22 September,2018

حي السلّم.. زوبعة في فنجان أم غــضـــــب وعـصــيــــــان؟

 

بقلم علي الحسيني

علي-عمار---a

حي السلم منطقة سكنية مكتظة فقيرة ومحرومة، يقطنها نحو ٢٠٠ ألف نسمة أكثريتهم من أبناء الطائفة الشيعية الآتين من أرياف البقاع والجنوب، مع وجود مواطنين سنة وافدين من أقاصي الجنوب الحدودي مثل (شبعا وكفرشوبا) إضافة الى مجموعة من النازحين السوريين الذين ازداد عددهم بشكل مُخيف مع بداية الحرب السورية.

ما جرى الاسبوع الماضي في الضاحية الجنوبية، وتحديداً في منطقة حي السلم، على خلفية إزالة القوى الأمنية لأكشاك تجارية غير شرعية وما رافقها من اعتراضات وصرخات للأهالي وإحراق دواليب وإغلاق طرق، بالإضافة إلى إطلاق شتائم بحق شخصيّات كانت حتى قبل أمس، يُمنع المساس بشخصها أو تناولها بسوء، وكانت حتّى تاريخه، تندرج ضمن <الخطوط الحمراء> من غير المسموح تجاوزها، لا يُمكن وضعه في إطار <فشّة الخلق> فقط خصوصاً أن الأمر تعلق بحزب له مكانته ووجوده بين أبناء طائفته، وبين جزء من جمهور كان له الفضل في كل ما وصل اليه اليوم حزب الله.

 

صرخات وجع تخرج من حي السلم

 في حي السلم، سقطت <المحظورات> و سقطت معها <الخطوط الحمراء>، بعدما كشف الأهالي عن أوجاع تحوّلت مع ساعات الفجر الأولى إلى <أنياب> كانت على استعداد لأن تنهش كل مسؤول يُمكن أن يظهر على الساحة بعدما اعتبر هؤلاء أن حزب الله قد أدخلهم مُرغمين في منظومة المخالفات ضمن نطاق سيطرته بعدما أقام حواجز جغرافية بينهم وبين دولتهم طمعاً في دعمه وتأييده وبالتالي استعدادهم لتقديم أرواحهم في سبيل <المقاومة>، مقابل لقمة عيشهم. هذا ما أظهرته مجموعات من المتمردين على قرارات البلديات التابعة للضاحية، او ما حاولت شاشات التلفزة إظهاره بحسب اعلام حزب الله. من باب التذكير وليس من باب نكأ الجراح، فإن أهالي الضاحية عموماً يستذكرون أن المرة الأخيرة التي تناول فيها مواطنون من الطائفة الشيعية حزب الله وقادته بالسوء وبعبارات قاسية، كانت خلال معارك الحزب مع حركة <أمل>.

وما جرى في حي السلم، جعل الاهالي يستعيدون بعضاً من ذلك التاريخ مع فارق وحيد هو أن المواجهة كانت بين مجموعات من الأهالي متضررة من قرار إزالة محلاتهم التجارية وحزب الله الذي كان لقادته الأساسيين ووزرائه ونوابه، نصيب وافر من الشتائم وصلت في العديد من جوانبها إلى حالة التبرؤ منه ومن الحروب التي يخوضها باسمهم، وخصوصاً الحرب في سوريا وما ينتج عنها برأيهم من قتلى وجرحى. وقد ظهر أن لبعض هؤلاء الأهالي أبناء وأقارب سقطوا أو جُرحوا في الحرب السورية. ومقابل الصرخات تلك، كانت قيادة الحزب استنفرت بكل طاقاتها لاحتواء تداعيات الأزمة التي تفاعلت مع ساعات الصباح الأولى وراحت تترقب إن على الأرض وبشكل مباشر، أو عبر شاشات التلفزة، كل شاردة وواردة تصدر عن <البيئة الحاضنة> ويتم احتسابها في أكثر من ميزان خشية من تعاظم الامور وانفلاشها بشكل يُصعب السيطرة عليه في حال تطوره.

 

المشهد المؤذي

من دون أدنى شك، ان مشهد حالة الهرج والمرج وحفلات السباب والشتائم، كانت إلى حد كبير مؤذية بدرجة كبيرة خصوصاً مع <شطحات> البعض في التعبير عن غضبهم. وبعيداً عن الإهانات الشخصية لهذا أو ذاك والتي هي مُستنكرة من كل الفئات، فقد نالت قيادة الحزب بشكل عام، وابلاً من الاتهامات وصلت في أحد جوانبها إلى اتهامها بسوق الشباب للموت في سوريا وتحذيرات للسيد حسن نصرالله من الفتنة، ليقول أحدهم <هذه هي الفتنة يا سيد بحد ذاتها> بعدما اتهم الحزب بالتواطؤ على البيئة الحاضنة على الرغم من كل الدماء التي قدمتها، والتي أظهرت في بعض جوانبها، بأن السكوت عنها لم يكن إلا في سبيل الحفاظ على الدكتور-حارث-سليمانلقمة العيش. لقمة العيش فقط.

لا يُمكن تحميل ما حصل أكثر مما يحتمل الوضع، لكن المؤكد أن الغضب الذي ظهر في الضاحية الاسبوع الماضي، لم يكن وليد لحظته، إنما جاء على خلفية الألم الذي يشعر به جزء من جمهور حزب الله. وقد جاءت قضية حي السلم لتضع الأصبع على الجرح عند بيئة لم تعد في الفترة الأخيرة تعرف مصيرها أو كيف ستكون عليه في الأيام القادمة، خصوصاً في ظل الوضع الاجتماعي المتردّي والمرافق أيضاً لحالات الموت التي تُلاحق الآباء والأبناء في سوريا. والملاحظ أيضاً وربما الأهم، أن إحدى وسائل الإعلام التابعة لـ حزب الله وهي صحيفة يومية، كانت قد حذّرت منذ فترة من <بركان غضب> قد ينفجر في أي لحظة داخل بيئة الحزب. يومئذٍ انبرى أحد وزراء حزب الله أمام مجلس الوزراء ليقول على الاعلام <يكفينا تنظيرات>.

 

هكذا قرأ إعلام حزب الله المشهد

حمّل إعلام حزب الله بعض وسائل الاعلام المحلية والخارجية، مسؤولية اللعب على الوتر <الاخلاقي> و<دق اسفين> بين الحزب وجمهوره ومحاولة استغلال أوجاع الناس واختراع انجازات على ظهر القوى الامنية وحزب الله، واتهم الكاتب والمحلل السياسي لقمان سليم بأنه جزء من هذه الحملة بعد قوله إن <العلاقة بين حزب الله وجمهوره قائمة على <مقايضة الدم بالخدمات>. واشار اعلام حزب الله الى أن قناة <المستقبل> لم تكن بطبيعة الحال بعيدة عن زميلتها قناة العربية في الخط السعودي. لافتاً إلى أن <المستقبل> أفردت مقدّمتها الإخبارية كاملة لتغطية إزالة المخالفات في حي السلم، والعنوان <حي السلم ينتفض بوجه حزب الله. أمّا الشعار الذي تبنّته القناة بحسب اعلام الحزب، فهو <زمن فدا إجرو للسيد انتهى>!

ويقول اعلام الحزب: <أمّا <المؤسسة اللبنانية للارسال> التي فتحت هواءها خلال ساعات النهار لايصال الأصوات المعترضة على تطبيق القانون فكانت الأقل تحريضاً واستغلالاً للحدث. ورأت في نشرتها المسائية أن <الفقر حطم كل الحواجز وتغلب على المذهبية والعقائدية والحزبية>، لكنّها التفتت الى صلب القضية، مشيرة الى أن <الحزب مدرك للحرب الناعمة التي ستخاض ضده من اليوم وحتى الانتخابات النيابية>. واستتبعت القناة تقريرها، بتقرير ثانٍ عرّف المشاهدين على حي السلم والبؤس الذي يعيشه أهله نتيجة غياب الدولة.

ويدخل اعلام حزب الله الى <قناة الجديد> ليُشير الى أنها كانت بدورها شريكة فعلية في اصطناع المشهد، من خلال فتح الهواء أكثر من مرة خلال النهار لـ<استنطاق> الغاضبين، وتكرار المراسل نعيم برجاوي لأزمة <حالة غضب عند الشعب> و<انتفاضة صغيرة>. الى أن رأت القناة بحسب الحزب في مقدّمة نشرتها المسائية أن الحيّ <أزال ولاءه عن الحزب والحركة>. في وقت عنون الموقع الالكتروني للمحطة بجملة جاء فيها <أحداث حي السلم تقسم جمهور حزب الله>.

أما نائب حزب الله علي عمار فقد أكد أن <لا تداعيات للكلام الانفعالي لأهالي منطقة حي السلم وتحديداً الشق المتعلق بأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، فشخصية السيد نصرالله مقدسة لدى جمهور المقاومة ولا نشكك بذلك إطلاقاً>. وقال عمار: <نتفهم هذه صرخة الغضب لكونها وليدة لحظة انفعالية من مواطنين تضررت أرزاقهم>. أضاف: <حزب الله لا يسلم من الانتقادات، فعندما كانت الدولة غائبة عن الضاحية الجنوبية كان يقال إنّ الحزب يمنع الدولة من دخول الضاحية، وعندما دخلت الدولة لتطبق القانون يقول البعض اليوم إنّ الحزب تخلى عن جمهوره>.

 

<الدولة والمواطنة>

الغضب-في-حي-السلم

أحداث حي السلم استدعت تأكيداً من لقاء <نداء الدولة والمواطنة> (معارضة شيعية) بأن ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت ليس مقبولاً بأي شكل من الأشكال، وهو حصل بتغطية من حزب الله وحركة <أمل>، وهما الطرفان اللذان يتحملان مسؤوليته في الدرجة الأولى، مشيراً إلى أن ثقافة تعميم المخالفات هي نتيجة إشعار حزب الله وحركة <أمل> كل مواطن شيعي وكل مقيم في الضاحية بأنه في منأى عن القانون تحت عنوان (كن مع حزب الله وافعل ما شئت)، والسبب الأساسي هو إيهام الناس بأن الشيعة مواطنون فوق القانون لمجرد أن من بينهم من يقاتل في سوريا، وحزب الله هو الذي أوهم الشيعة بأن الدولة ملك أيمانهم وأن القوانين وجدت للطوائف الأخرى.

الأمين: مشهد غير مسبوق

الكاتب والمحلل السياسي رئيس تحرير موقع <جنوبية> علي الأمين رأى أن مشهد حيّ السلم في الضاحية غير مسبوق في جرأته أو تجرئه على حزب الله والسيد نصر الله، مشهد من البيئة الحاضنة التي أظهرت ولا تزال بنوتها للأب أي السيد نصر الله، ولم يكن مضمون الاحتجاج والشتيمة، ليخرج أصحابه عن هذا العقد الضمني بين حزب الله والمكون الشيعي، الذي يقوم على تعزيز أبوة حزب الله للطائفة المدبر لمصالحها والمدافع عنها. وقال: <هذا النوع من العقود الذي رسخه حزب الله في البيئة الشيعية، وفي الضاحية الجنوبية على وجه الخصوص، لا يزال قائماً ومستمراً ويرسخه أن الوعي الشيعي العام في لبنان، يضع حزب الله بموقع الأب، منتقدو حزب الله في حي السلم، كانوا يخاطبون السيد حسن نصر الله بصفته الأب، ولكن الأب الذي يعتقدون أنّه خان أبناءه>.

أضاف: <السيدة التي كانت تتحدث بوجع في حي السلم عن حزب الله والضاحية والسيد نصر الله، كانت تضع اصبعها على الجرح، أي على إخلال حزب الله بأبوته <ما في بيت ما في جريح، قلت أنّك ستحمينا من الدولة، قدمنا لك التضحيات وسكتنا مقابل دور افترضته لنا… نحن بشهر صفر ان شاء الله البلا ينزل عليكم لأنكم البلا انتم جبتم وجع راس للضاحية.. ما تعدينا عحدا حطينا صورة السيد وميشال عون>. كانت السيدة تقول مخاطبة السيد نصرالله أو حزب الله، نحن نخرج من الدولة ونُخرج الدولة منا وخضعنا لقانون خاص أنت تضبطه ولكن مقابل أن تمارس دور الأب. كل ما طلبته منّا قدمناه لك في المقابل، قبلنا راضين أو مكرهين هذا النمط من العيش في الضاحية بأنّك أنت الأب وأنت من يقرر في شروط الحياة الأمنية والسياسية وغيرها… ولكنّك أخليت بالعهد… وما تقدم يمكن إدراجه في سياق قراءة الحدث من الداخل، أو مؤدى منطق الحدث الجواني في بيئة حزب الله من خلال العقد الضمني بين البيئة الشيعية وحزب الله.

وختم: من صور الاعتراضات على حزب الله في حي السلم وصولاً إلى الشتم غير المقبول، وما تلاه من اعتذارات بالصوت والصورة، صور متصلة ومتناغمة لا تكمل المشهد البائس إلا باستحضار نائب الضاحية علي عمار عبر شرحه العرفاني لتجليات عملية هبوطه مقبلاً حذاء الأب الأكبر السيد حسن نصر الله.

الصحافي-علي-الأمينسليمان: مسرحية تمثيل

تراجيدي كوميدي

المحلل السياسي والكاتب الدكتور حارث سليمان قال: <ماذا حدث في تونس، هل كان البو عزيزي شرارة <الربيع العربي>، سوى خارج عن القانون، صودرت عربة خضرته فحرق نفسه. من ينظر الى الحدث كمفاضلة بين فريقين، واحد كبير هو حزب الله الخارج عن الدولة وكل قوانينها وسيادتها، وآخر مخالف تعدى على املاك البلدية ويريد الاحتفاظ بمخالفته، لا يعي حجم المشكلة ولا أبعادها>.

والتقييم الموضوعي يجب ان لا ينطلق من شماتة بنصر الله بمعزل عن الموقف منه، ولا بغريزة تكره الشيعة بمجملهم، محبي نصرالله وشتاموه او التائبين بعد حين بحضرة سلاحه وماله، ثمة ازمة بنيوية داخل طائفة اساسية في لبنان، ازمة تتمظهر بمناسبات عديدة، تارة تعبر عن حاجتها الى الوحدة فتجعل من الحذاء باباً للملكوت، وطوراً تنفجر في وجه النواب في القرى والبلدات تحت باب مطالب انمائية أو في مناسبات اجتماعية كالافراح والاتراح، وثالثة تنفجر شتائم في وجه الثنائية كما جرى في حي السلم فتعري كل عيوب الحزب وموبقاته بلحظة واحدة، فشخصية السيد نصر الله مقدسة لدى جمهور المقاومة في حروب عبثية.

المأساة الكبرى ان صناع هذه الدراما اي الممثلين الاساسيين والكومبارس يعرفون انهم في مسرحية تمثيل تراجيدية كوميدية، تلعب بتوظيفات انية سياسية وليس فيها من القداسة الا بعض كلمات جوفاء، المأساة ان باقي القوى السياسية في لبنان والمرجعيات الطائفية الأخرى استساغت تصديق هذه المسرحية والتصرف كأنها حقيقة دائمة راسخة، تارة لعجزها وتارة لخوفها وثالثة بوهم اقتسام المغانم مع ثنائية طائفية شيعية تجعل بقية اللبنانيين يسبحون بحمد مرجعياتهم الاقل سوءاً من امراء الشيعة.