18 November,2018

خـــــــــذوا ســــــــــر قـصـــــــــــــر بــعــبـــــــــــدا مـــــــن قـــصــــــــــــر ”الالــيــزيــــــــــــــــه“!

 

بقلم وليد عوض

شامل روكز

نتائج انتخابات جبل لبنان البلدية، بدءاً من جونية ودير القمر، عززت مكانة العماد ميشال عون كزعيم مسيحي، تماماً مثلما كان حال الرئيس كميل شمعون زمان السبعينات. مع الملاحظة ان قائمته الانتخابية <كرامة جونية> وقائمة دير القمر التي تبناها تعرضتا للاختراق، فيما كان يمني النفس بأن تكون له في جونية وكسروان الزعامة الغالبة، ومن يستولي على قرار أهالي كسروان ودير القمر، لا بد أن يكون الأقرب الى قصر بعبدا.

فكسروان، بدءاً من صربا، وجونية، كانت معقل الرئيس فؤاد شهاب أشهر رئيس اصلاحي في تاريخ لبنان، وميشال عون يعرف لذلك معنى الفوز في جونية، ودير القمر هي معقل الرئيس الراحل كميل شمعون أقوى الزعماء المسيحيين في عصره، وبصورة سيدة التلة في دير القمر خاض انتخاباته النيابية. وباستيلاء العماد ميشال عون على هذين المعقلين يكون قد أزاح من الأذهان زعامة فؤاد شهاب وكميل شمعون. ولا ينسى ميشال عون كيف استطاع الرئيس شمعون أن يكسب انتخابات كسروان النيابية، عندما لجأ الى محاولة دخول الشارع الذي تقع فيه فيلا فؤاد شهاب وكان ممنوعاً على المارة، على أساس ان حرية المرور مكفولة للجميع.

لكن عهد فؤاد شهاب ومثله عهد كميل شمعون لم يكن فيهما حراك للمجتمع المدني، واستيعاب هذا المجتمع لأشواق الناس الذين كفروا برجال السلطة، وسفهوا سياستهم في القضايا المعيشية، وتسببوا في هجرة الشباب الى ديار الآخرين. وهذا ما بدا واضحاً من التصويت ضد لائحة <كرامة جونية> للعماد ميشال عون، واختراق لائحته بأربعة أعضاء بينهم رئيس اللائحة المنافسة <جونية التجدد> فؤاد البواري. صحيح ان لزعامة فريد هيكل الخازن ونعمة افرام ومنصور غانم البون حسابها، إلا ان جو المجتمع المدني كان العامل المساعد لهذا الاختراق.

ولأن الانتخابات البلدية في جبل لبنان صارت وراءنا، فالسؤال الآتي: ما دام العماد عون قد عزز زعامته في معاقل جبل لبنان، فلماذا لا يستغل هذه الفرصة وينزل الى مجلس النواب كناخب رئاسي ومرشح رئاسي، ويقول للنواب: <هذه آثارنا تدل علينا فانتخبوني>. وقد واجه العماد عون في جونية ظل خصمه الرئاسي سليمان فرنجية الداعم للائحة فؤاد بواري، من فوق زورق قرب جونية، كما واجه سليمان فرنجية العماد عون في شخص صهره العميد شامل روكز الذي نزل الى معركة جونية بقضه وقضيضه.

 

الحريري في <الإليزيه>

ويبقى السؤال: هل أرسلت معركة جونية، عاصمة كسروان <فلاشات> معينة لصالح المرشح الرئاسي العماد ميشال عون؟!

واضح كل الوضوح ان الرجل خاض الانتخابات البلدية في كسروان ودير القمر وباقي بلدات محافظة جبل لبنان، وكأنه داخل مجلس النواب يردد: <أنا رئيسكم الآتي>. وكان تدخله في جونية سافراً، على أساس أنه نائب كسروان أولاً، وزعيم التيار البرتقالي ثانياً. وكانت انتكاسته لو حصلت سترتد على أصواته التي يحاول أن يجمعها في مجلس النواب، أي ان أصواته البلدية أضاءت الطريق لأصواته النيابية.

ويأتي حضور ميشال عون في الانتخابات البلدية كرسالة الى المحيط الاقليمي والعالم بأنه <حديدان> الباقي في الميدان، وان منافسته في انتخابات الرئاسة لم تعد لصالح خصومه، فيما يرى الخصوم ان صندوق الانتخابات البلدية ليس صندوق البرلمان، ولا يجوز القياس عليه في المعركة الرئاسية، بل هو سلمان كيريمجرد محاولة لتجديد الحضور والنفوذ.

ولعبة السياسة في الداخل يجب ألا تحجب لعبة السياسة في الخارج. فالرئيس سعد الحريري نزل يوم الثلاثاء الماضي ضيفاً على قصر <الإليزيه> وتباحث مع الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> في المستجدات الخاصة بمعركة الرئاسة في لبنان، وهي المعركة التي يحاول الرئيس <هولاند> أن تكون هدية خاتمة عهده الرئاسي للبنان. والنور الذي يستضيء به <هولاند> في هذا المجال هو لقاؤه في الأسبوع المقبل ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرجل الموصوف بأنه مفتاح الأسرار، وكذلك استقبال <هولاند> في قصر الرئاسة مطلع حزيران (يونيو) المقبل وزير خارجية ايران <محمد جواد ظريف>.

وسيسمع الرئيس <هولاند> من الأمير محمد بن سلمان استعداد المملكة السعودية لتكون الى جانب اللبنانيين في أي قرار يختارونه، فيما الجانب الإيراني يتدخل في الشاردة والواردة لصالح معتمده في لبنان حزب الله، وحزب الله يقول إن مرشحه الرئاسي هو ميشال عون، والرئيس الحريري لا يضع <فيتو> على أي مرشح رئاسي، وأي مرشح رئاسي ينتخبه البرلمان سيحل أهلاً ويطأ سهلاً، والمهم ألا يستمر هذا الشغور الرئاسي المعيب الذي لا يليق بسمعة لبنان. وإذا كان الرئيس الحريري قد تبنى ترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة، فلم يكن ذلك إلا من قبيل اقتحام دائرة قوى الثامن من آذار، وتقريب المسافات بينها وبين قوى 14 آذار لصالح وحدة اللبنانيين واستقرار الوطن.

لمعان اسم ميشال عون!

 

وما سمعه الرئيس الحريري من الرئيس <هولاند> يوم الثلاثاء الماضي هو ما سينقله وزير الخارجية الفرنسي <جان مارك ايرولت> الى المسؤولين اللبنانيين وهو يزور بيروت بدءاً من الرئيس نبيه بري، والرئيس تمام سلام، والبطريرك بشارة الراعي. وفي هذا الباب يلوح اسم المرشح التوافقي من خارج سرب ميشال عون، وسرب سليمان فرنجية، إذا كان ترشيح هذا السياسي التوافقي كفيلاً بتأمين النصاب البرلماني، وإلا فإن اسم ميشال عون سيتقدم كل الأسماء الأخرى، مع ان هذا الرجل مهيأ لفتح صفحة استقرار وازدهار ووحدة وطنية في البلاد، ومثله النائب سليمان فرنجية المرشح الرئاسي للرئيس الحريري.

وما يسعى إليه الرئيس <هولاند> هو اخراج لبنان من وسط هذه الدوامة، فلا يهل العام 2017، إلا ويكون فوق كرسي قصر بعبدا رئيس جديد يتسلم أوراق السفراء الجدد، ويجري استشارات برلمانية لاختيار رئيس الوزراء الجديد، وتسيير قانون انتخاب يسمح بإجراء انتخابات نيابية مع حلول ربيع 2017، وما هم في هذا المجال إن كان قانون انتخاب جديد من صنع اللجان النيابية، والأرجحية هنا لقانون نصفه أكثري ونصفه نسبي، وإلا فليكن قانون عام 1960 الذي جرى تشريعه في عهد الرئيس فؤاد شهاب، هو القانون المستضاء به.

والحديث عن رئيس الجمهورية الجديد لا ينفصل عن الشخصية المطلوبة لرئاسة الحكومة، وأجواء مجلس النواب تميل بغالبيتها الى اسم الرئيس سعد الحريري، ولكن ماذا إذا كان ميشال عون هو الرئيس ولو لمدة سنتين؟! هنا يبرز دور الرئيس نبيه بري كرافعة لأي اسم يرد في الترشيحات لرئاسة الحكومة، والاسم المرجح عنده هو الرئيس سعد الحريري، وإلا فالرئيس نجيب ميقاتي، وإذا تقطعت سبل المجيء بالرئيس سعد الحريري، فله أولاً أن يرجح كفة رئيس الوزراء المقبل، وربما كان الترجيح هو لاسم الرئيس تمام سلام، أو لاسم وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي حرص الرئيس الحريري على اصطحابه وهو يزور الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> في موسكو، ولم يكن هذا الاصطحاب حالة بروتوكولية، أو هكذا شاءت الظروف.

الحريري هولاند

دور الرئيس بري

وتتقاطع كل هذه المعطيات مع اصرار الرئيس نبيه بري على تقصير ولاية المجلس النيابي فلا تزيد عن سنتين، وعلى عدم ارتكاب أي قرار بالتمديد. وليس في الأفق، حين تدق ساعة انتخابات البرلمان، أبرز من اسم الرئيس نبيه بري الذي أجمع السفراء العرب والأجانب في لبنان على أنه كان ولا يزال بر الأمان، دون أن يؤثر تحالفه الانتخابي مع حزب الله على مجريات السياسة  في لبنان.

 وإذا عدنا الى حديث الشغور الرئاسي، فإن غالبية أهل السياسة في لبنان ترى ان الرئيس المقبل لن يكون صناعة لبنانية صرفاً، بل سيكون صناعة اقليمية يختلط فيها الخيط السعودي بالخيط الإيراني، والحضور الفرنسي، في غياب أي أثر للرئيس الأميركي الحالي <باراك أوباما> الذي لم يعد له في البيت الأبيض إلا بضعة أشهر، وما حراك وزير خارجيته <جون كيري> بين السعودية ومصر والأردن والعراق إلا محاولة لستر العيوب التي فضحت حكم <باراك أوباما> منذ أن وعد يوم 10 حزيران (يونيو) 2006 من قلب جامعة القاهرة بأن يجد الحل المناسب للقضية الفلسطينية، ولم يجده حتى الآن.

ويترك <أوباما> البيت الأبيض، ليبحث عن وظيفة، وليس في سجله السياسي من انجازات لها حسابها سوى انفتاحه على كوبا، وإعادة العلاقات الديبلوماسية معها، وفي غير هذا المجال بقيت الكوارث على حالها، بدءاً من العراق وسوريا واليمن، وليبيا، ولم يستطع <أوباما> أن يحدث ثقباً في جدارها، برغم الحلف العسكري في سوريا بينه وبين روسيا، وعدم قدرته على توظيف هذا الحلف في إعادة الأمن والأمان الى سوريا، وإنهاء المجازر التي تذهب بحياة النساء والأطفال دون ذنب ارتكبوه.

إذن.. نحن في انتظار <البرزان> الخارجي لنحتفل برئيس لبناني جديد صنع في الخارج مثل <الكريم  شانتيي> ويتقبله اللبنانيون بمنطق <ليس بالإمكان أحسن مما كان>.