16 October,2019

خلفية أزمة الدولار وارتفاع سعره في السوق السوداء!

بقلم طوني بشارة

هل فعلا يعاني لبنان من ازمة دولار؟ وما سبب التأرجح بكلام حاكم مصرف لبنان الذي تارة يعلن بأن لا ازمة بالدولار مؤكدا بأن الدولار متوافر والمشكلة هي بين التجار والمصرفيين، ليعود ويصرح تارة أخرى بوجود ازمة ويعلن عن استعداده لتنظيم تمويل استيراد القمح والدواء والبنزين بالدولار؟ فما سبب هذه الازمة وهل هي مفتعلة من اجل الوصول الى سعر صرف جديد بغية التأثير على قيمة الرواتب والأجور بالعملة اللبنانية وتخفيض القيمة الفائدة على الأموال المودعة بالعملة نفسها؟ وما قضية تهريب الدولار الى سوريا؟ وهل فعلا ان الازمة ستتفاقم وسيصل سعر الصرف الى 2000 ليرة مما سيحرك السوق السوداء ويلحق بنتيجة الحال ضررا ماليا بأصحاب المؤسسات التي باتت على شفير الانهيار والافلاس؟

تساؤلات عديدة حملتها <الأفكار> محاولة إيجاد ما يمكن تسميته بالحلول ولو المؤقتة لمشكلة واقعة لا محالة.

رزق وسندان الفساد!

بداية مع رئيس جمعية المعارض ــ رئيس هيئة تنمية العلاقات اللبنانية ــ الخليجية ايلي رزق الذي أفادنا بأن لبنان اليوم واقع بين سندان الفساد من جهة ومطرقة الإرهاب من جهة ثانية، فهناك فريق متهم بالفساد وسوء الإدارة مقابل فريق اخر متهم دوليا بالإرهاب مما اثر سلبا على تصنيف لبنان الى ccc. وفي السياق ذاته أكد رزق بأن تطمينات حاكم مصرف لبنان بما يتعلق بالليرة في محلها ومبنية على وقائع وأرقام مما يعني أن ما يقوم به الحاكم من عمل دؤوب يعتبر ذا صدقية، وهنا لا بد من التنويه بأن لبنان اليوم دولة لديها مقومات طبيعية وبيئية ومكونات بشرية وشبابية ابداعية تؤهله لان يكون بلدا رابحا وتجعله يتميّز عن محيطه ويتبوأ ويتفوّق في العديد من المجالات لكن المشكلة ان البلد يدار بطريقة سيئة وعوض تغيير البلد من الأسهل تغيير الادارة.

ــ وما قصة ما يشاع عن وضع المصارف وقضية شح الدولار؟

– ان اكثر ما يضر البلاد اليوم هي الإشاعات المغرضة التي تطال القطاع المصرفي، وكأن هناك من يصر على الأضرار بسمعة لبنان وبمدماك اقتصادي إكتسب إحترام وثقة المجتمع الدولي ومؤسساته المصرفية والمالية، مما يجعلنا امام تحديات عديدة وبالتالي نحن نمر بمرحلة صعبة نوعا ما.

ــ اشرت الى وجود تحديات فما سببها الأساسي وهل من حل؟

– نعم هناك تحديات اقتصادية تواجهها البلاد وهذا ما تمر به مختلف دول العالم، ولكن ما يطمئن في وضعنا الحالي هو أن المشكلة هي في سوء إدارة الدولة لمختلف القطاعات التي من المفترض أن تكون منتجة ومربحة، والحل يكون بإقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص والذي بدأت الدولة بتنفيذه، وسيكون قطاع الكهرباء أول الغيث.

أسباب الأزمة الاقتصادية والاصلاح!

وتابع رزق قائلاً:

– الاسباب التي أوصلت لبنان الى هذه الحال عديدة أهمها: لم يكن لبنان يعاني من عجز في ميزان المدفوعات الى أن أقرت سلسلة الرتب والرواتب التي اوقعت البلاد بعجز تام. من هنا فإن المطلوب اشراك القطاع الخاص مع العام لاسيما في القطاعات المنتجة من كهرباء واتصالات وغيرها، خاصة وان نسبة الرواتب والاجور تبلغ نحو ٣٨ بالمئة من حجم الموازنة وحجم القوى العاملة، في حين أنها تبلغ نحو ١١% في المانيا والكل يعلم ان اليونان افلست عندما بلغت النسبة ١٧%. حتى ان اشراك القطاع الخاص في الكهرباء والمتوقع حصوله قريبا سيساهم بتخفيض ملياري دولار سنويا على مدى ثلاث سنوات مع الحديث عن عروض لـ٤ شركات في الكهرباء، كما انه وفي قطاع الاتصالات، يمكن ايضا ادخال شركة ثالثة واشراك القطاع الخاص في هذا القطاع الحيوي والمهم مع الاحتفاظ بمبلغ سنوي مقطوع للدولة لا يقلّ عن مليار دولار، وبالامكان بيع موجودات واصول هذا القطاع بين ٣ الى ٥ مليارات ووضع حد ادنى لمدخول الدولة بمليار دولار.

ونوه رزق:

– وفي السياق ذاته لا بد من الاشارة بأن لبنان كان يستورد بقيمة ١٨ مليار دولار ويصدر بقيمة ٣ مليارات لكن هذا العام سيشهد ارتفاعا ملحوظا بقيمة الاستيراد لتصل الى ٢١ ملياراً وبقيمة التصدير لتصل الى ٣. ٥ رغم ما يحكى عن ازمات اقتصادية. والمطلوب دعم الصناعات الغذائية والقطاعات الزراعية لزيادة قيمة الصادرات وذلك عبر تفعيل الاتفاقيات مع الدول المعنية وكذلك تفعيل دور هيئة المواصفات والمقاييس Libnor لتتلاءم مع الشروط الخليجية والاوروبية.

وهنا أيضا لا بد من التأكيد بأن لبنان تأثر في السنوات الثلاث الاخيرة بتراجع حاد في حجم التحويلات المالية للجالية اللبنانية المنتشرة في الدول الاوروبية والخليجية نتيجة الظروف الاقتصادية التي تعيشها تلك الدول.

واستطرد رزق قائلا:

– وقد ترافق ذلك مع تراجع حاد بعدد السياح والعائدات من القطاع السياحي الى نحو ٤ مليارات بعدما ناهزت في العام ٢٠١٠ نحو ٨ مليارات دولار مع الاخذ بعين الاعتبار الارتفاع الذي سجله القطاع السياحي هذا العام مقارنة بالعام الماضي.

ولعلّ التهريب يضرّ بشكل كبير بالاقتصاد الوطني ويثير منافسة غير شرعية ويحرم الدولة من ايرادات سنوية مهمة على صعيد تكبير حجم الناتج القومي، من هنا فان من الضروري وقف التهريب الامر الذي يساعد على تحسين مداخيل الدولة وتخفيف المضاربة والمنافسة غير الشرعية، خصوصا تهريب المازوت الى سوريا كونه يستنزف الدولة ويحرمها العملة الصعبة وهذا يتم عبر تطبيق القانون الجديد للجمارك.

على اي حال، ليس هناك من مهرب او منفذ لهذه الازمة الا عبر تطبيق اعادة هيكلة اجهزة الدولة واداراتها وانشاء الحكومة الالكترونية التي من شأنها ان تحد من الفساد وتسهّل معاملات المواطنين.

ــ وكيف تصف ما نمر به حالياً، هل هو انهيار بكل ما للكلمة من معنى؟

– بالرغم من كل ذلك أرى باننا نمر الآن بمرحلة الإصلاح الاقتصادي وليس الانهيار الاقتصادي، وهذا يعني بأن هناك المزيد من الخطوات المطلوب اعتمادها وتنفيذها والتشديد على تطبيقها لانها ستنقلنا حتما وبطبيعة الحال إلى مرحلة الازدهار الاقتصادي.

وتابع رزق قائلا:

– بإلقاء الضوء على مقومات لبنان ندرك بأن لدينا ملاءة مصرفية قوية، ومؤهلات بشرية طبيعية تجعلنا قادرين على دخول الثورة التكنولوجية اذ لا يوجد أي منافس للادمغة اللبنانية في كافة الدول العربية، كما اننا ومن الناحية الزراعية نمتلك

منتجات مميزة عن المنتجات الاقليمية الأخرى من حيث النوعية، لذا لا بد من تطوير هذا القطاع وتوجيه الشباب نحو الاستثمار في مجال الصناعات الغذائية كصناعة النبيذ.

واستطرد رزق قائلا:

– اذا استندنا الى مقوماتنا الإيجابية وحاولنا تتبع ما يجري حولنا ندرك بأن لبنان لا يزال وضعه افضل من وضع الدول المجاورة ولكن كل ما علينا القيام به هو ادارته بشكل جيد. فلبنان وبطبيعة الحال ليس بحاجة لا الى هبات ولا الى مساعدات من اي نوع ومن أي جهة كانت. كل ما يحتاجه هو اعادة الثقة المحلية والعالمية بالادارة الرسمية للدولة وشؤونها وهذا كفيل بجذب الاستثمارات وبتقوية دور القطاع الخاص ليتمكن من تأمين مصاريف القطاع العام، مترافقا مع توافق كل القوى السياسية على دور لبنان الاقتصادي وامتناع البعض منها والممثلة بالحكومة عن اطلاق تصاريح او مواقف تضر بعلاقات لبنان مع الدول الاخرى وخصوصا الخليجية.

وبعبارة أخرى <فلتعطنا القوى السياسية توافقا سياسيا واستقرارا امنيا ولتأخذ من القطاع الخاص ما يدهش العالم>.

وزني وامتصاص الدولار!

 

ولالقاء الضوء على واقع مصرف لبنان وطرق المعالجة نقلت <الأفكار> رأي الخبير الإقتصادي والمالي الدكتور كامل وزني، الذي اكد بان هناك فوضى في طريقة معالجة أزمة الاقتصاد اللبناني وبالتالي يسيطر خوف من تداعيات حجم المديونية وارتفاع الفوائد، وهي تداعيات ترتب مسؤوليات سلبية جديدة على الاقتصاد والمواطن.

ــ وهل ان ازمة الدولار سببها المصارف ام تهريب الدولار الى سوريا؟ وما الحل الأفضل؟

– ان الحلول التي طرحت للأسف تم طرحها سابقا ولكنها لم تنفذ، وقد ابلغنا المعنيين بالموضوع بأن هناك حالة خوف لدى اللبنانيين، وهنا نؤكد بأن المصارف أوقفت التعامل بالدولار بعدما امتص مصرف لبنان كل الدولارات من السوق مما اثر على سعر الصرف.

ــ المشكلة واقعة لا محالة فمن المسؤول عن ضبط الأمور؟ وأين دور مصرف لبنان؟

– بات مؤكدا بان هناك حاليا ما يمكن تسميته بحالة ترقب حول كيفية اخراج الوضع الاقتصادي ــ المالي من ازمته، ولكن المسؤولية هنا لا تتوقف فقط على مصرف لبنان بل على السياسيات الاقتصادية الموجودة، مما يعني بأن الدولة تعتبر مسؤولة أيضا وعليها معالجة الوضع بطريقة مختلفة وليس فقط عبر رفع الضرائب.

ــ والى متى ستدوم هذه الازمة ــ ازمة الدولار؟

– للأسف على ما يبدو واستنادا لما تجري عليه الأمور نرى بان الأزمة تصاعدية وبنيوية إذ هناك منظومة اقتصادية اسست لهرم كبير هو <تمويل عجز الميزانية وعجز التبادل التجاري> وقد وصلنا الى النقطة التي لم نعد نستطيع فيها دعم هذا الهرم الذي وصل الى مرحلة الانفجار.

وختم وزني قائلا:

– وبمراقبة ميدانية للأرقام نلاحظ بان هناك 87 مليار دولار ديناً والفوائد على اليورو على المدى الطويل قد تصل الى 20%، وهذا وفقا للتحاليل المالية يعتبر مؤشراً خطيراً لان تكلفة الدين العام اصبحت ثقيلة على الاقتصاد اللبناني وقد نصل في وقت قصير بحيث تكون كل ايرادات الدولة هي فقط لدفع فوائد الدين، وهذا ما يصنف ماليا بالخطر التصاعدي، وكخبراء ماليين واقتصاديين قد حذرنا منه منذ سنوات، ويمكن تصنيفه بالقلق الذي بات حاليا لا يفارق اللبنانيين الغارقين في أزمات متلاحقة عنصر استمرارها الأساسي عدم وجود استراتيجية مالية للدولة وغياب تطبيق القانون والمساءلة والمحاسبة.