20 September,2018

خطابا التحريض والتبرير يؤججان الشارع وبعلبك كانت على الدوام ملتقى الأديان والثقافات!

1 لا يزال الوضع الأمني هو الهاجس الأكبر لدى اللبنانيين وهو في صدارة المتابعة والاهتمام، لاسيما في منطقة البقاع الشمالي التي شهدت في الأيام الماضية حوادث خطف متبادلة بعضها على صلة بخطف العسكريين لدى <جبهة النصرة> وتنظيم <داعش> في جرود عرسال منذ أكثر من شهر ونصف الشهر، في وقت يهدد الإرهابيون بذبح العسكريين إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم وتدخل في مقايضة للإفراج عن الموقوفين الإسلاميين، فيما شهدت مدينة بعلبك في الأسبوع الماضي لقاء موسعاً تحت شعار <مخاطر الغزو التكفيري والفوضى الاميركية – الصهيونية التي تستهدف وحدتنا الوطنية ووجودنا الحر العزيز>، وصدر عن المجتمعين من النواب ورجال الدين من كل الطوائف والشخصيات والأحزاب ميثاق شرف أكد التكامل ووحدة المصير.

تمثال السيدة العذراء

<الأفكار> التقت عضو كتلة الوفاء للمقاومة وعضو جبهة العمل الاسلامي نائب بعلبك – الهرمل الدكتور كامل الرفاعي وحاورته على هذا الخط، وتطرقت معه الى واقع الحال في بعلبك – الهرمل وظاهرة التطرف الاسلامي بدءاً من السؤال:

ــ شهدت مدينة بعلبك ظاهرة وضع تمثال للسيدة العذراء عند مدخلها الجنوبي في زمن يتصاعد الانقسام الطائفي والمذهبي ويسيطر التطرف والتكفير. فما رمزية هذه الخطوة بالنسبة لأبناء بعلبك الهرمل؟

– تمتاز بعلبك في تاريخها بتنوعها الطائفي والمذهبي. وللأخوة المسيحيين في بعلبك مكانة مرموقة وأيادٍ كبيرة على هذه المدينة بإعطائها ذلك الجو الحضاري، وانطلاقاً من هذا الجو الحضاري ولأن  كثيراً من الأخوة المسيحيين تركوا بعلبك رأينا أنه لا بد في هذه الفترة بالذات التي نتحدث فيها عن العيش المشترك وعن وحدة المصير، ان نرمز الى هؤلاء الأخوة بشيء للعودة الى هذه المدينة ولإعطائها الصبغة الأساسية وهي انها ملتقى جميع الأديان والطوائف، فكان هذا المشروع الذي قام به بعض الأخوة وإن كنا نتمنى ان يشارك هؤلاء الأخوة أكبر قدر من العائلات البعلبكية في هذا العمل، إلا أنه بنتيجة تعليمات خاصة اقتصر العمل على بعض الناس، وهو عمل مشكور ويرمز الى وحدة المدينة، إذ عندما تدخل الى بعلبك وتمر ما بين القلعة وأوتيل <بلميرا> وبعد مقام السيدة خولة بنت الإمام الحسين عليها السلام، ترى هناك هذا التمثال للسيدة العذراء، رغم أننا في الإسلام لدينا بعض التحفظات على <التماثيل>، لكن نظراً للبعد الحضاري والبعد الثقافي ولإثبات وجود المسيحيين في بعلبك، ارتأينا أن يكون هذا المشروع في هذا المكان بالذات حتى من يدخل مدينة بعلبك يمر على السيدة خولة، بعدما يمر على جامع الإمام الاوزاعي ثم بالقرب من تمثال السيدة العذراء، وبالتالي نوصل رسالة للعابر تلقائياً بأن بعلبك تمتاز بالعيش المشترك.

تحصين العيش المشترك

ــ وكم هو محصن هذا العيش المشترك، لاسيما وأن الاسبوع الماضي، شهد عمليات خطف لمواطنين على خلفية خطف العسكريين لدى التنظيمات الإرهابية ولأسباب تتعلق بالفدية أيضاً، حيث كادت الأمور تفلت وتتحول الى فتنة؟

– ما حصل في الاسبوع الماضي هو نتيجة خطف العسكريين، وطبعاً أقول إن الشهيد علي السيد أعدم وهو ينتمي الى الطائفة السنية قبل مقتل الشهيدين عباس مدلج ومحمد حمية، وهذا لن يخفف الاحتقان المذهبي إلا أنه لا بد أن نعترف أن هناك خطاباً تحريضياً مذهبياً نعاني منه منذ العام 2005، وان هناك ايضاً خطاباً تبريرياً لكل من يقوم بأعمال إرهابية، وبالتالي فالخطاب التحريضي والخطاب التبريري مع غياب المؤسسة المدنية الجامعة وخصوصاً لأهل السنة والجماعة على الساحة، ما أدى الى نوع من الغليان المذهبي في الشارع الذي ترجم ما حصل في الأسبوع الماضي. وللحقيقة بعد استشهاد عباس مدلج رأينا هذه الصورة المفزعة التي تسيء أولاً الى الإنسانية، وثانياً الى الإسلام.

وتابع يقول:

– كنا نأمل أن يكون هناك وعي لدى المواطنين حتى لا تحدث ردات فعل، ولكن المنطقة تتشابك فيها العوامل العشائرية والعائلية والطائفية والمذهبية، إضافة الى الإعلام الذي يلعب دوراً سلبياً في تضخيم الأخبار وينقل الخطاب التحريضي والتبريري. وما حصل في بعلبك الهرمل من عمليات خطف، أعقبها  تدخل القوى الحزبية لإنقاذ المخطوفين، علماً بأن حالة الخطف التي جرت لابن سعدنايل كانت لدوافع مالية على يد عصابة تقوم منذ فترة بخطف الأشخاص وابتزاز أهاليهم، وهذه العصابة لا تفرق بين سني وشيعي أو مسيحي. ولذلك أقول إن هناك تقاعساً عند قوى الأمن الداخلي للأسف الشديد التي لا بد أن تقمع هذه التجاوزات، إذ لا يعقل أن يتدخل الجيش عند حصول كل حادثة، وكان لا بد من تدخّل قوى الأمن التي يصرف عليها الكثير، فأين هي ولماذا لا تقوم بواجبها؟ ولذلك سنتوجه الى المسؤولين لأن تبادر هذه القوى الى القيام بواجباتها وتمنع حالات الانقلاب الامني، بحيث لا يقتصر دورها على منع مخالفات البناء للفقراء فقط، دون أن تمنع الأغنياء والمحظيين بالحماية السياسية.

ــ بعد استشهاد الجندي عباس مدلج زار وفد من أهالي الشهيد علي السيد بلدة أنصار وأقيمت صلاة مشتركة ترأسها قريبكم مفتي بعلبك الشيخ بكر الرفاعي. فكيف كان واقع هذا الحدث إيجابياً على أهالي المنطقة؟

– سماحة الشيخ بكر الرفاعي يقوم بدور بناء وكذلك الشيخ محمد يزبك الذي لا ينام الليل لتطويق كل ذيول الحوادث، وبالتالي الجانبان يريدان الإثبات للجميع بأن المنطقة هي منطقة تعايش. ولربما للشيخ بكر الرفاعي ميزة معينة وهو انه سني وينتسب الى آل البيت، وهذه الميزة ساهمت نوعاً في وجوده وتحركه، وكانت هذه المبادرة من اخواننا في عكار الذين أرسلوا وفداً للتعزية في بلدة أنصار وأقيمت الصلاة المشتركة التي تدل على وحدة المسلمين لاسيما وأن القرآن واحد والنبي محمد واحد والكعبة واحدة، وإن كان هناك اختلاف في المذاهب، فإن هناك اختلافاً حتى ضمن المذاهب السنية الأربعة.

ــ وهل يكفي اللقاء المشترك الذي عقد في بعلبك ورفع الغطاء عن جميع المخلين بالأمن؟

– هذا اللقاء ضم كل الأطراف من كل الطوائف وكل الفعاليات الحزبية والعشائرية والعائلية، ومثل هذه اللقاءات تحصن الساحة بنسبة 50 بالمئة، ولكن لا بد أن يصاحب ذلك إسراع القوى الحزبية في المنطقة الى لملمة ذيول أي حادث، وقبل أن تتحرك القوى الامنية وبالاخص الاخوة في حزب الله وحركة <أمل>، حتى لا تتطور الامور نحو الأسوأ. وعلى كل حال، كما فهمت من الاخوة في حزب الله وحركة <أمل> فإن هناك حالة طوارئ دائمة لديهما وهما على أتم الاستعداد للقيام بهذه المهمة ليلاً ونهاراً.

ــ ما المطلوب من الفريق الآخر وتحديداً من <تيار المستقبل>؟

– المطلوب من الفريقين أن يبادرا الى نوع من التوعية والحكمة وإذا حصل أي حادث لا سمح الله أن يكون هناك اتكال على القوى الامنية والقوى الحزبية حتى يسارع الجميع الى لملمة أي ذويل، وألا تكون هناك ردة فعل. وأتمنى هنا على المشايخ بالذات من الطرفين ومن اخواننا المطارنة أيضاً اعتماد خطاب الاعتدال، خاصة يومي الجمعة والأحد، وليس فقط على المنابر وإنما أيضاً في المجالس الخاصة بحيث ان ازدواجية الخطاب مرفوضة وما نقوله على المنابر يجب أن نقوله ضمن الكواليس الخاصة أيضاً.

حل أزمة عرسال

ــ وكيف الحل لأزمة عرسال التي تمادت الى حد أصبحت تحت الأسر ودفع الجيش ثمناً كبيراً نتيجة ذلك؟

– عرسال تاريخياً ترتبط بالمنطقة ومواقفها قومية وطنية بدءاً من العام 1958 ضد الرئيس كميل شمعون الى مطالبتها بالوحدة عام 1961 واحتضانها للخط الناصري ودعمها للمقاومة الفلسطينية. وكان لها شهداء على هذا الخط، وبالتالي هذه البلدة تمتاز بنضالها القومي والوطني، لكن للأسف فعرسال نتيجة للحرمان الذي تعيشه ونتيجة لارتباطها بالجوار السوري، بالإضافة الى تعرضها للمضايقات والإهانات زمن الحقبة السورية، كان لا بد لهذه البلدة أن تقف هذا الموقف، خاصة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكانت ردة الفعل تجاه الاخوة السوريين ومن ثم حصل ما حصل في سوريا فدخل اللاجئون بكثافة الى عرسال، وكان يجب على الدولة اللبنانية أن تبادر الى تنظيم هذا الدخول ونشر الجيش في عرسال، لكن للأسف فالجيش الذي نشر هناك كان عند الحدود بين عرسال واللبوة، مع العلم انه كان يجب أن يكون ما بين عرسال والحدود السورية. وطبعاً فالجرد طويل وهناك تهريب يحصل وطرقات التهريب معروفة بين عرسال وسوريا، لذلك استطاع المسلحون الذين خرجوا من القلمون أن يستخدموا هذه الطرقات للدخول الى عرسال ومنها الى الداخل.

وأضاف:

– وهنا، نحمّل القوى الأمنية المسؤولية لاسيما الحواجز التي كانت موجودة على الطرقات، رغم ان اخواننا في حزب الله كانوا قادرين على ضبط الخروج والدخول، لكنهم تركوا هذه المهمة للقوى الامنية تفادياً لأي حساسيات، إلا أن القوى الأمنية فشلت في ضبط الوضع خاصة وان الجيش في عرسال لم يكن يتمتع بالجهوزية الكاملة لا من ناحية العتاد ولا من ناحية نوعية العناصر التي تملك الخبرة القتالية، بل كان معظم العسكريين من المجندين الجدد. وطبعاً هنا نشيد بالمؤسسة العسكرية ونتمنى لها التوفيق وندعمها رغم الأخطاء التي تحصل من بعض أفرادها. ونأمل اليوم أن تبادر القيادة الى تحسين الأداء وتجهيز عناصر الجيش بما يلزم للقيام بواجباتهم في عرسال.

وتابع يقول:

– أما بالنسبة لأزمة المخطوفين، فالدولة مجالها ضعيف في استرجاع المخطوفين، ولذلك تتعامل الحكومة مع قوى إقليمية من تركيا الى قطر لما لهذه الدول من علاقات مميزة مع المسلحين بغية إخلاء سبيل المخطوفين، لكن هذا لا يمنع أن نكون على درجة من الوعي في هذه المنطقة وأن يعمل الجيش اللبناني مع بعض النافذين في عرسال الذين تربطهم علاقة بالمسلحين حتى نستطيع إعادة العسكريين المخطوفين الى أهاليهم بدون مقايضة وبدون دفع جزية.

ــ وما المطلوب في تصورك من أبناء عرسال في هذه اللحظة؟

– لا نشك في وطنية أبناء عرسال لكن المفروض أن يتحلوا بالوعي وأن يعرفوا أن الجيش اللبناني أقرب إليهم من المسلحين، وعليهم الضغط على المسلحين لمنع التهريب وألا يعمدوا الى تموينهم غذائياً، وبالتالي فعندما يقوم أهالي عرسال بهذا الموقف الضاغط يستطيعون مساعدة الدولة في عملية تحرير المخطوفين، علماً أن الكثير من أبناء عرسال قتلوا على أيدي المسلحين الذين لا يخافون الله، ولذلك نتمنى على أهلنا في عرسال بما لهم من تاريخ مجيد أن يعودوا الى تاريخهم والى العيش المشترك مع أبناء المنطقة الحاضرين لاحتضانهم، واخواننا في حزب الله قدموا أكثر من مبادرة بهذا الخصوص. وعلى أبناء عرسال أن يعرفوا أن المنطقة ليست عدوة لهم، بل هي حاضنة وهم اخوة وأشقاء وتاريخهم مجيد في الدفاع عن المقاومة.

الإسلام دين الرحمة

 

ــ كعضو في جبهة العمل الإسلامي نسألك عن الحالة التكفيرية السائدة وما سبب نموها بهذا الشكل؟

– الإسلام دين رحمة والله عندما خاطب النبي الكريم قال: <وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين>، والرسول شارك في أغلب الغزوات في الجزيرة العربية وكان يقول الصحابة انهم كانوا يتحامون بالرسول، لكن الرسول لم يقتل أحداً في كل معاركه رغم انه كان شجاعاً ومقداماً، وهذه ميزة لهذا الرسول الكريم. واللافت أن الخلفاء الراشدين كانوا عند أي غزوة يقومون بها يوصون القائد بألا يقطع شجرة ولا يقتل أسيراً ولا يمثل بجريح ولا يعتدي على بريء. لكن للأسف الشديد دخل إلينا فكر إرهابي تكفيري يأتي من مخلفات الماضي المتطرفة لزرعها في عقول الشباب. والذي ساعد على ذلك هو الظلم الفادح الذي يحيط بالعالم العربي والإسلامي عامة، وبالشعب الفلسطيني خاصة، ثم إن هناك أنظمة استبدادية قتلت الحرية والديموقراطية وتستعين على ذلك برجال الدين، وكل ذلك أدى تلقائياً الى وجود بيئة حاضنة لفكر متطرف خافت منه بعض الانظمة من أن ينتشر في بيئتها فدعمته وصدرته الى الخارج كما كان الحال زمن تنظيم «القاعدة> بدءاً من الولايات المتحدة وبعض دول الإقليم العربي.

2

واستطرد قائلاً:

– واليوم هذه القوى المتطرفة التي أنشأتها أميركا ودعمتها وغضت النظر عن تسليحها عن طريق بعض الدول العربية كان هدفها زرع الفتنة بين المسلمين وتفتيت المنطقة وتحويلها الى دويلات مذهبية، حتى ان وزير خارجية أميركا الأسبق<هنري كيسنجر> في احدى محاضراته في <الفاتيكان> حرّض رجال الدين في الفاتيكان على الفتنة وقال لهم إن الحرب المقبلة في الشرق الأوسط هي حرب المئة عام ما بين السنّة وما بين الشيعة، وبالتالي هناك أيادٍ أميركية اسرائيلية تحرض وتدعم وتموّل بهدف تفتيت وتقسيم المنطقة وزرع الفتنة بين هذه الدويلات الصغيرة لتبقى الدولة اليهودية هي المهيمنة على المنطقة. وهنا أذكر أن الكاتب أمين معلوف يقول إن هدف الاستعمار منذ زمن بعيد هو زرع الفتنة بين السنة والشيعة وإقامة الدويلات المتناحرة التي تستمد قوتها من المستعمِر وتطلب العون من الدولة الأساسية في المشرق العربي وهي الكيان الصهيوني.

ــ كيف السبيل لجمع كلمة المسلمين حول عناوين رئيسية لقطع الطريق على الارهاب والمتطرفين. وأين دور الأزهر الشريف الذي تعلمت فيه؟

– نحن نتمنى أن يعود الأزهر ليكون المرجعية الأساسية للمسلمين السنّة من خلال وسطيته وانفتاحه وتفهمه لجميع مشاكل العالم. ونحن نعرف أنه كان هناك دور  مميز للأزهر زمن الرئيس جمال عبد الناصر.. وأنا خريج الأزهر، وكنا ندرس المذهب الحنفي وكان لنا زملاء يدرسون المذهب الجعفري وآخرون المذهب الشافعي. فنحن نريد العودة الى ما كان عليه الأزهر زمن عبد الناصر، الأزهر الذي يعمل على توحيد المسلمين ويمنع التفرقة ويقرّب ما بين المذاهب قدر الإمكان، وأن يعود مؤسسة مستقلة وسطية تدعو لوحدة المسلمين وتنفتح على الآخر لاسيما الأخوة المسيحيين. وما يقوم به الأزهر اليوم لاسيما تحركه ضد ما تقوم به <داعش> وأخواتها غير كافٍ، وإنما المطلوب أكثر كأن يخرج من بوتقة سلطة الحاكم وأن يعود الى مركزه كمرجعية إسلامية لكل المسلمين.