7 July,2020

دسّت صورها المبتكرة بين صور المرشحين  أنفسهم ما بين الحمرا والأشرفية...!

 

بقلم عبير انطون

RAMZ6385

هستيريا الصور الانتخابية تعكس حالاً ليس في أفضله مع هــــذا الغــــزو للشـــوارع والطرقـــــات والاعمدة والشجر والحجر وكل زاوية او مساحة يبلغها النظر. هذه الظاهرة لا بد انها استوقفت الكثيرين الذين ما عادوا ينظرون الى صور المرشحين الذين يدعونهم الى انتخابهم بسبب <الزغل> الذي اصاب عيونهم، وذلك من كثرة الالوان والاحجام والشخصيات المصورة <معرّمة واثقة> او <حبوبة قريبة> فضلا عن الشعارات التي بات الناخب يقرأ الحرف الأول منها حتى يعرف التتمة لشدة ما هي <تجتر> منذ سنوات وسنوات، والأدهى ان غالبية المرشحين تحدثوا ببنود سريعة او مطولات انتخابية عن البيئة وضرورة الحفاظ على نظافتها ومواردها، فهل فكر اي واحد منهم عن مصير هذه الصور بعدما <تنتهي الهمروجة> ونستفيق من تنكيل نظرنا وحواسنا وشوارعنا وبيئتنا؟

الحق الانتخابي للمرشح بنشر وتعليق صوره مكتسب ولا جدال فيه، لكن بالمقابل اليس من حق المنتخب ان تبقى الامور في اطارها المنظم، المنطقي والطبيعي خارج كل هذه الفوضى العارمة؟ وهل يعقل ان تسد منافذ جسر <طويل عريض> تطل على الشوارع تحته بيافطة هي اطول من الياذة هوميروس في الحب والبطولة؟

 هذه <الهجمة> لصور المرشحين مضحكة في ظاهرها مؤلمة في جوهرها اذ انها عميقة في دلالاتها وتحمل معها أكثر من سؤال.

وجوه وكلمات

صور المرشحين هذه استفزت الكثيرين، منهم الفنانة والباحثة في الفن اليان توما فحولت استنكارها <تجهيزا فنّيا> يعرض ويعترض ليس فقط على كم الصور الهائل انما ايضا على ما نشهده من توريث سياسي، وهي تعرض عملها في دار المصور في بيروت حيث اتخذت لمعرضها غرفتين:

في الاولى تعرض <الفيديو> و<البورتريهات> التي تشكلت منها الصور <Portraits Taking Form>.

 وفي الثانية يشاهد الزائر صورا من مختلف الشوارع التي اضافت اليها اليان هذه البورتريهات الجديدة، والتي نتجت عن عملها المعروض في <الفيديو>.

تعرفنا اليان توما بنفسها:

– أنا فنانة وباحثة في مجال الفنون البصرية تخرجت من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية. انهيت شهادة الماجيستير في الفن <الغرافيكي> والتواصل البصري في العام 2009 واستكملت الدراسة ايضا في مجال البحث في الفن فتسجلت في مدرسة الدكتوراة من ضمن الماجيستير البحثي في الفن وعلوم الفن 2016. شاركت في معارض جماعية عدة في لبنان فضلا عن اقامات فنية بين لبنان والمانيا والاردن، وعملي في غالبيته هو في مجال الـ<نيو ميديا> او الصورة <الديجيتال> اي الرقمية كما نعرفها.

 زحمة يا دنيا

بين زحمة الصور ووجوه السياسيين الورثة، ذكريات لا تمحى، وخسارات لامتناهية. فعندما يتجذّر الماضي المؤلم في واقع جيل ما بعد الحرب، يحمل معه أزمات نفسية متكررة. واقتحام الماضي للحاضر هو محاولة استذكار واعادة بناء للذاكرة الجماعيّة في نموذج يتخطّى الحقائق.

من هذه النقطة انطلقت اليان في مشروعها الفني الجديد من نوعه وقد سمته بالفرنسية <Permutations> بينما قدّمته باللغة العربية تحت عنوان <تداخلات> فنية، وهو يطرح موضوعا له علاقة بوضع اجتماعي- سياسي عشناه ولا زلنا كلبنانيين منذ ما قبل الحرب الى يومنا هذا، وتقول اليان لـ<الأفكار>.

– عملت فيه على مجموعة صور لسياسيين لبنانيين معروفين عبر  <تجهيز> فني مبتكر، وصور نتجت عنه.

 

اية صدقية؟

– يرتكز مشروع <تداخلات> على امرين اساسيين تشرحهما اليان: الكم الهائل من الصور للمرشحين الى الانتخابات، ومع بدء الحملات الانتخابية للمرشحين على النيابة استفزني نشر الأحزاب والجهات والمرشحين المختلفين هذه الكميات الهائلة من الصور اينما كان وكيفما اتفق، اما الفكرة الثانية فهي التوريث السياسي الذي نعيشه في لبنان منذ عقود وهو من العوامل الجوهرية التي تبقي على النظام الطائفي مطبقا في الحياة السياسية.

وتزيد اليان:

– في الواقع بدأت الفكرة تتبلور في خاطري منذ ثلاث سنوات، وذلك مواكبة لمشروعي البحثي للجامعة حول <الكم المتزايد للصور وتأثيرها على مفهومنا للفن بحد ذاته> لأنه مع الثورة الرقمية باتت كمية الصور اكبر من ان تستوعب، مع طرح السؤال: <الى اي مدى لا زالت الصورة تعكس حقيقة او صدقية معينة؟> وكان أن تزامن طرحي للسؤال ايضا مع الموجة التغييرية التي كان البلد يمر بها في العام 2015… لقد أصبحنا غارقين في بحر من الصور بمعنى او من دون معنى، حتى فقدت هذه الصور الكثير من اسباب وجودها ورمزيتها او دلالاتها.

Print-2ومن حيث تنفيذ الفكرة تكمل اليان:

– ينقسم المشروع الى قسمين: الاول <نيو ميديا انستاليشن> وفيه ابتكرت لكل عائلة سياسية تقليدية معروفة في لبنان ما سميته بالفرنسية < Portrait Photographique Anime> <بورتريه فوتوغرافي متحرك> لانه كذلك، وهو غير ثابت، بمعنى ان <البورتريه> الواحد يجمع صور افراد يتوالون على الحكم منذ ما قبل الحرب الى فترة الحرب عينها وصولا الى المرحلة المعاصرة، ومن دون ان تكون هذه الصور واضحة تماما للشخصيات الذين اقصدهم، اذ ان الهدف ليس هم بالتحديد انما ابراز اضطراب ذاكرتنا الجماعية لحد اننا لم نعد قادرين على تمييز اصحاب الصور من بعضهم البعض…

 وبابتسامة مستنكرة تضيف اليان:

– لم يتركوا مكانا يعتب عليهم هذا عدا عن ان مواقع التواصل الاجتماعي اصلا غارقة بالصور من كل حدب وصوب ما حدّ من عمل حواسنا، وكأنها عملية <غزو بصري> وهذا الأمر له دلالاته الواضحة، فلو كان باستطاعتهم الوصول الى اللبنانيين بطريقة منطقية لكان الامر افضل بكثير من كل هذه الصور المنتشرة بشكل عشوائي ملفت… احاول من خلال مشروعي ان احفز على التفكير باضطراب ذاكرتنا بحيث يشعر الناظر الى <الفيديو> انّ حاسته البصرية بحالة فوضى. فأنا مذ ولدت منذ ثلاثين عاما أرى الناس نفسها والوجوه ذاتها فحولتها على طريقتي الخاصة من خلال تجهيز رقمي جديد يشبه المرحلة التي نمر بها.

اما القسم الثاني، فتشرح الفنانة انه يتشكل من الصور التي نتجت عن هذا <التجهيز> الفني والتي نفذتها بحسب برامج معينة عبر الكومبيوتر. والجميل في الأمر انها وزعتها في بعض شوارع بيروت ما بين منطقتي الحمرا والأشرفية، ودسَتها بين صور المرشحين انفسهم بحيث يمكن للمار بهذه الشوارع ان يجد الصور التي عملت عليها اليان بطريقة تقنية فنية جعلتها شخصيات خيالية غير واضحة المعالم وهي ولدت من البورتريهات الفوتوغرافية التقليدية للسياسيين. هذا الـ<بورتريه الخيالي الافتراضي> يطرح اشكالية استمرار الطبقة السياسية عينها من جيل الى جيل، تؤكد الفنانة.

 هدف اليان الاول ايصال الرسالة من معرضها الذي اعتبرته <تدخلا> وليس فقط تداخلا لهذه المرحلة، وهي تأمل ان يلقى عملها تفاعلا مع الناس، وتقول:

– لا <التجهيز> ولا الصور مزنرة او مشروحة بتعليقات تواكبها اذ اترك للمشاهد ان يرى بنفسه ويستنتج ويحلل من <التجهيز> الذي يمكن ان يواكبه عبر فيديو خاص الى الصور المعروضة فيه، واترك له حرية النظر والاستشفاف وذلك لكوني أحرص على علاقة العمل الفني ما بين العمل والناظر اليه.

اما الشعارات الانتخابية فلم تتطرق اليها اليان لأننا نسمّعها غيبا… <حافظينا عن ظهر قلب>…

 وفي نهاية الحديث تؤكد اليان توأمة عملها الفني مع البحث الذي تقوم به قائلة:

– سأحاول ان تكون مشاريعي الفنية المقبلة كما الحالية نتيجة لبحث مواز اعمل عليه يواكب قضية معينة وله هدف.