24 May,2017

خـطــــــة اسـتــئـجـــــــار بـواخــــــر الـكـهـربـــــــاء بيــــــن مـطــرقــــــة الـتـكـالـيـــــف وســــــنـدان الاعـتــــــــراض!  

بقلم طوني بشارة

cezar-abi-khalil----1

سلّة من الأزمات يواجهها اللبناني يومياً منذ اعوام من دون حلول جذرية توفر له بعضاً من حقوقه كمواطن… أزمات عديدة منها زحمة السير، اطلاق النار بشكل عشوائي، مشكلة المياه والكهرباء، وغيرها….، وكما يبدو في الوقت الحالي فإن ازمة الكهرباء هي أزمة الازمات وهي اشبه بحكاية <إبريق الزيت> التي لم تجد حتى اليوم طريقها نحو الحل، في انتظار <أينشتاين> ما ينقذ المواطن من واقعه المرير.

 

مشكلة الكهرباء تاريخياً

قبل حرب 1975، كانت التغذية بالتيار الكهربائي على مدار الساعة وبلا انقطاع، وكان لبنان يوردها حينذاك الى سوريا، ليصل به الحال بعد 30 سنة الى شرائها منها، وبين 1991 و1992، اي بعد انتهاء الحرب، ومع بدء عملية إعادة الاعمار، كان اللبنانيون يتمتعون بما بين 18 و19 ساعة تغذية بالكهرباء يومياً، وقد استمر هذا الواقع في التدهور رغم قرارات الحكومات المتعاقبة بزيادات مستمرة لحجم الانفاق على الكهرباء حتى وصلت ساعات التقنين في لبنان الى نحو 14 ساعة يومياً في بعض المناطق.

 واللافت انه قد تعاقب في آخر ثلاثين سنة على وزارة الطاقة والمياه ما يقارب العشرة وزراء من مختلف الانتماءات السياسية، ومنذ 17 عاماً لم تتخذ خطوة فعلية تجاه إدخال تحسينات الى واقع القطاع باستثناء بعض الخطط، ومنها التي وضعتها <جمعية الصناعيين> لإعادة تدوير النفايات وتوليد الطاقة منها، والخطة التي وضعها وزير الطاقة والمياه السابق جبران باسيل، ومن ثم خطة ابي خليل الانقاذية في الحكومة الحالية.

 

أسباب التدهور

ومن أسباب تفاقم مشكلة التقنين، الفارق الكبير بين الانتاج والطلب، اذ وصل الطلب الى 3150 ميغاواط، في حين أن المعامل تستطيع إنتاج 1600 إلى 1700 ميغاواط في أحسن الاحوال، اضافة الى الأعطال المستمرة في معامل الإنتاج، والنقص في المحطات وخطوط النقل، والتعديات على الشبكات، وتراجع الجباية، ومشكلة أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ سوري يستهلكون 306 ميغاواط اي ما يوازي 3 ساعات من التغذية وبتكلفة تبلغ 354 مليون دولار سنويا. ذلك ويتم إهدار ما بين 30 و40 بالمئة من الطاقة المنتجة في لبنان فيما يعود عمر 60 بالمئة من محطات توليد الكهرباء الى أكثر من 20 عاماً، ويبلغ عمر عدد آخر منها نحو 40 عاماً، كما أن شبكة نقل الـ 220 كيلوفولت غير مترابطة ما يجعلها شبكة غير مستقرة وعرضة للأعطال صيفاً وشتاء، ويضاف الى كل ذلك تأخّر تجهيز المعامل في البداوي والزوق والجية، رغم أن خطة وزارة الطاقة حددت سنة 2015 لعودة الكهرباء 24/24.

وبحسب الارقام الرسمية، تتوزع القدرة الانتاجية للمعامل اللبنانية على الشكل الآتي: دير عمار 430 ميغاواط، الزهراني 298 ميغاواط، الزوق 248 ميغاواط، الجية 67 ميغاواط، بعلبك 30 ميغاواط، صور 30 ميغاواط، الحريشة 33 ميغاواط، البواخر التركية 283 ميغاواط (اكثر من 20 بالمئة من إجمالي الطاقة المنتجة وتستطيع رفع طاقتها إلى 400 ميغاواط في حال طلبت الدولة ذلك)، إنتاج مائي 100 ميغاواط واستجرار من سوريا 95 ميغاواط. وتالياً تكون القدرة الانتاجية للمعامل الموضوعة على الشبكة بحدها الاقصى قرب 1650 ميغاواط فقط.

وتعتبر تكلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة جداً مقارنة بالمعدل العالمي، إذ تصل تكلفة إنتاج كل 1 ميغاواط/ ساعة في لبنان الى 255 ألف ليرة، استناداً الى الخطة الاستراتيجية لقطاع الكهرباء التي أعلنها الوزير باسيل خلال تسلمه وزارة الطاقة والمياه، 75 بالمئة منها تكلفة فيول، في الوقت الذي تراوح فيه هذه التكلفة عالمياً ما بين 1 أورو (ما يقارب 1600 ليرة) و30 أورو (اي نحو 50000 ليرة) لكل 1 ميغاواط/ الساعة، كما أن الكفاية الحرارية المستخدمة في لبنان متدنية جداً، ما يعني أن عدد الكيلواط/ ساعة المنتجة لكل برميل من الفيول هي أيضاً من الأدنى عالمياً.

وبعيدا عن لغة الأرقام وقريبا من الواقع، طرح وزير الطاقة الحالي سيزار ابي خليل خطة انقاذية للكهرباء، وقد وافقت الحكومة على خطته ولكن يبدو ان مناقصة استئجار البواخر لتوليد الطاقة التي تقع ضمن خطة الكهرباء الانقاذية التي قدمها وزير الطاقة سيزار ابي خليل وحظيت بموافقة مجلس الوزراء، تواجه بعض الصعوبات من جراء الانتقادات السياسية، لعل أبرزها من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي اكد ان البواخر مدعومة للجيوب وأن هذه الصفقة ليست مفصلة وكل صفقة لا تمر بدائرة المناقصات هي مشبوهة حتماً، ومن وزراء القوات اللبنانية ووزير الدولة لشؤون التخطيط ميشال فرعون الذين عقدوا مؤتمرا صحافياً اصروا فيه على ملاحظاتهم حول الخطة الكهربائية، إضافة الى التصريح الذي ادلى به وزير العدل السابق اشرف ريفي الذي اعتبر هذه الصفقة وصمة عار على جبين العهد والحكومة، فيما اعتبرها حزب الكتائب اكبر عملية نهب لاموال الدولة، كما انتقدها عدد كبير من السياسيين.

تبريرات وانتقادات بالجملة دفعتنا للتساؤل عن تفاصيل خطة ابي خليل وعن موقفه من الانتقادات السياسية لخطته، وبالتالي معرفة موقف المعارضين والمنتقدين لشفافية المناقصة.

ghassan-hasbani---2ابي خليل وخطته الانقاذية

أعلن وزير الطاقة سيزار ابي خليل أن ازمة الكهرباء سببها تراكم عوامل عدة منها طبيعية ومنها غير طبيعية ناتجة عن أزمة النازحين السوريين، فقد أظهرت دراسة قامت بها الـ<undp> بالتعاون مع وزارة الطاقة انهم يستهلكون ما يزيد عن 4980 ميغاواط اي يحرمون اللبنانيين من 5 ساعات تغذية في اليوم.

وأشار أبي خليل إلى ضرورة وضع خطة إنقاذية تبدأ هذا الصيف لاستدراك الصيف المقبل، والخطة مؤلفة من 5 محاور، الأول يقضي بتأمين 7 ساعات إضافية تزاد إلى الـ3 ساعات، ولفت إلى أنه رفع إلى وزارة الإعلام طلب إعلام إستدراج العروض إلى الجرائد الناطقة بالعربية والانكليزية والأجنبية وطلب أيضا من مجلس الوزراء الموافقة على إطلاق إستدراج العروض، مضيفا: سبق وتم التحضير لإشراك القطاع الخاص مع القطاع العام منذ العام 2010 وقد زرت السراي الحكومي لأخذ الموافقة على إستقدام المستشار الدولي كي يعاوننا في دفتر الشروط.

وعن الطاقة المتجددة كبديل لانتاج الكهرباء قال أبي خليل: هناك 3 عناوين في هذا النطاق: توليد الكهرباء من طاقة الرياح، توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وتوليد الكهرباء من طاقة المياه.

وعن توليد الكهرباء من طاقة الرياح لفت إلى أن هناك مناقصة انطلقت في 2012، وهناك لجنة وزارية شكلت ودرست العروض وقامت بجولتي مفاوضات مع الشركات أفضت الى تخفيض السعر لكننا لم نتطرق الى النتائج في جلسة مجلس الوزراء لان التقرير لم يصل الوزراء مسبقاً كي يدرسوه.

واما بالنسبة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية فشدد ابي خليل على أن الوزارة بدأت منذ اشهر العمل في هذا الطريق من خلال إعلانها دورة اعلان نوايا للقطاع الخاص لانتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية.

وفي ما يتعلق بتوليد الكهرباء من طاقة المياه او ما يسمى بالمعامل الكهرومائية، فقد رأى ابي خليل أن ثمة دراسة تجرى مع البنك الدولي وستوضع خارطة طريق توزع على القطاع الخاص، لان ثمة تعقيدات تدخل في سياق هذا الامر، وثمة اجراءات مالية ستتخذها شركة كهرباء لبنان والدولة اللبنانية عامة لتخفيض الفاتورة الاجمالية على المواطن وتخفيف العبء عن كهرباء لبنان تماشياً مع ما أقرته الحكومة اللبنانية ولزيادة ساعات الانتاج وساعات التغذية تدريجيا.

وبالنسبة لإستكمال بناء المعامل المتوقفة كحل للازمة أوضح ابي خليل ان هذا الامر يحتاج إلى سنتين، والحل اليوم إما ان نرضى بأن تبقى الكهرباء مقطوعة وإما سنعتمد خطة طارئة ومستعجلة لتأمين الكهرباء ريثما يتم الإنتهاء من بناء معاملنا، وهذا ما سنعتمده، مشيرا إلى أن كل المعامل التي سوف تلي ستتأتى من شركات القطاع الخاص، كما افاد ابي خليل ان إنشاء الشبكة الذكية للكهرباء من شأنه أن يخفف الهدر ويؤمن الكهرباء 24/24، وهذا أمر يحتاج الى إنهاء المشاريع الواردة على الخطة الموضوعة وعندئذٍ نحصل على قدرة انتاج أكبر من الطلب.

وعن المعارضة للمشروع والشفافية في فض العروض أشار ابي خليل: لقد اجتمعت مع أعضاء لجنة المال والموازنة، وبموجب الأسئلة التي طرحها النواب اكدت للجنة التزامي تطبيق القوانين وقرارات الحكومة، وسأرفع تقريراً نهائياً الى مجلس الوزراء، وهنا لا بد من التأكيد ان هناك 8 شركات، ولا يقتصر الامر على شركتين كما قيل، وسننتظر الى ان تفض العروض النهائية، الامر الذي لم يحصل بعد، فمجلس الوزراء بكامل مكوناته يقبل او يرفض التقرير الذي سأرفعه اليه، وهو المرجعية لهذه العملية.

وتابع أبي خليل:

– ما حصل كان فرصة جيدة لتبديد كل الأضاليل والأكاذيب التي كانت تبث في وسائل الاعلام حول خطة الكهرباء، وفي الشق القانوني والاداري أوضحنا أننا نقوم بإجراء كلفنا به مجلس الوزراء وفقا لدفتر الشروط، وزدنا عليه سؤالاً للمتنافسين عن امكانية التمويل لـ6 أشهر اضافية.

واستطرد ابي خليل:

– ان هذه المناقصة عندما تنتهي سيفتح الملف الاداري فيها، ثم يجري العرض التقني وفي نهايته يفتح العرض المالي، ونقوم بوضع تقرير ونرسله الى الحكومة، ولن نسير وفق أي مناقصة اذا لم تقبل الحكومة بها.

وشدد أبي خليل على <أن الكهرباء لن تؤمن في الصيف الا عبر خطة طارئة ومستعجلة>، مضيفاً:

– لقد تم عرض كل بنود الخطة بالتوازي، والبند الاخير منها هو تصحيح التعرفة حتى لا نزيد العبء على الدولة، ونوفر ساعات المولدات الخاصة على المواطنين، وبالتالي نوفر في الفاتورة الاجمالية ما بين 45 و54 بالمئة. وهذه خطة ستوفر على المواطن اللبناني الفاتورة الاجمالية للكهرباء، وستوفر على الاقتصاد اللبناني كل الخسائر من جراء عدم توافر الكهرباء، الأمر الذي يحد من النمو الاقتصادي والمستوى الخدماتي.

حاصباني والنقاش الطبيعي

من جانبه لفت نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني الى ان ما حصل بينه وبين وزير الطاقة ابي خليل ليس توترا بقدر ما هو نقاش طبيعي يحصل لوجود عدة وجهات نظر في مقاربة ملف بحجم الكهرباء نظراً لأهميته للبلد، موضحا انه نقاش يبدأ من منطلق الحرص على ان يكون العمل بالاطر القانونية والاجرائية الصحيحة حتى لا تُطرح علامات استفهام حول هذا المجلس لان علامات الاستفهام لا تتعلق فقط بالوزير بل بالمجلس ككل.

وأشار حاصباني الى ان ازمة الكهرباء تنطلق من الخسائر التي تكبدها لبنان على الكهرباء دون أي جدوى، والتي تفوق الـ20 مليار دولار خلال الفترة الماضية، وسيستمر تكبدها، وهي الازمة التي أوصلت الوضع الاقتصادي الى مرحلة سيئة جدا واوصلت لبنان الى مرتبة أخيرة بالترتيب العالمي.

 

حاصباني واستدراج العروض

وتابع حاصباني:

– لقد تقدّم وزير الطاقة والمياه بخطة مقتضبة لمعالجة هذه الأزمة على المدى القريب والبعيد، وعُرضَت هذه الخطة في أول جلسة لمجلس الوزراء بعد الإنتهاء من مناقشة الموازنة، واتخذ مجلس الوزراء قراراً واضحاً بهذا الخصوص ينصّ على تكليف وزير الطاقة والمياه إتخاذ الاجراءات اللازمة واستدراج العروض وإعداد المناقصات وعرض كافة مراحلها تباعاً على مجلس الوزراء وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الاجراء.

واستطرد حاصباني:

– إلا أن عملية استدراج العروض أطلقت خلافاً لقرار مجلس الوزراء والأصول القانونية، إذ لم يُعرض على مجلس الوزراء أي دفتر شروط، بل اعتمدت وزارة الطاقة والمياه دفتر شروط معدَّلاً، أقرَّته حكومة سابقة بقرارٍ سابق لهذا القرار واُجريَت بموجبه صفقة عامة شابتها ثغرات قانونية وإجرائية عدّة.

ولفت حاصباني الى أن <استدراج العروض لم يراعِ الأصول القانونية ــ لا من خلال إدارة المناقصات ــ ولا وفقاً لقانون المحاسبة العمومية ــ ولا عبر مؤسسة كهرباء لبنان وفقاً لقانون انشائها>.

وذكر حاصباني انه راسل رئاسة مجلس الوزراء مرّتين بهدف تصويب هذا الأمر، وان الامور استمرت من دون الاخذ بملاحظاته المطالبة بتصويب مسارها.

وفي هذا السياق، أكد حاصباني تمسك <القوات> <بضرورة احترام قرارات مجلس الوزراء وبالعودة إليه في كل مرحلة من مراحل خطة الكهرباء وتحديدا بموضوع دفتر الشروط في الوقت الحاضر، وبتوسيع مروحة الخيارات في دفتر الشروط باتجاه أفضل الحلول لناحية الكلفة والسرعة في التنفيذ والشفافية والقوانين المرعية والأولويات البيئية>.

وأضاف حاصباني:

– إننا نتمسّك بأن يُطبَّق قانون المحاسبة العمومية بما يتعلّق بالمناقصات واستدراج العروض وفضّها، وقد برهنت التجربة فعّالية هذه الآلية عند اعتمادها ومنها ما تمّ في مناقصة السوق الحرّة في مطار بيروت حيث وفّرت وتوفّر على الدولة وجيوب الناس ملايين الدولارات.

وشدد حاصباني على أن <التقيّد بالقانون يشكّل وحده الغطاء المطلوب لحسن التنفيذ منعاً لارتكاب الأخطاء وفتح المجال أمام تأويلات من هنا ومزايدات من هناك>.

واعتبر حاصباني ان الحكومة الحالية هي حكومــة استعادة الثقــــــة، والثقة تـــــأتي من خـلال تقــديم خدمات جيدة وبشكل سريع ولكن ضمن القوانـــــين المرعية الاجراء والشفافية وخفض الكلفة ولكن ليس بأي كلفة كانت، لان أي كلفة كانت من الممكن ان تفلس البلد، <فلماذا نهدر بمكان ما بغرض السرعة علما انه نستطيع ان نحقق السرعة بدون حصول الهدر؟ فأنا اخشى من هدر المال العام، والقوانين وضعت لتفادي أي نوع من الهدر والخطأ والاتهام الباطل>.

<الأفكار> نقلت الآراء كما هي، فالتبريرات والمواقف تجاه ازمة الكهرباء متعددة، البعض يعتبرها منطقية والبعض الاخر ينتقدها، ولكن في نهاية الأمر، ما يهمنا كمواطنين هو تأمين الكهرباء من دون تكلفة إضافية.