. هي لحظات صعبة حتماً وهو من أصعب المشاهد التي أديتها في الفيلم..

 

«قضية 23>..

ــ إلى <حليمة> لعبت أيضاً دوراً مميزاً في فيلم <قضية 23> للمخرج زياد الدويري عن العلاقات اللبنانية الفلسطينية في أثناء الحرب اللبنانية. هل من مجال للمقارنة بين الدورين؟

– لا، هما عالمان مختلفان تماماً، قاسمهما المشترك الشغف الذي أديت به الدورين.. فهما متباعدان من حيث الموضوع والطرح ولو أن الحرب خلفيتهما، ولكل دور أهميته وخصوصيته.

ــ هل يمكنك رفض دور على خلفية الموضوع الذي يطرحه، أم أن القيمة الفنية للدور بذاته هي ما يتحكم باختيارك؟

– الدور وقيمته الفنية أولا، فهل إذا ما تناول الفيلم موضوع الإجرام مثلاً، ولعبت الشخصية المجرمة فيه، أكون قد تبنيت الإجرام ؟ ما يهمني كممثلة هو إيصال الدور الذي أسند إلي بطريقة صادقة ومقنعة لبلوغ الهدف منه في السياق العام للموضوع المطروح.

ــ بعد فوزك بالجائزة من مصر، سمعنا في أكثر من تعليق بأن الممثل اللبناني يبدع لما يدار من قبل مخرجين أجانب. هل في هذا القول تجن على المخرجين اللبنانيين وأنت عملت مع كبار منهم أولهم سمير حبشي الذي كانت بداياتك السينمائية معه في <دخان بلا نار> وغيره كثيرون؟

– بطبعي، أنا لا أعمم، ولا أميّز بين مخرج أجنبي ومخرج عربي. ليس الجميع بسلة واحدة ويمكن للتفاعل وإتقان الأداء أن يبلغ أعلى مستوى بغض النظر عن الجنسية.

ــ ربما هي المدارس والرؤية المختلفة للإخراج وإدارة الممثلين. أيمكن أخذ ذلك بالاعتبار؟

– ما خص المدارس! القصة تكمن في عيش الشخصية وتقديمها بإقناع في الموضوع الذي يتم معالجته.

ــ هل ذهبت إلى سوريا لتصوير فيلم <في سوريا> وكم استغرق تصويره؟

– لا، في الواقع فقد جرى تصويره في بيروت على مدى 35 يوماً.

ــ ماذا عن اللّهجة السورية في الفيلم؟

– جرى العمل عليها مع شاب سوري لإتقانها.

ــ في السينما اللبنانية شكّلت الحرب الأهلية الموضوع الأوحد تقريباً لفترة معينة على شاشتنا، وبعد مرور الوقت خرجنا منها وإن بقيت تشكل خلفية لأفلام عديدة. هل تتوقعين أن تدور الأفلام السورية لفترة طويلة حول الحرب السورية أيضاً وتمتد الموجة لسنوات؟

– السينما انعكاس للواقع والأحداث، ومن الطبيعي أن تنقل وقائع الحرب وأهوالها بصيغ مختلفة.

ــ هل ساعدتك في دور <حليمة> الحرب اللبنانية التي عشناها ووظفتها في الشخصية؟

– كممثلة، من الطبيعي أن أعود لذاكرتي فأنبش فيها تفاصيل ومواقف تخدم الدور الذي أؤديه. نعم استرجعت بعض التفاصيل التي أغنت أدائي لشخصية <حليمة> وكيفية تعاطيها مع الأمور.

ــ ماذا عنت لك الجائزة من مهرجان القاهرة الدولي وهل هي اعتراف بأداء مميز لم يتم استثماره لبنانياً بالشكل الكافي بعد؟

– لقد فرحت جداً بالجائزة. أثرت بي لأنها من مهرجان القاهرة ومن لجنة تحكيم أقدرها وأحترمها، وقد ضمت بين أعضائها متخصصين في المجال من جنسيات مختلفة، إذ تشكلت من فنانين من مصر وسوريا وفلسطين وتشيكوسلوفاكيا وفرنسا وصولاً إلى الصين والهند وطبعاً برئاسة النجم الكبير حسين فهمي. سعدت جدا بتقديرهم لعملي وتكلموا الكثير عن أدائي ومدى تأثرهم به، فوجدت ترحيباً كبيراً وتعاطياً إيجابياً رائعاً أشكرهم عليه.

ــ هل ستكون الجائزة باباً لك لدخول الساحة المصرية تمثيلاً؟

– لست أدري إن كانت الجائزة ستفتح لي مجالات في مصر. أنا مستعدة لها طبعاً إن كانت مناسبة لي. حتى الآن ما من عروض في هذا الشأن.

ــ مَن مِن المخرجين المصريين تركوا بصمة برأيك؟

– كثيرون أحترم عملهم جداً بينهم خيري بشارة، رفعت السيد، والمخرج الراحل محمد خان الذي التقيته مرة في مهرجان <مالمو>.

ــ ومن النّجمات من لفتك أداؤها في مصر؟

– لفتتني كِندا علوش مؤخراً (ممثلة سورية)، فضلاً طبعاً عن نجمات مصريات قديرات بينهن يسرا على سبيل المثال.

ــ لقد خصتك كِندا علوش بتحية عبر صفحتها باللغة الإنجليزية قائلة: <إنها ممثلة رائعة وروح رائعة> بعد فوزك بجائزة أفضل ممثلة.

– وهي أيضاً كذلك.. أشكرها.

 

<انتيغون>… لبنان

ــ تختارين الأدوار الصعبة، المتعبة، فمرّة تعانين نفسياً من شلل الأطفال كما في مسلسل <روبي>، وفي <طالع نازل> مريضة نفسياً، حتى إنك في فيلم <وينن> الذي شاركت في كتابته مع جورج خباز لعبت دور الفتاة التي حرمت من حنان والدها بعدما خطف في الحرب اللبنانية. متى سنراك في قالب كوميدي، وأعتقد أن لديك حساً كوميدياً عالياً جداً ستثبتين نفسك فيه أيضاً؟

ــ تجيب ديامان بسؤال: على ماذا تستندين في قولك إنني أملك حساً كوميدياً عالياً؟

– أعتقد بأن من يجيد الأدوار الدرامية إلى هذا الحد، من المؤكد أن فيه جانباً <ساخراً> و<مهضوماً> أيضاً..

– صحيح. وفي المسرحية الأخيرة التي لعبتها مع المخرج جاك مارون تحت عنوان <أخت الرجال> أديت شخصية كوميدية، وهي قدمت في عرض واحد فقط على مسرح المدينة في العام 2016 وعرفت أصداء جميلة جداً. على بالي الكوميديا، شرط أن لا تكون شخصية <خفيفة> بل من النوع الذي يحمل قيمة معينة. قد تكون من ضمن الكوميديا السوداء الساخرة التي تحمل بعداً عميقاً في نص ذكي مدروس وغير سطحي. الأمر يعود للطريقة والطرح، وكممثلة من الجميل أن أظهر مختلف الجوانب التي أنا عليها.

ــ ما جديدك اليوم؟

– لا زلنا نقوم بعروض للمسرحية الفرنسية <الجدار الرابع> حيث ألعب دور <إيمان> البنت الفلسطينية التي ولدت في لبنان ويطلب منها تجسيد شخصية <انتيغون> الرافضة للقمع والظلم بطلة عرض المخرج الفرنسي <جوليان بوفيه> المستنبط من نص الكاتب والمراسل الصحافي الأسبق لصحيفة ليبراسيون الفرنسية في لبنان، <سورج شالاندون>، وأنا أشارك بها من ضمن جولات في فرنسا وبلجيكا، ولا يزال أمامنا عدة عروض منها في فرنسا. هي مسرحية تدور في بيروت خلال الحرب الأهلية وعن خطوط التماس حينذاك، وتنقل المسرحية جوانب عديدة من الواقع المرير حينئذ.

ــ و<بغير الجدار الرابع>؟

– أدرس الآن عروضاً عديدة أتكلم عنها لاحقاً كما أنني أستاذة في الجامعة اللبنانية في معهد الفنون بحيث أدرس في السنة الأولى المسرح والتمثيل فيما أدرس في السنة الثانية التمثيل وإدارة الممثلين.

ــ ومتى سيتمكن المشاهد اللبناني من الحكم بنفسه على استحقاقك لجائزة أفضل ممثلة عن <insyriated>؟

– من المفترض أن يبدأ عرضه في شهر كانون الثاني (يناير) مع العام الجديد. وأنتظر آراءكم!