19 September,2018

”دار كريستيز“ في بيروت لمزاد انساني

 

بقلم عبير انطون

Alfred-Basbous---a

تحت عنوان <One Smile at a Time> (ابتسامة واحدة في وقت واحد) يجري يوم التاسع من شهر آذار/ مارس المقبل في لبنان، وفي متحف <م ي م> تحديدا مزاد علني تحت ادارة <دار كريستيز> التي تأسست في العام 1766 وتُعدُّ اليومَ من أبرز دور مزادات الفنون الرائدة في العالم والموثوق بها، وذلك لهدف انساني نبيل، نجد الكثيرين بين اطفالنا او عائلاتنا بأمس الحاجة اليه. فما هو هذا الهدف؟ ومن هي الأسماء العالمية المشاركة في المزاد من فناني الرسم المعاصر وذلك بشراكة مع المعارض الرائدة في لندن والشرق الأوسط؟

<الأفكار> استبقت الحدث، تعرفت على اسباب نشوء جمعية <الطفولة السعيدة> التي أسسها السيد جورج حاتم عقب حادثين دراميين غيرا مجرى حياته، وكان لها فرصة التواصل مع اثنين من الفنانين المشاركين في المزاد لتحاورهما في الفن والمشاركة.

فيليب وليتيسيا..

 

 بعد نجاحها في مزاد أول أقامته في العام 2015، قررت مؤسسة <الطفولة السعيدة في لبنان> تنظيم الطبعة الثانية من المزاد بدعم من <دار كريستيز> العالمية، وذلك في التاسع من الشهر المقبل وبأعلى درجة من الاحتراف من اجل جمع الاموال لجمعية تستحق كل الدعم، فكيف تأسست هذه الجمعية ولماذا المزاد؟

<مؤسسة الطفولة السعيدة> (HCF)، او <مؤسسة فيليب حاتم لطفولة سعيدة> لا تدعي الكثير، فهدفها بسيط وهو أن تسعد وتزرع البسمة على وجه أكبر عدد ممكن من الأطفال، دون أي شكل من أشكال التمييز. الهدف البسيط اتى رداً على فاجعة كبرى. ففي تموز/ يوليو من العام 2009 عرفت عائلة حاتم حادثاً أليماً أودى بحياة ابنها فيليب وهو في ربيعه الحادي عشر .الصبي المنفتح على الحياة، المبتسم الدائم والمؤمن بروح العطاء والمشاركة، الهم بحياته القصيرة كل من حوله، فكانت <مؤسسة فيليب حاتم للطفولة السعيدة> التي اسسها والده جورج حتى تزهر رسالة فيليب في ارض كل طفل حزين ويعرف الفرح الذي كان يشع منه قبل story1---Aالرحيل. اما مجالات المساعدة فمتعددة وبينها: الضروريات الأساسية، والحماية، والصحة، والتعليم، والترفيه.

 وبعد حوالى عام واحد وتحديداً في شهر آب/ أغسطس من العام 2010 شاء القدر ان تتعرض ليتيسيا، وهي اخت فيليب لحادث مؤسف هي الأخرى وكانت بعمر السادسة عشرة بعد ان سقطت عن صهوة الحصان، هي التي تهوى الرياضات جميعها وأولها ركوب الخيل، فتعرضت لاصابة بليغة غيرت مجرى حياتها الى الأبد. كان التشخيص الطبي بعد الحادث جازماً بالشلل وبالعجز التام عن السير من جديد، فيما العائلة والابنة لم يتوقفوا عن الامل والرجاء بالشفاء، ومع الكثير من الحب الذي أحيطت به ليتيسيا، فضلا عن ارادتها الصلبة والعلاج المحترف والمتكامل الذي تلقته في مركز متخصص في شيكاغو <Rehabilitation Institute of Chicago> المصنف عالميا الرقم واحد في مجاله، تمكنت الصبية من استعادة قواها والسير مجدداً، ما جعلها تطرح على نفسها وعلى <مؤسسة فيليب حاتم للطفولة السعيدة> سؤالا بالغ الاهمية: ماذا عن الاطفال الذين لا يملكون الامكانيات التي تعينهم على استعادة صحتهم وقدراتهم واستقلاليتهم لبناء حياتهم من جديد؟

السؤال توقفت عنده بجدية كبيرة <مؤسسة فيليب حاتم للطفولة السعيدة> فكان تأسيس <مركز ليتيسيا حاتم لإعادة التأهيل> <LHRC> الذي انشئ من قبل <مؤسسة الطفولة السعيدة> <HCF لبنان> في مستشفى <أوتيل ديو> الفرنسي في بيروت بدعم تقني من أفضل مستشفيات إعادة التأهيل في العالم، والذي يستقبل الكثير من الحالات الصعبة ويعين على شفائها. في الاعوام الماضية تم احياء نشاطات عدة لاجل مشروع توسيع المركز في مستشفى <Hôtel-Dieu de France>، وذلك بهدف زيادة مساحة المركز الإجمالية من 400 إلى 1000 متر مربع بحيث يكون مسبح للعلاج المائي ومساحات إضافيّة مخصّصة لإعادة التأهيل وتعزيز مجموعة علاجات إعادة التأهيل التي يقدّمها المركز، مع إنشاء حديقة للاسترخاء بجواره من تصميم المهندس ومنسّق المناظر الطبيعية وعضو مجلس إدارة <الطفولة السعيدة> في لبنان <فلاديمير ديوروفيتس> لكي ينعم كافّة المرضى الذين يتلقون العلاج في المركز بالهدوء والسكينة.

 وقد تمكنت <مؤسسة الطفولة السعيدة> بأوجهها العديدة من دعم الآلاف من الأطفال الأقل حظوة والمعرضين لكافة أشكال العنف عبر رسم الابتسامات على وجوههم في مساهمة إيجابية وطويلة الأمد، وذلك في محاولة لتحويل العالم إلى مكان أفضل. وها هي للعام الحالي تحيي مزادا تشترك فيه نخبة من الرسامين العالميين بينهم منى حاطوم الفنانة الفلسطينية التي ولدت في بيروت وعرضت اعمالها في اكثر المعارض والمراكز الفنية شهرة، واوغيت كالان المتربعة على مسيرة فنية مثمرة وإنتاج ضخم من الرسومات واللوحات والمنحوتات والأزياء التي صممتها، الفنان العراقي صاحب <الصرخة> الدائمة ضياء العزاوي الذي جاب زوايا العالم الاربع بلوحاته وصولاً الى الهند والذي اختار بنفسه منذ أكثر من ثلاثين عاماً منفى اختيارياً في ضاحية قريبة من لندن، فضلا عن الرسام والنحات الاميركي المعروف <مارتن كلاين>، والفنان اللبناني الشهير ألفرد بصبوص من خلال ابنه فادي الذي يتولى ادارة <مؤسسة ألفرد بصبوص>، وقد كانت لـ<الافكار> فرصة التواصل مع الفنانين الاخيرين حول مشاركتهما والابداع الذي يتقدمان به للمزاد.

 

<الرأس الفينيقي>…

Martin-Kline----A  

عن اعمال ألفرد بصبوص <رودان الشرق> كما اطلق عليه وهو أحد مؤسسي الفن الحديث في لبنان والشرق والذي يشارك في المزاد <لمؤسسة الطفولة السعيدة> بقطعة تحت عنوان <الرأس الفينيقي> يشرح فادي عن اعمال الوالد الذي تخرج من كلية الفنون «Ecole des Beaux-arts» في فرنسا، وقرّر العودة إلى راشانا لينشئ قرية ثقافية في بلده، حاملا حلمه بأن يجعل من قريته ملتقى للفنانين، وليؤسّس المحترف النحتـــــي الـــــدولي الأول في لبــــنان بشهادة <الأونيسكو> عـــــام 1994 مــا ادى الى ان يشهــــــد المجتمــــع اللبــناني انفتاحـــــاً وتواصــــلاً مــع الفــــــن الحــــديث مــــــن خـــــــــلال قريــــــة راشانا التي حضنت الفــــن الحـــديث وكلّ أشكال الفنون اللبنانية.

ويقول بصبوص الابن:

 – تعبّر أعمال ألفرد بصبوص عن استكشافٍ لامتناهٍ عن الشكل الإنساني وخصائصه التجريدية، مشدّداً على المبادئ الجمالية للشكل، الحركة، الخطّ والمادّة، وتُظهر منحوتاته صدقاً متأصلاً عميقاً وبحثاً عن جوهر الجمال، متّبعاً نهج النحّاتين <جان آرب>، <قسطنطين برانكوزي> و<هنري مور>، حيث يستكشف ألفرد بصبوص إمكانات المواد النبيلة مثل البرونز، الخشب والرخام ليعبّر عن حسيّة الشكل الإنساني ونقائه، ويعكس هذا النفور من الجماليات الفارغة فلسفة ألفرد بصبوص للبساطة والجدية.

ويزيد حول اعمال الوالد الرائد:

– يبعد فن ألفرد بصبوص كل البعد عن السريالية، فهو ينادي بالتغيير. في أجمل أعماله يبعد عن الجماليات، الأناقة والجاذبية ليدخل عمق الحميمية الجمالية الموجودة داخل الصراعات، إلى جانب صراع العمل بحدّ ذاته. لا تمثّل أعماله الواقع بل هي انطباعات عن واقعٍ يعرضه علينا من خلالها. فالجمال في تجانسٍ مثالي مع عناصر العمل المختلفة مثل الأشكال، الكُتل، السطوح… وهنا يُطلق العنان للاوعي داخلنا فنتساءل عن letitia----Aأسرار العالم ودوره.

وحول اختيار قطعة بعنوان <الرأس الفينيقي> للمزاد يقول:

– هي تجريد رمزي بتصميم معتدل، وقد أبدع ألفرد بصبوص في نحت تفاصيلها من خطوط صغيرة وأنيقة أعطت التجريدية شكلاً حسياً بواسطة التجانس ودقّة الجمال.

 وحول المشاركة الثانية في المزاد للجمعية، بعد العام الماضي، يفصل الاسباب:

– لقد أسّس ألفرد بصبوص <مؤسسة ألفرد بصبوص> عام 2004، وهدفنا الأساسي إلى جانب الترويج للفن المعاصر عموماً ولفن ألفرد بصبوص خصوصاً، هو دعم العمل الإنساني والجهود المبذولة من أجله. نحن سعيدون جداً لفرصة المشاركة في جهود <مؤسسة الطفولة السعيدة> النبيلة والراقية والهادفة إلى تحسين وإضافة الفرح إلى قلب كل محتاج.

 

<كلاين>.. الزهرة والقلب!

 

أما الفنان العالمي <مارتن كلاين> فيؤكد من ناحيته أن الفنّ يعكس كل ما للإنسان من مشاعر وحركة، ومن خلاله يعالج عدد كبير من الفنانين اهتماماته الشخصية في العالم الفكري، الروحي والمادي، ويقول:

–  نحن كفنانين نصوّر في فنّنا ما نراه مهماً على الصعيد الشخصي وأحياناً يطال نطاقاً أوسع وهو الإنسانية. وانا أعمد من خلال أعمالي الفنيّة إلى إظهار مشاعر معيّنة أكثر مما أعمد إلى توجيه رسالة، اذ ينقل الفنّان الذات الداخلية في التحفة الفنيّة.

لمزاد <الطفولة السعيدة> اختار <مارتن كلاين> الزهرة والقلب باعتبارهما دليلين مثاليين عن الأطفال المحتاجين إلى العناية والاهتمام. <كلاين> السعيد جداً بالمشاركة الثانية لهدف انساني أخبرنا عن كيفية التعاون ما بينه وبين الجمعية قائلاً: <التقيت أميرة رزق في نيويورك واتفقنا على مشاركتي من أجل القضية الإنسانية التي تحملها المؤسسة. إنني سعيد بدعمي لها لأنها تؤدي دوراً فاعلاً وحياتياً من أجل الأطفال حول Laeticia-Hatem-Rehabilitation---Center-at-Hotel-Dieu--4-------A العالم>.

وحول تغيّر دور الفنان في العالم مع مرور الوقت يجيب <كلاين>:

– ينتمي الفنان إلى الثقافتَين الفكرية والروحية في أيامنا هذه. أما كيف تغيّر دوره على مرّ العصور فهو موضوع كبير جداً! وحول العلاقة بين الفنّ المعاصر والفن التقليدي يؤكد الفنان الجميل انه لا يجب إهمال أو تكرار فنّ الماضي، إنما على الفنّ التقليدي أن يُمزج ويتداخل مع الفن الحاضر.

 وعما يشكل مصدر الهامه قبل البدء بعمل فني جديد، فيعيدنا الفنان الى ما يقوله <اديسون>:

– يقول <توماس إديسون> إن عمله مؤلّف من 1 بالمئة إلهام و99 بالمئة جهد. قد تكون هناك مبالغة في الأرقام قليلاً، ولكن يمكن القول إن الانضباط داخل الاستديو وعملية خلق العمل الفني يسمحان بتبلور ما نسمّيه الإلهام، ذلك انه يوجّه المنطق الداخلي لدى الفنان ويحثّه على العمل.

وعما اذا كان العمل الفني يعكس اللاوعي في داخله يجيب <كلاين>:

– لا شكّ أن الفن يعكس اللاوعي الذي لا يُقاس، وأحياناً يعكس الفن العقل الباطني أو حتى الأحلام. يضع الفنانون مهاماً لأنفسهم ويسعون إلى تنفيذ ومتابعة فروع تلك المهام بحيث يكون إتمام التحفة أو العمل معقّداً أو بسيطاً. أما الكلمات الثلاث التي يتوجه بها الفنان الاميركي الى العالم اليوم مع كل ما فيه من احداث وتوترات، فهي: السلام، الفرح والعمل!