18 November,2017

”داليدا“ : سيرة حياة مأساوية حرقها البريق وأرهقها الضوء!

 

بقلم عبير انطون

1

ليس سهلاً استعادة الفنانة العالمية <داليدا> سينمائياً وإن كنا على موعد يومي مع احدى اغانيها. سيرتها، التي تم تناولها في افلام وكتب ومقالات أكثر من أن تحصى لا زالت تجذب العاملين في الحقل المرئي كما المسموع وفي كل مرة يكبر التحدي في تقديم هذه <الأيقونة> الفنية التي لا تقارن. فهل نجحت <داليدا> بنسختها الجديدة في كسب الرهان على الشاشة؟ كيف جسدت شخصيتها عارضة الازياء الايطالية <سفيفا آلفيتي> التي اختيرت من بين مئتي صبية تقدمن لـ<الكاستينغ>؟ وما الذي تميزت به الكاتبة والمنتجة الفرنسية من أصل مغربي <ليزا ازويلو> في اخراجها وكتابتها لسيناريو الفيلم الفرنسي – الايطالي الناطق بالفرنسية في تعاون مع شقيق النجمة المنتج العالمي المعروف باسم <أورلاندو>؟

اعذروني!

بعبارة مقتضبة اعتذرت فيها من محبيها وكتبتها بكلمات فرنسية اختصرت <داليدا> سبب وضعها حداً لحياتها التي <لم تعد تطاق> كما كتبت صباح يوم الثالث من ايار /مايو من العام 1987<سامحوني الحياة لم تعد تحتمل>. بهذه الكلمات ختمت المطربة الإيطالية الاصل المصرية المولد حياتها بعد جرعة مخدر فانتحرت <على طريقتها> تيمناً بعبارة <A ma manière> التي أدتها كأغنية، بدون تحقيق حلمها الاشهر والذي ترجمته غنائياً ايضا برغبتها بالموت على المسرح، وقد دفنت بمقابر المشاهير بباريس وصُنع لها تمثال على قبرها بحجمها الطبيعي نفسه.

انتحار <داليدا> أضفى المزيد على الهالة التي لفت <الحورية الغامضة>، وزادت من سحر الأسطورة التي شغلت العالم كله بجمالها، بطلتها، بشعرها الذهبي، بصوتها الرائع، بالاعصار الفني الذي أحدثته تاركة خمسمئة أغنية يرددها جمهور عشقها شرقاً وغرباً، وترجمت كلماتها في الكثير منها تجاربها الشخصية، مسيرة الانتصارات والانكسارات التي تشكلت منها حياتها المميزة.

من شبرا الى العالم!

AAAAA

 الفيلم الجديد الذي لا تسير احداثه وفق تسلسل زمني معين يبدأ من نقطة.. الانتحار! لا يحمل العنوان سوى اسم المغنية، وهو طبعا لا يحتاج أكثر. من طفولتها لا بل من مهدها ولدت <داليدا> وفيها ما لا يشبه غيرها. عيناها اللتان تعبتا في الكثير من الأحيان من الاضواء الساطعة، كانت قد عانت منهما وهي رضيعة، وفي مراهقتها وضعت النظارات السميكة ما جعلها موضع سخرية الرفيقات في مدرسة للبنات في مصر حيث ولدت، وقت لم يكن أحد يعرف بأنها ستتوج في العام 1951 ملكة جمال مصر بعد ان عملت في حقل السكرتاريا وكانت أخفت عن والدتها المشاركة بسبب الملابس العارية التي ستظهر بها خلال المسابقة. اللقب الجمالي رفع سقف طموحاتها وجعلها تشارك بدور صغير في فيلم <سيجارة وكاس> للمخرج نيازي مصطفى قبل ان تهاجر إلى فرنسا لتحصل على فرصة الغناء في أحد الكازينوهات هناك حيث كانت البداية.

 كان لوالد <داليدا> اثر كبير في حياتها. فـ<بياترو جيجليوتي>، عازف <الفيولون> الاول في اوبرا القاهرة كان سندها الكبير في طفولتها الى جانب اخويها <اورلاندو> و<برونو>، يعطيها الدعم لمواجهة مشاكلها الصغيرة ويعلمها الموسيقى التي كان يعشقها ونقل حبه لها. انه الوالد عينه الذي اعترفت <داليدا> لطبيبها النفسي انها تمنت أكثر من مرة ان يموت، ان يرحل.. لقد تمنت موته، بعدما خرج وحشاً من المعتقل حيث أمضى سنوات من العذاب النفسي والجسدي بتهمة التعامل مع الحلفاء. بعد خروجه راح يعنفها واخويها، يضرب امها بشكل هستيري، وقد تغير شكلاً ومضموناً وكأنه شخص آخر، ما أثر على مجرى حياتها بكاملها وعلى خياراتها العاطفية وعلى مسيرة ارادت ان تبنيها بما يتناسب وقدراتها العديدة.

 سارت <داليدا> خلف حلمها وتحقق بسرعة قياسية. راحت تغني في <الاولمبيا> تملأ دور الاوبرا وتحيي الحفلات من مهرجانات <كان> الى <سان ريمو> و<لوس انجلوس> وغيرها تغني بالعربية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية والهولندية والتركية لتتصدر أغانيها قائمة أفضل عشر أغنيات في العالم. طبلت اغانيها الآفاق، من <بامينو> التي كرستها نجمة اولى، الى <Histoire d’un amour>، <Gondolier>، <Les Gitans>، <Come Prima>، <Ciao>، <je suis malade>، <Darla Dirladada>، <Ciao Bambina> و<Romantica> وغيرها الكثير. راهنت على الخشبة وحدها فهذه كانت تعيدها الى الحياة بعدما كان الموت يحاصرها من كل جانب وأشواك الاضواء تضيق عليها الخناق. فبعد الموت كان العمر لها بالمرصاد.. لم تكن تتقبل التقدّم فيه ولا حتى السمنة، فأصيبت بمرض <الانوركسيا> بحيث تراجع كل ما تأكله خوفاً من اكتساب بعض كليوغرامات تفسد قوام البان الذي تميزت به… تعقيـــــدات حياتهـــــا جعلتهـــا في اضطــــراب دائـــم فسافــــرت الى الهند علهــــا تحظـــى عنــد احــد <الحكمــــاء> ببعض الهدوء النفسي، وكان هذا مؤقتاً.

3 الحب التراجيدي!

 عرف قلب <الديفا> أكثر من حب بدأ بمكتشفها ومنتج اغنياتها مدير محطة إذاعة <أوروبا> <لوسيان موريس> الذي فتح لها أبواب الشهرة وعاشت معه <داليدا> قصة حب مثلت حديث الوسط الفني في باريس وظلا خلالها مخطوبين لمدة أربع سنوات دون زواج وكان يقال عنهما >المخطوبان الدائمان> إلى أن قررا في النهاية الزواج. <موريس> أطلق النار على نفسه بعد زواجه الثاني الفاشل ومحاولته الرجوع اليها. اما الرجل الثاني الذي ملأ قلبها فهو شاب إيطالي يدعى <Luigi Tenco> انتحر هو أيضا بمسدسه بعد فشله في مهرجان <سان ريمو> للغناء، وكان يحلم بأن تدعمه <داليدا> ليدخل عالم النجومية ويصبح فناناً مشهوراً، لكنه فشل في مشاركته في مهرجان <سان ريمو> عام 1967 رغم أنها حرصت على تقديم أغنية معه لتجبر لجنة التحكيم على اختياره. اقدم <لويجي> على الانتحار في أحد الفنادق، وكانت <داليدا> أول من رأى جثته مخضبة بالدماء، فشكلت هذه الحادثة منعطفاً اساسياً في حياتها تخطته نوعاً ما مع الرجل الثالث في حياتها وكانت قد تعرفت عليه في فترة السبعينات وأحبته، لكنه هو أيضا أنهى حياته منتحراً..

 لاحقت <داليدا> ايضاً الكثير من الشائعات العاطفية والكثير منها صحيح، بينها العلاقة مع الممثل الوسيم <آلان دولون> و<فرنسوا ميتران> الذي لم يذكره الفيلم.. لم تكن <داليدا> تعرف ما تريد، تمنت انجاب الاطفال، ولما حملت من الشاب العشريني وهي في منتصف الثلاثينات ادركت انها ليست الحياة التي تريدها، فأجهضت، ما ترك آثاراً سلبية جعلت حملها مرة أخرى مستحيلاً!

 أظلمت أيامها، حتى ان ستائر غرفتها لم تعد ترفع ليدخل النور اليها. وحده <لويس دو فينيس> كان يضحكها عبر افلامه وينتزع ابتسامتها. لم يعد للحياة معنى بعد كل ما مرت به.. حتى ترشيحها من قبل المخرج يوسف شاهين لبطولة فيلمه <اليوم السادس> لم تقابله بحماسة كبيرة، والعمل مأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتبة أندريه شديد… وحده استقبالها في الحارة المصرية في رحلة التصوير رد اليها بعضا من الروح، اذ لهؤلاء، ابناء بلدها غنت <حلوة يا بلدي> و<أحسن ناس> و<سلمى يا سلامة>، فـ<داليدا> كانت قد ولدت في 17 يناير/كانون الثاني 1933، في حي شبرا بالقاهرة لوالدين من أصل إيطالي، بعد أن هاجر أجدادها من جزيرة <كالابريا> جنوب إيطاليا إلى مصر للبحث عن الرزق وهرباً من الحروب.

 النجاح الجماهيري للفيلم المصري لم يكن كبيرا.. ولما زف لها اخوها خبر امكانية مشاركتها في فيلم <كليوباترا> ابتسمت ببرودة، ولم تكن ردة فعلها سوى ردة فعل من يعرف تماماً اين سيكون بعد يومين، الى اي عالم ستنتقل، بعدما عاشت في عالم لم تعرف فيه السعادة والطمأنينة والتوازن الذي تمنته بل كانت تلفها وحدة قاتلة..

 

نسخة.. طبق الاصل!

2

<داليدا> الاسطورة جسدتها بشكل رائع على مدى ساعتين من الزمن عارضة الازياء الايطالية <سفيفا آلفيتي> بعمر 32 عاماً. اختيارها أتى بعد عمل مضن على الفيلم الذي تطلب اربع سنوات لتحضيره واستبدال عناصر كثيرة فيه الى حين صدوره بشكله النهائي في العام الماضي في تصوير استغرق 52 يوماً.

كانت <آلفيتي> رائعة في تقمصها الشخصية واللكنة والحركات وأداء الكلمات، وأبدعت في تقديم هذا المزيج من القوة والضعف في الشخصية الرئيسية بحيث اظهرت الصراع الداخلي الذي تعيشه النجمة بين البريق الخارجي والخفوت الداخلي. مع اداء <آلفيتي> للشخصية يبقى طيف <داليدا> حاضراً بقوة، خاصة وانهما تتشابهان الى حد كبير وتتميزان بالطول نفسه تقريباً وهو متر و77 سم. <سفيفا> العارضة اعتبرت فوزها بالبطولة هديتها الكبرى: <فوزي بالدور يعتبر معجزة بعد كل الوعود الكاذبة التي تلقيتها من منتجين ومخرجين، حتى أنني كدت أتخلى نهائياً عن المسرح والسينما وأعود لعروض الأزياء>، خصوصاً بعدما نافستها على الدور ممثلات فرنسيات وإيطاليات شهيرات، وكان من المقرر ان تجسد دور البطولة الممثلة الفرنسية ناديا فارس التي لم تتمكن من الارتباط معهم.

 ترجمت <سفيفا> ما ارادته المخرجة من خلال فيلمها بحيث تأمل وشقيق الراحلة <إحياء طيف الفنانة بهذا الفيلم إلى الأبد، والأهم أن يفهم الجمهور دوافع استسلامها لليأس واختيارها الانتحار>. وكانت مجموعة من التقارير قد ذكرت أن التحدي الأصعب الذي يواجه <سفيفا> يكمن في تعلم ما كانت تتقنه <داليدا> سواء في الغناء أو الرقص أو الحديث باللغة الفرنسية.

وكانت <سفيفا> تمضي يومياً نحو 3 ساعات مع خبير التجميل الذي يتولى وضع لمساته النهائية على ملامحها لتبدو متشابهة جداً مع <داليدا>. ونذكر هنا ان <آلفيتي> كانت قد اصيبت بنوبة صرع على الهواء مباشرة جعلها حديث العالم اجمع في معرض ترويجها لفيلم <داليدا> واستضافتها مع فريق العمل في البرنامج المباشر < Grand Journal> الذي تبثه محطة <كانال بلوس> الفرنسية.

 ربحت <سفيفا> الرهان بعدما اقنعت <اورلاندو> شقيق <داليدا> بأدائها، كما بأداء المخرجة وعملها التي سأله الكثيرون عن سبب اقتناعه بها خاصة انه بقي على الدوام رافضاً للمشروع فقال: <داليدا> امرأة مميزة، كانت لها حياتها الفنية والشخصية والعاطفية الصاخبة والمؤثرة، باعت 170 مليون اسطوانة حول العالم وتلقت 70 اسطوانة ذهبية، لكن حياتها كانت أشبه بتراجيديا اغريقية، لذا لم أتوقع أن يفهمها سوى مخرجة امرأة قد تفهم مشاعر أنثى مثلها اكثر من أي مخرج رجل».

 سينمائياً تميز الفيلم من خلال جودة التصوير السينمائي والموسيقى التصويرية التي جاءت متلائمة بدقتها وعمقها مع مراحل حياة الفنانة، فضلاً عن التقنيات البصرية في لعبة الضوء والظلام، مع اعادة المشاهد الى الأماكن التي عاشت وأقامت فيها <داليدا>، ما اضفى الكثير من الواقعية على الشريط.

 الفيلم يعرض حالياً في الصالات اللبنانية ويشارك فيه كل من الممثل الايطالي <ريكاردو سكامارسيو> الذي يتقمص شخصية مدير اعمالها <اورلاندو> الى جانب كل من <جون بول روف>، <باتريك تيمسيت> و<فانسون بيربز> ومجموعة كبيرة من الممثلين الذين حصدوا جميعهم تصفيق الحاضرين واعجابهم!