21 November,2018

خبراء فرنسيون في ”المعهد العالي للاعمال“ في لبنان يجيبون عن السؤال: كـيـــف تـعــــرف الـقـطـعـــــة الـفـنـيـــــة الاصـلـيـــــة مـــن تـــــلك الــمــــــزورة او الـمـسـتـنـسـخــــــــــة؟

 

بقلم عبير انطون

IMG-20180220-WA0007

على مدى يومين، استقطب <المعهد العالي للاعمال> في مركزه في كليمنصو في بيروت عددا من الاختصاصيين في مجالات التحف والآثار والاعمال الفنية القديمة والمعاصرة وفتحت الابواب على نقاش مهم للمختصين والمهتمين في كيفية تقييم الاعمال الفنية، وسبل التمييز بين الاعمال الاصلية وتلك المقلدة التي باتت تغرق بها الاسواق، وهي سوق سوداء يمكن ان <تخدع> المشتري كما وحتى الخبير نفسه ان لم يكن متمكنا من أدواته، كذلك فتح المجال مجانا امام الجمهور للاستفسار عن القيمة التي تحملها اي من مقتنياتهم الثمينة وتم شرح سبل هذا التقييم، وذلك باحضار القطعة او نسخة عنها.

 فكيف تقيم قطعة فنية معينة؟ على اية أسس يحدد ثمنها؟ كيف تعرف ان كانت اصلية ام مستنسخة؟ ما هي التحديات التي تقف امام الخبير اليوم واية تسهيلات قانونية وغيرها يجب ان تقدم له؟

<الافكار> واكبت الورشة القيمة التي استقطبت عددا من الاختصاصيين الفرنسيين بينهم <آرميل بارون> المختصة في اللوحات القديمة العائدة الى القرن السابع عشر (الفلمنكي والايطالي والهولندي)، <دانيال لوبورييه> الاختصاصي في علوم الآثار، <ديديه لارجولت> المختص في الفن الحديث والـ<آرت – ديكو> فضلاً عن <باسكال اوديل> الاختصاصي في الفن الحديث والمعاصر وهو المدير الفني لمعرض <بيروت آرت فير> الذي بات حدثاً سنوياً منتظراً في بيروت. …

الندوة ضرورية يقول <باسكال اوديل> المحضر لهذا النشاط بالتعاون مع <المركز الثقافي الفرنسي> ومع <المعهد الفرنسي العالي للاعمال> في بيروت وذلك لأكثر من سبب، فعضو غرفة الخبراء الوطنية المتخصصة في الفن والمقتنيات وعضو الاتحاد الأوروبي لخبراء الفن يختصر اهمية عقدها في بيروت كالآتي: تقديم دور الخبير ومشاركته في سوق الفن من خلال شهادات الخبرة، المبيعات، البيع عن طريق الاتفاق المتبادل أو من خلال بيوت مبيع المزادات العلنية، التأمين على القطع الفنية، كما الاضاءة على دور الخبير واطاره القضائي ومسؤوليته.

كذلك توسعت الندوة ايضا في مجال اعادة تأهيل القطع في مجالات مختلفة كالآثار واللوحات القديمة فضلاً عن المدارس الحديثة والمعاصرة او تلك التي تدخل في مجال الفرش والاثاث وتوعية المشتري او المشاهد للتحفة الفنية مهما كان نوعها وحثه على التأكد من <أصليتها> وعدم الوقوع في فخ نسخ مقلدة عنها.

<آرميل بارون> حددت من هو الخبير في مجال الفن وفندت وضعيته، <دانيال لوبورييه> المختص في الآثار تحدث عن العلم الذي يجمع بين الماضي والحداثة العلمية في يومنا هذا، الخبير <جان فرانسوا شابول> شرح عبر صور ووثائق كيفية التعرف الى قطع اثاث أصلية وقارنها بالادلة ايضا بأخرى مزورة، ولاقاه في ذلك ايضا الخبير <ديديه لارجولت> مفنداً <الهواء الكاذب> او النسخ المزورة في الأعمال او التحف الفنية والتاريخية ايضاً.

الخبير… الأمين

 اليوم ، ومع نشاط السوق الفنية في العالم وفي لبنان أيضا، يدور السؤال حول دور الخبير في هذه السوق والنقاط التي يرتكز عليها لاثبات صدقية القطع الاصلية من عدمها، فهل يمكن لـ<المعاين> او المشاهد غير المختص، وبالطرق التقليدية ان يتعرف الى القطع الاصلية ويميزها عن تلك الـ<مزورة>؟ وما هي السبل التي يجب ان يعرفها؟

 بداية، يجب على من يمتلك صفة خبير فني ان يمتلك خصائص عدة، فهو الامين على التراث الشخصي او الوطني او الدولي لتحف واعمال ذات قيمة عالية كما يمكن ان يسمى من قبل محاكم عدة للبت في نزاع معين في هذا المجال. والخبير غالبا ما يتحرى عن العمل الفني والعوامل التي يمكن ان تطرأ عليه. دوره بشكل أولي يكمن في معرفة وتأكيد <صدقة> القطعة من حيث انها أصلية فعلاً فيغوص لمعرفة اصلها، نوعها، التقنية التي استخدمت فيها، تاريخها، حال الحفاظ عليها، وطبعاً صانعها.

 ففي مجال الفن، وأكثر من أي مجال آخر، يلعب الزمن لعبته اذ تتوارث القطع من حقبة الى اخرى ومن جيل الى جيل ما يجعلنا ننسى اسم الفنان الذي أنجز العمل وبالتالي نجهل قيمته، فضرورة وجود الخبير هنا تكمن في العودة الى زمن صانع القطعة ومعرفة هويته وتمايزه. وهو، من خلال خبرته وتخصصه ومن خلال تجاربه في السوق الفنية، يعتبر الأكثر جدارة بالعودة عبر الزمن ونبش اسم الفنان او الحرفي الذي انجز العمل وبالتالي يمكنه التقييم بالشكل الموثوق، الصحيح والعادل…

من عمر الفن

IMG-20180220-WA0005

لم تمض حقبة تاريخية واحدة لم نشهد فيها <نسخا> او <تزويراً> للأعمال الفنية الأصلية بحيث يستفيد المزورون من خداع الأشخاص وجعلهم يصدقون ان ما يعرض امامهم نسخ أصلية، فيعرضونها ويبيعونها على انها كذلك، وهذا الأمر ليس بحديث العهد على الاطلاق انما يتزامن عمره مع عمر نشوء سوق الفن اي من لحظة وجودها.

 وهنا يبقى الخبير المرجع الأفضل نسبة لأبحاثه وموقعه لتحديد <موثوقية> العمل الفني، وهو يتمتع لإنجاز ذلك بوسائل بحث معمقة، كما يمكنه ان يستند الى <شبكة عارفين> وهو ما يعرف بـ<Reseau de Savants> وبالمقابل على الخبير الالتزام بالوسائل التي يمكنه ان يعتمدها في عملية تقييمه كما يفرض عليه التزامه بالنتائج. استقلاليته ونزاهته تأتيان في المقام الاول، وليتمكن من وضع شهادة يجب ان تكون مفصلة، مصحوبة بالصور الفوتوغرافية وبأدق التفاصيل الخاصة، كما وتتوافر لخبراء الفنون والترميم في أحيان كثيرة أجهزة أشعة فوق البنفسجية وكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء وأجهزة أشعة حتى تؤكد الشهادة على ان العمل اصلي، وبالتالي تقيّمه خاصة في مجال اللوحات كما في التحف او الوثائق او الاثاث او السيراميك او المخطوطات او الكتب او المجوهرات وغيرها، فشهادة الاصل وتقدير الثمن <Estimation de Prix> هما العاملان الاساسيان في اثبات ملكية تحفة ما وتقييمها، وهذه الشهادة ضرورية لاكثر من سبب بينها مثلا البيع، او وقوع حوادث أو كوارث (ما يثبت ملكيتها لاحقاً) وايضا لأجل التأمين عليها او توارثها او وهبها او الاستثمار فيها الخ…

كيف تعرف القطعة الاصلية من المزورة او المستنسخة؟

الدقة… والوقت الكافي

 يمكن لبعض عمليات تقييم القطع الفنية ان تتحول الى عمليات <تحقيق> فعلية وتتطلب وقتا كافيا لإنجازها قد لا يكون قصيرا. ومن أساسيات الخبرة في تقييم الاعمال ايضا احترام الخبير للاصول المعتمدة اذ لا يكون العمل الفني متاحا له بالشكل الحر تماماً يستطيع فيه ان يختبره على هواه وبأية وسائل، وتحكم عمله القواعد الاخلاقية للمهنة <Deontologie> وهي صارمة، فضلاً عن ان مميزات الخبير المحترف ان يكون على معرفة تامة بالسوق الفنية وتفاصيلها ووضعها.

هنا يطرح صاحب العمل الفني الاصلي او المريد لاقتنائه السؤال عن العوامل التي يجب على أساسها تحديد ثمن العمل الاصلي، فأية عوامل تحدد ذلك وما الذي يجب ان يراعى؟

 الخبير <ديديه لارجولت> الذي يؤكد على وجوب صدقية الخبير قبل اي شيء وتعلقه بالكمال في التفاصيل حتى يأتي حكمه صحيحاً، يحدد اربعة بنود يوضع بموجبها الثمن:

نوعية التحفة، سلامة وضعها، شهادة المنشأ وموقعها الحالي، ووضع السوق الفنية. و<لارجولت>، في بند سلامة وضعها، يورد عدة أمثلة يمكن من خلالها لغير المختص ان يتنبه لها، فاذا كنت امام قطعة اثاث تعود للقرن الثامن عشر مثلا، عليك اولا ان تنتبه الى اطارها العام <Le Bati>، ومن ثم الى تجميع قطعة الاثاث هذه <Le Montage>، كما يجب عليك ان تأخذ بالاعتبار الطريقة التي جرت فيها اعادة تأهيلها ان حصلت، وان تنتبه الى طريقة نشر الخشب <Sciage> وهي غالباً ما كانت يدوية في القرن الثامن عشر وغير ميكانيكية. كذلك انتبه للتواقيع، ولعمليات الطلاء بالبرونز وهو ما كان يستخدم على الواجهة بشكل خاص مع تمييز القطع التي جرى ادخال البرونز فيها عن طريق الزئبق، وهي طريقة عادت ومنعت رسميا بسبب الأضرار التي كانت تسببها للعمال فيها وصولا الى حد الموت. ومن بين التفاصيل التي يمكن الركون اليها ايضا الاقفال التي كانت لجوارير القرن الثامن عشر وكانت على شكل ورقة العريش مثلاً <Trefles>، وطريقة دمغ الماركة او توقيع الحرفي او الفنان، وهو عادة لا يكون بارزا جدا او في مكان واضح للعين في القطع الاصلية…  كذلك فان بعض قطع الاثاث والتحف في القصور المعروفة كانت تحمل دمغتها او شعارها كحرف الـ<C> مثلاً. كما ويطلب الخبير الفرنسي ممن يرغب اقتناء قطعة اثاث تاريخية ان يكون على بينة من الاصول والتأثيرات الفنية التي كانت رائجة في تلك الحقبة الخ، فمع عودة <نابليون> من مصر مثلا تأثر سوق الاثاث بذلك، كما تأثر احيانا بلفحات يونانية الخ…  وحذر الخبير من وجود بعض النسخ التي تكون شبه <كاملة> احيانا، وهذه النسخ شبه الكاملة يمكن ان تخدع الاشخاص او حتى المتاحف أيضا.

نذكر في هذا الصدد أنه قبل ثمانية اعوام تقريبا كشف النقاب عن اكبر فضيحة تزوير للأعمال الفنية في أشهر صالات بيع الأعمال الفنية في ألمانيا اذ بيعت إحدى اللوحات المزورة في المزاد بمبلغ 2,4 مليون يورو، وكان الحديث عن 5 أو 7 لوحات مشكوك في كونها مزورة، لكن العدد تصاعد ليصل إلى أكثر من 30 لوحة، وجميع هذه اللوحات تنتمي إلى مصدر واحد، وهي <مجموعة فيرنر يغير> التي يشكك في وجودها أصلاً.

 فــــالمشتري لـ<لوحــــة الخيــــول الحمــــراء> للرســـام <هــــينريش كامبندونك>، راوده بعض الشك حول أصل اللوحة فطلب فحصها، واثبت التحليل الكيميائي للألــــوان أنهــــا تحتـــوي علـــى عنصــــر لم يكن موجــــوداً في وقـــت رســـــم اللوحة آنذاك.

 النسخ شبه الكاملة يجب ألا تغفل عن الخبير المتأني ولا المستثمر في السوق الفنية، والمزورون لا زالوا يعملون فكلما تطورت السوق الفنية رافقها تطور في التزوير ايضا! وعلى الرغم من بروزها جد مؤخراً، لا تشكل التجارة الإلكترونية عرضاً مغرياً بالنسبة لجامعي الأعمال الفنية الخبراء والجديين، ولا تزال طريقة البيع التقليدية في المعارض والمزادات هي الوسيلة المفضلة في هذا المجال عندما يتعلق الأمر بالأعمال الفنية الحصرية والمرموقة.