20 September,2018

خـيـــــــارات الألـفـيـــــــة الـثـالـثــــــــة بـيــــن الـســــــيئ والأســـــوأ

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

مشاكل لبنان وشجونه تصغر أمام هول التطورات التي تجتاح الدول الكبرى التي وجدت نفسها أمام خيارات أحلاها مرّ، واختيارات انحصرت بين السيئ والأسوأ، وحقائق ستكون خارج الكلام لتصبح بعد حين وكأنها عكس الكلام.

كل العالم في وادٍ، ولبنان في وادٍ آخر. العالم الكبير يحاول معالجة ظاهرة الإرهاب والاقتصاد المعولم، ولبنان لم يكف منذ العام 1920 عن التساؤل: ما هو هذا اللبنان؟ ولم يعطِ أحد الجواب، حتى في التعبير البابوي الذي يقول إن لبنان رسالة وليس وطناً.. فالرسالة لا تكون بهذا الغضب، والوطن لا يكون بمثل هذه الرخاوة في الانتماء!

لقد ورد في مقدمة الدستور اللبناني في الفقرة (أ) عبارة لم يلحظها أي دستور في العالم وهي تقول <إن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه>، فهل هناك شك في الأمر؟!

وعلى الرغم من هذا التشكيك، حاول آباؤنا والأجداد أن يؤسسوا بلداً طبيعياً، وكانوا الى جانب حكماء ومفكرين وصحافيين يسعون دائماً الى بناء وطن طبيعي، كانوا أسياد الرزانة عندما كانت الرزانة سيدة في السياسة والصحافة والوطنية.

وفي مناسبة دخولنا شهر أيار/ مايو، شهر الصحافة والشهداء نقول أن من أراد أن يكون صحافياً حراً سيداً ومستقلاً في كل زمان وفي كل مكان وأمام أي إنسان، كما فعل كبارنا وكما علّمونا، فعليه أن يجمع بين صفات الغفران أو الرحمن وصفات الشيطان، فأحياناً دياناً وسجّاناً وأحياناً هو السجين. لكن كبارنا هؤلاء لم يكسروا كلمتهم ولا سجنوا أحداً، وكانوا دائماً يريدون أن يقولوا أكثر مما يكتبون ويريدوننا أن نكتب كما نقول وأكثر مما نقول، فيما الواقع اليوم أن البعض يقول ولا يعرف الكتابة، أو يكتب ما يقال له ويمارس صفات الشيطان والمخبر الشيطان ويحوّل الكلمة المكتوبة من أغلى صناعة الى أرخص صناعة!

من هنا، وجب على الفئة النقية من الصحافيين أن تكون رأس حربة التغيير لا مرآة ما يقوله السياسيون أو مُخبرة لما يريده السياسيون وأتباعهم.

ومن هنا، يمكن أن نبدأ، ونوقف اللعبة المستمرة الأقرب ما تكون الى لعبة الموت والتي لا خاتمة لها إلا الانتحار الوطني. من هنا، يمكن  أن يُفسح المجال للأحرار لإنقاذ الكيان والاستقلال والديموقراطية وبالتالي الوطن.

الاحرار وحدهم يمكن أن ينقذوا الوطن بإلغاء من يقولون بإلغاء الطائفية علناً ويعملون في السر على استغلالها حتى بلغت حد المذهبية ويتغذون من بعض الكتَبَة – التجار ورجال الأعمال والساعين الى الفساد…

إن الطائفية هي المشكلة الأم التي تتفرّع منها أكثر منطلقات الأزمة وتشعباتها ومضاعفاتها في أبعادها الداخلية، هي <أوكسيجين> السياسيين، والمشكلة التي صدّعت الجبهة الداخلية وأحدثت فجوات في جدران البيت اللبناني وتسرّبت من خلالها عوامل التفجير من الخارج.

هي المشكلة التي حالت دون تطور لبنان بعد الاستقلال من مجرد اتحاد للطوائف والمذاهب الى وطن بالمعنى الصحيح، فبقيت روح الطائفية أقوى من روح المواطنية، وبقي الانتماء الطائفي أعمق في النفوس من الانتماء الوطني.

وحتى الآن، يجد اللبنانيون التابعون والأحرار ان الأخطاء المرافقة للاستحقاق النيابي إنما تعالج بأخطاء أوهى وأخطر ليس الآن وقتها، من أفكار المختلط والتأهيلي وتأليف اللجان الى فكرة استطلاعات الرأي مع ما تحمله من تركيبات وأرقام يجيّرها طالبو المقاعد كما يشاؤون، متناسين ان هذا الإجراء الديموقراطي غير الدقيق مئة بالمئة في دول الغرب، دفع ثمنه هذا الغرب تمرّساً طويلاً، ومع هذا فإن النتائج الفعلية عموماً لا تطابق عمليات الاستطلاع التي تجريها مؤسسات محترمة وشفافة…

وان هكذا تجربة في لبنان وفي هذا الظرف تحديداً ستنقلب عليه، وستفتح عليه أبواباً موصدة ليس في مصلحته فتحها الآن.

المنطق لم يعد صالحاً والناس تنظر بعضها الى بعض وكأنها لا تنظر، لا تفهم على بعضها البعض، ولا تسمع غير ما تريد سماعه.

هل نحن اليوم أمام المعركة الأخيرة؟ معركة المصير؟ مصير الجمهورية ومصير لبنان؟ بالطبع لا، فلبنان مرّ بظروف أكثر إيلاماً وبقي بفضل العناية الإلهية وقدرة شعبه على تجاوز الصعاب، ولكن الأكيد في الوقت عينه، أننا شعب لم نحسن خياراتنا ولا اختياراتنا على الأقل منذ الاستقلال، والأكيد أننا فضّلنا عبر العقود الفائتة الزعيم على الدولة، <القبضاي على الآدمي>، الباطل على الحق، والنتيجة خسارة الدولة و<الآدمي> والحق… <والحق كله على الطائفية>!