10 December,2018

حملــة ”استباقية“ على طلب عون ”تحديـد المسؤوليــات“ هدفها ”تسييس“ الملف لتعطيل نتائج الـتحـقـيـق سلفــاً!

عون-وداع-العسكريينعندما طلب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في رسالة الى اللبنانيين عشية عيد الأضحى المبارك وذكرى إعلان دولة لبنان الكبير، الى الجهات القضائية المختصة، التحقيق في الملابسات التي أدّت الى وقوع الاعتداء الارهابي على مواقع الجيش في عرسال في 2 آب/ أغسطس 2014، والذي رافقه خطف العسكريين اللبنانيين الذين وُجدوا مقتولين بعد تحرير الجرود قبل أسبوعين، لم يكن يدري أن طلبه هذا سيلقى اعتراض جهات سياسية كان يفترض أن تكون قد طالبت بالتحقيق منذ اليوم الأول لوقوع الاعتداء الارهابي وخطف العسكريين. لا بل أكثر من ذلك لم يكن الرئيس عون في وارد <تسييس> هذا التحقيق لأنه أراده تحقيقاً قضائياً وعسكرياً داخلياً، وليس تحقيقاً سياسياً يدرك رئيس الجمهورية قبل غيره انه لن يصل الى نتيجة عندما تدخل السياسة لتكون طرفاً في قضية أثارت علامات استفهام كثيرة ولا تزال. كذلك فإن رئيس الجمهورية، كما أعلن بنفسه أكثر من مرة، لم يشر في دعوته وما تلاها من مواقف في مناسبات مختلفة، الى أي جهة سياسية أو اي مرجعية عسكرية سابقة أو حالية، بل هو أراد أن يكون التحقيق أيضاً باباً لتقييم تجربة المؤسسة العسكرية لما حصل قبل ثلاث سنوات في ذلك اليوم المشؤوم الذي تلا احتفال لبنان بالأول من آب/ أغسطس، بعيد الجيش. وكل ما أراده الرئيس عون، كما أبلغ الذين زاروه وراجعوه واستوضحوه، أن يصار الى معرفة حقيقية ما حصل كي لا تبقى الامور غامضة كما هي عليه اليوم وقبل ثلاث سنوات بالتحديد، وذلك بهدف تحديد المسؤوليات الجرمية والمسلكية من جهة، وإراحة عائلات الشهداء العسكريين العشرة الذين عادوا الى أرض الوطن في نعوش بيضاء ملفوفة بالعلم اللبناني ومزينة بأوسمة التقدير والوفاء والتضحية…

إلا أنه بدا من خلال ردود الفعل السريعة، والمتسرعة أحياناً، على طرح الرئيس عون، ان ثمة من لا يريد لهذا التحقيق أن يبصر النور لأسباب بدأت تتوضح تدريجاً من خلال مواقف رسميين وسياسيين ركزت على <المحاسبة السياسية> وأغفلت ضرورة تحديد المسؤوليات العسكرية. وسعى هؤلاء الى حرف الطلب الرئاسي عن مساره الأصلي، أي إجراء تحقيق قضائي وعسكري، الى مسار سياسي أدخلوه في إطار <تصفية الحسابات> حيناً، و<الانتقام من المرحلة الماضية> أحياناً، وذلك بهدف قطع الطريق على أية محاولة جدية وشفافة للوصول الى أجوبة واضحة ترسم حقيقة ما حصل في 2 آب/ أغسطس 2014 حين خطف العسكريون واحتجزوا داخل بلدة عرسال، ثم نقلوا ليلاً وفي ظروف غامضة الى الجرود ومنها الى معاقل <داعش> و<جبهة النصرة>.

عون يستغرب

وفي هذا السياق، يبدي الرئيس عون أمام زواره استغرابه من  الأصوات التي ارتفعت دفاعاً عن الرئيس تمام سلام الذي رأس حكومة انتقالية وقع الاعتداء على العسكريين خلال ولايتها، وعن القائد السابق للجيش العماد جان قهوجي، في وقت لم يُشر الرئيس عون لا من قريب ولا من بعيد الى مسؤولية للرجلين في ما حصل، وخصوصاً الرئيس سلام بدليل ان التحقيق الذي طلبه رئيس الجمهورية هو تحقيق عسكري لا يمكن أن يخضع له رئيس حكومة سابق ونائب في مجلس النواب يتمتع بالحصانة النيابية التي لا يمكن نزعها بسهولة عنه. إضافة الى أن أية محاسبة سياسية لا يمكن أن تحصل قبل تحديد المسؤوليات المسلكية التي تتصل مباشرة بعمل العسكريين ضباطاً كانوا أو رتباء وأفراداً. وقد أثار ارتفاع هذه الاصوات، لاسيما من قبل الرئيس نبيه بري في مهرجان ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، ثم من قبل وزراء ونواب حاليين وسابقين، الريبة في النفوس ما جعل الشكوك تحوم حول الأسباب الحقيقية التي دفعت المعترضين على فتح التحقيق يسعون الى <تسييسه> حتى قبل أن يبدأ، وإلى محاولة تصويره وكأنه للنيل من موقع رئاسة الحكومة ورمزيته الطائفية والمذهبية. وترافق كل ذلك مع حملة <دفاع> عن الرئيس سلام الذي التزم في البداية عدم الدخول في جدال سياسي، إلا أنه أدخل نفسه في هذا الجدال عندما ردّ على ما جاء في كلمة الرئيس عون يوم تشييع العسكريين الشهداء في قيادة الجيش في اليرزة معلقاً على كلمة <الغموض> التي وصف فيها رئيس الجمهورية <مواقف المسؤولين> آنذاك، علماً أن الرئيس عون لم يحدد من هم هؤلاء <المسؤولين>، سياسيين أم عسكريين.

في أي حال، بدا من خلال المسار التصعيدي الذي رافق طلب رئيس الجمهورية فتح التحقيق، أن وراء الأكمة ما وراءه، على ما تقول مصادر سياسية متابعة، بدليل أن الحملة ضد التحقيق استمرت بأطر مختلفة مع تركيز على عدم مسؤولية الرئيس سلام والعماد قهوجي كرره أكثر من مرة الرئيس بري، في وقت كانت فيه مصادر رئاسة الجمهورية تتحدث فقط عن تحقيق قضائي وعسكري داخلي، وان الاتهام السياسي لم يرد في حسابات رئيس الجمهورية لأنه ليس في محله إذ لا استهدافات من خلال التحقيق ولا تسجيل نقاط بمرامي أحد، بل المستهدف هو المرتكب الذي تتوافر في عمله عناصر جرمية باعتبار أن التحقيق عندما يكون قضائياً فهو يأخذ في الاعتبار المسؤولية الجرمية فحسب.

 

عون-بري-الحريريمعالجة مثلثة الأضلاع

إلا أن المصادر السياسية نفسها تساءلت الى أين سيؤدي هذا الملف الخلافي الجديد خصوصاً إذا ما تشعب وأخذ طابعاً مذهبياً وطائفياً بدت ملامحه من خلال مواقف بعض السياسيين والمرجعيات الروحية الاسلامية السنية، وهل ستكون له انعكاسات داخل الحكومة الغارقة في التجاذبات السياسية الحادة التي وضعتها على قاب قوسين أو أدنى من السقوط مجدداً في مستنقع الخلافات الحادة التي تؤدي الى تعطيلها؟ المصادر نفسها تجيب بأن مقاربة هذا الملف الخلافي الجديد تحتاج الى معالجة مثلثة الأضلاع:

– الأول: التشديد على حياد التحقيق القضائي والعسكري الذي بدأ الأسبوع الماضي من خلال توقيف مدنيين تورطوا في حادثة خطف العسكريين، ومنهم علي الحجيري المعروف بـ<أبو عجينة> (من عرسال) الذي تحمّله المراجع العسكرية مسؤولية تسهيل خطف العسكريين وتسليمهم الى تنظيم <داعش> و<جبهة النصرة>، علماً أنه لم يكن في الإمكان الوصول الى <أبو عجينة> لولا لم يتم تحرير جرود عرسال من الوجود الإرهابي وبسط سلطة الجيش على كامل الجرود والمواقع التي احتلها الارهابيون، كما تتطلب شفافية التحقيق أيضاً، سماع إفادات العسكريين الذين كانوا قد حرروا سابقاً من أيدي <جبهة النصرة> لأنهم يملكون معلومات كاملة عن ظروف خطفهم مع رفاقهم الذين قُتلوا لاحقاً على أيدي إرهابيي <داعش>، وكذلك سماع الضباط والعسكريين الذين كانوا في أرض المعركة وفي المواقع المتقدمة، فضلاً عن الذين كانوا في موقع المسؤولية العملانية في تلك الفترة.

– الثاني: الإعلان تباعاً عن نتائج التحقيقات كلما اكتملت عناصرها ليكون الرأي العام والوسط السياسي ايضاً على بيّنة من مجريات التحقيق، كي لا تحصل <لفلفة> للجريمة من جهة، أو تحريف في الوقائع يأخذ التحقيق الى مسارات غير تلك التي انطلق من خلالها، وهي مسارات معرفة حقيقة ما حصل وتحديد المسؤوليات، كما وعد رئيس الجمهورية الذي طلب من وزير العدل سليم جريصاتي متابعة التحقيق حتى النهاية مع النيابة العامة التمييزية ومفوضية الحكومة لدى المحكمة العسكرية، إضافة الى المراجع المختصة في قيادة الجيش ومديرية المخابرات.

أما العنصر الثالث في المعالجة، فهو يقضي بتصحيح المسار السياسي الذي يواكب التحقيق وإبعاده عن خط المزايدات السياسية التي حاولت حرفه عن مساره الحقيقي. ويقتضي هذا الأمر سحب الملف من التداول السياسي المتعثر حيناً والمقصود أحياناً، والتركيز على التحقيق القضائي والعسكري بشفافية مطلقة، لاسيما وان مؤشرات أوحت وكأن <الثقل السياسي> الذي يمثله الرئيس نبيه بري والذين اعترضوا معه على طلب الرئيس عون التحقيق، يريد طي هذا الملف، باعتبار أن الظروف التي وقعت فيها احداث الجرود في العام 2014 لم تكن طبيعية والوضع السياسي لم يكن مستقيماً نتيجة الشغور الرئاسي آنذاك، فضلاً عن <الهجمة> الواسعة للتنظيمات الارهابية وفي مقدمها <داعش> الذي كان يحتل عامذاك مساحات واسعة من سوريا والعراق، قبل أن يبدأ العد العكسي لإنهائه وتصفية وجوده. ومثل هذه المعالجة تفرض بادئ ذي بدء إعادة الصفاء مجدداً الى العلاقات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب التي اضطربت مرة أخرى مع تزايد التعليقات والمواقف من هنا وهناك، والرسائل التي حملتها المواقف المعلنة مباشرة حيناً وعبر <التغريدات> على <تويتر> أحياناً. في وقت بدا فيه الرئيس سعد الحريري في موقع وسطي يحاول من خلاله التوفيق بين ضرورة فتح تحقيق لمعرفة ملابسات ما حصل والاستجابة لرغبة الرئيس عون، وبين حتمية عدم المساس بالرموز السياسية ولاسيما الرئيس السابق للحكومة تمام سلام الذي زاره الرئيس الحريري في دارتــــــه في المصيطبـــــة في خطـــــوة تضامنيـة لافتـــــــة.