19 September,2018

حيازة حكـومــــة الحريـــري الـثـقـــة لا تعـنـــي بالضـــــرورة أن إقـــرار قانـــــون الانتخـابـــات سيـكـــون ”نزهـــــة“!

 

الحكومة----2لم يكن حدثاً مفاجئاً أن تنال حكومة الرئيس سعد الحريري ثقة مجلس النواب بعد مناقشات نيابية تناولت مواضيع عدة، إلاّ مضمون البيان وهو أمر بات مألوفاً في جلسات الثقة حيث يتبارى النواب في الحديث عن كل شيء ما عدا الأمر الذي التقوا من أجله. وغياب عنصر المفاجأة مرده الى سلسلة اعتبارات أبرزها أن الثقة العددية بالحكومة مضمونة <منا وفيها> لأن الكتل الممثلة تشكل مجتمعة أكثر من مئة صوت، وبالتالي لم يكن هناك أي خوف من عدم الحصول على الثقة. كذلك فإن مهمة الحكومة شبه محدودة في إجراءات الانتخابات النيابية، ما يعني أن التركيز سيكون على إمكانية إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية، وهذا ما أعفى النواب من النقاش المستفيض للوصول فوراً الى لبّ المشكلة التي لا حل لها في الأفق على رغم موجات التفاؤل التي تُبث من حين الى آخر من دون أن تكون مرتكزة على معطيات واضحة.

وترى مراجع سياسية معنية أن المناخ التوافقي الذي برز منذ تشكيل الحكومة في أقل من شهر على التكليف، وإعداد البيان الوزاري في غضون خمسة أيام، انسحب ايضاً على صيغة البيان الوزاري التي وإن شهدت جلسة مجلس الوزراء ما قبل إقرار البيان جدلاً كان نجمه وزراء القوات اللبنانية، إلا أنه بدا أن ثمة سقفاً من النقاش قد وضع سلفاً ما مكّن الوزراء من إقرار البيان والاكتفاء بتسجيل <اعتراض> وزراء <القوات> الذين انضم إليهم وزير الدولة لشؤون التخطيط ميشال فرعون ليكرس ما كان تردد قبيل تشكيل الحكومة عن توافق <مستقبلي – قواتي> قضى بتوزير فرعون واحتسابه من <الهوى القواتي> خصوصاً عندما تحتدم <المعركة> ويصبح الصوت الواحد ذات قيمة أساسية.

 

مزيج بين خطاب القسم وبيان حكومة سلام

وفي رأي المراجع السياسية نفسها أنه كان من البديهي أن تتم الموافقة على صيغة البيان الوزاري على النحو الذي تمت فيه، لاسيما وأنه أتى خالياً من المواضيع الخلافية الحادة وصيغ بأسلوب جمع ما بين نص خطاب القسم الذي القاه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم انتخابه وتسلمه سلطاته الدستورية، وبين الصيغة التي أعدّ بها البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام التي شُكّلت في ظرف سياسي دقيق كان مرّ بالبلاد آنذاك، مع الأخذ في الاعتبار العوامل الخارجية، الاقليمية والدولية التي عجّلت في تشكيل الحكومة عامذاك. والملفت – حسب المراجع نفسها – أن الحكومة التي أطلقت على بيانها الوزاري اسم بيان <استعادة الثقة>، ظلت في العموميات والعناوين العريضة لأن عمرها لا يتجاوز خمسة أشهر، وأي التزام يمكن أن تقدمه أمام مجلس النواب لا يمكن ضمان تنفيذه بعد إجراء الانتخابات النيابية واعتبار الحكومة بعد ذلك مستقيلة.

وإذا كان اعتراض وزراء <القوات> على الفقرة المتعلقة بـ<حق المواطنين اللبنانيين في المقاومة> ومطالبتهم بحصر هذا الحق بالدولة، قد اعطى جواً ديموقراطياً في جلسة مجلس الوزراء، فإن <استيعاب> هذا الاعتراض من قبل الرئيس الحريري ووزراء حزب الله وحركة <أمل> سهّل انتهاء جلسة مجلس الوزراء على خير. وفي هذا السياق تقول المراجع نفسها انه مع التسليم بأن سلاح المقاومة لم يعد سلاحاً لبنانياً بالمعنى الضيّق للكلمة إذ أصبح له حضوره خارج الأراضي اللبنانية في عدد من الدول المجاورة… كان إجماع أن الأولوية يُفترض أن تُعطى لقانون الانتخاب بالتوازي مع إقرار الموازنة وتوسعة شبكة الأمان الاجتماعية، لأن المشكلة تكمن في هذا القانون بالذات والذي يفترض أن تدور حوله حلقات طويلة من النقاش مع انتهاء جلسات الثقة وعطل الأعياد.

واللافت في البيان الوزاري – الذي سُرّبت صيغته شبه النهائية على بعض الإعلاميين قبل وصوله الى السرايا الكبير – التزام الحكومة بتفعيل أجهزة الرقابة المعطلة منذ ما قبل الشغور الرئاسي وملء الشواغر في الإدارات وتأمين مستلزمات الأجهزة العسكرية والأمنية ومكافحة الإرهاب. وقد تزامن هذا الالتزام مع توصيف للقانون الانتخابي الجديد على أنه يراعي قواعد العيش المشترك ويؤمن صحة التمثيل من دون أي إشارة الى صيغة النسبية أو المختلط أو أي توصيف آخر، ما دفع بالمراقبين الى القول بأن عدم تحديد طبيعة القانون الانتخابي يُبقي الأبواب مشرعة أمام احتمالات عدة، بما فيها احتمال عدم التوصل الى اتفاق حقيقي ما سيفرض إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين المعدّل في مؤتمر الدوحة. وتخشى المراجع المعنية أن تكون <القطبة المخفية> في عدم الالتزام بأي صيغة للقانون العتيد، ما يؤشر الى نقاشات طويلة سوف تشهدها الساحة السياسية اللبنانية لدى درس القانون الانتخابي.

مجلس-وزراء----1-1 

غاب <النأي بالنفس>…

وتوقفت المراجع نفسها عند تجاوز الحكومة في بيانها <الفخ> الذي ينصب عادة لها لدى اعداد البيان الوزاري لجهة تدخل حزب الله في الحرب السورية، وما يعني ذلك من التزامات تُحرج الفريق السياسي الذي يناهض تدخل حزب الله في الحرب السورية والمتمثل في الحكومة بشكل وازن. وقد أمكن تجاوز هذه المسألة من خلال <الاستعانة بصديق>، وهو كان في هذا الإطار البيان الوزاري لحكومة الرئيس تمام سلام الذي شدد في حينه (وكرر مجلس الوزراء الصيغة نفسها) على <ضرورة الابتعاد عن الصراعات الخارجية والالتزام باحترام ميثاق جامعة الدول العربية>. ويقول أحد الوزراء الذين اشتركوا في لجنة صوغ البيان الوزاري، أن حدة النقاش التي دارت حول هذا البند واعتراض وزراء <القوات> عليه، لم تصل الى الحد الذي كانت تحصل فيه مواجهات كثيرة في الحكومات الماضية، وهذا دليل إضافي الى أن اعتراض <القوات> على الفقرة أعلاه، لم يكن اعتراضاً جوهرياً بقدر ما كان لتسجيل موقف ينسجم مع خيارات <القوات> والتزاماتها السياسية الدائمة.

في أي حال، فإن نيل الحكومة الثقة في مجلس النواب لا يعني أن رحلتها مع قانون الانتخاب ستكون <نزهة>، لأن كل المؤشرات تدل على  أن النقاش حول القانون العتيد سيدخل الحكومة في مرحلة <شد حبال> لاسيما وأنها تضم ممثلين عن الكتل النيابية التي لم تلتق بعد على خيار واحد أو خيارين حول صيغة القانون، وليس في الأفق ما يؤشر الى إمكانية الوصول الى هذا التوافق في المدى المنظور، إلا إذا فرضت التطورات المتلاحقة الوصول الى مثل هذا الاتفاق كي لا تتأجل الانتخابات أو تجري على أساس القانون المعمول به حالياً. وفي تقدير مراجع معنية بالاتصالات الجارية لتسهيل <ولادة> القانون العتيد أن التوافق الذي برز خلال تشكيل الحكومة والذي انتج سرعة في إقرار البيان الوزاري، سيكون أمام امتحان جديد خلال مناقشة صيغة قانون الانتخابات، فإما تمر الصيغة بسلاسة وإما يتعرقل إقرارها، ما يتطلب دخولاً على الخط للإسراع في إنجاز القانون، كما حصل في الانتخابات الرئاسية التي لم تكن <صناعة وطنية> مئة بالمئة!