18 September,2018

خـــــذ اللاشـــــــيء وارحــــــــل  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208طلب سائق سيارة المساعدة من أحد المارة لرفع السيارة من حفرة استقرّ الإطار فيها. قال له المار: <ماذا تعطيني في المقابل؟>. أجابه: <لا شيء>، وافق المار الشاب…

وبعدما أزاحا السيارة سأله عن المكافاة، فردّ السائق: <قلت لك لا شيء…>. قال: <أريد ذلك>، سأله: <تريد لا شيء؟>. قال: <نعم>.

وقف السائق مشدوهاً إزاء ما يطالب به الشاب الذي ساعده، <تريد لا شيء؟ إذاً إذهب واشتكِ لتحصّل حقك>..

بالفعل، قام الشاب بتقديم شكوى لدى القاضي، ولمّا سأله الأخير عما يريده، قال له: <أريد حقي>، <وما هو حقك؟>. أجاب: <لا شيء.. أريد ما وعدني به الرجل، أريد اللاشيء الذي على أساسه قدمت المساعدة>.

احتار القاضي في أمره، ولم يجد سوى مخرج واحد للتخلص من القضية الشائكة، فوضع طربوشاً على طاولة المحكمة وطلب من الشاكي رفع الطربوش، ولما رفعه سأله: <ماذا ترى؟>. أجابه: <لا شيء>، رد القاضي، <إذاً خذه وانصرف>..

هكذا، حُلّت مشكلة الشاب المساعد مع السائق وانصرف وفي جعبته لا شيء.

وهكذا ستحل في النهاية قضية المتحكمين برقاب الناس في لبنان، سيأخذون معهم لا شيء ويرحلون الى حيث لا أحد من عالمهم، ولا شيء فاسداً وعفناً، سيرحلون عندما تحين الساعة، ساعة المحاسبة الحقيقية، ساعة التلاقي مع الخالق الذي ترك لهم الحبل على غاربه عقوداً وأزمنة.

سيأخذون معهم لا شيء، لأن الشيء الوحيد الباقي اسمه الجمهورية اللبنانية التي عجز الطغاة، وعجزت كل الجيوش عن إخضاعها وإحكامها وحكمها، وكانت تحلّق على الدوام مثل طائر الفينيق حاملة معها الخميرة التي ستنتج خيرات الأرض وإنسانها…

إن شباب لبنان هم هذا الشيء. هم الخميرة الصالحة الذين سيملأون الأرض والساحات بوعيهم وتطلعهم وتعلقهم بأرض الاجداد التاركين بأصابعهم الخشنة وسواعدهم الصخرية بصمات لا تمحى…

صحيح أن كبارنا وأمهاتنا عجزوا عن محو آفة الطائفية السياسية عن هذا اللبنان، ولكن لبنان الطوائف أفرح قلب قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني واعتبره رسالة ضرورية للبناء عليها ونشرها في عالم يعيش فراغ الانتماء الديني.

تنتفي العبثية أمام إرادة شباب لبنان بتجاوز الأزمات وحتمية التحرّك.

لقد حاكتنا العقود المنصرمة وروى  لنا حكامها والمتحكمون بها أن لا نظام في لبنان سوى النظام الطائفي، وأن نظاماً كهذا لا يمكن أن يسقط أو يزول. إنه نظام أقوى من الجميع، أقوى منا كلنا، إنه مارد يبطش ويزيل كل من يحاول إزالته، إنه تركيبتنا.

هل ينجح الاختراق؟

إن المحاولة جميلة جداً وخطيرة جداً…

فلنحاول أولاً تلميع رسالة السينودوس الطبعة الجديدة لرسالة البطريرك يوحنا بولس الثاني لتتماشى مع الألفية الثالثة.

ولتكن ثانياً طوائفية بأبهى حللها، بمعنى أن يكون لبنان بلد الطوائف الغنية بمعانيها، والمتفاهمة مع بعضها والمتفهّمة بعضها مع بعض.

حراك اليوم جميل جداً لأنه مُشكّل من مواطنين عاديين محقين يرفعون شعارات لها صداها العميق، وخطير جداً لأن أهل الطبقة السياسية والحزبية يمكن أن يجرفوا هؤلاء الناس وشعاراتهم.

حراك اليوم، تحاول وسائل الإعلام تفعيله وشد عصبه، ولكن كيف سيُسقِط الإعلام نظاماً وجوده من وجوده، تراخيصه من حصصه، هواؤه من اختياره، وثرواته الطائلة من نعيمه؟

وإذا لم يكن من سقوط النظام الطائفي بدّ، فالأوْلى بهذه الوسائل أن تبدأ بنفسها وتحاسب نفسها وتقول للناس: <استروا ما شفتوا منّا>، لأن الناس بدأت تقول لنا: <ارحمونا>.

نعم، فإن سقوط هذه مؤشر أساسي لسقوط تلك. والشيء الأكيد أن هذه الوسائل استمرت بفضل النظام الذي قال لها كوني فكانت، وبما يناسب مصالحها وتجارتها لا خدمة للإنسانية ومصالح الوطن…

وفي انتظار ما سوف ينتج عن هذا الحراك الشبابي النظيف في معظمه، يبقى السؤال موجهاً للقيادات المستمرة بفعل التخويف: من أي فيلم رعب أتيتم؟ هل استعدتم المسروقات؟ أو بعضاً منها على الأقل؟ هل تقدمتم بشكوى لاستعادتها؟ هل ستحاسبون السارقين؟

إن المسروق ثمين، إنه كنز لا يفنى، عمره أكثر من ربع قرن، ولمن يجهل الموجودات فإنها تحمل أطناناً من الشعارات البرّاقة: السيادة، الحرية، الاستقلال، المحاسبة، التغيير، إلغاء الطائفية، والذاكرة أحياناً تخون بتعداد البقية الباقية…

وسيظل هناك شعار كبير مفقوداً الى حين الوصول الى اللاشيء الآنف الذكر. ولن يتم البحث عنه أو المطالبة باسترداده، لأن صاحب الشعار هو العميد ريمون إده، والشعار هو <من أين لك هذا؟>.