9 April,2020

حملة جنبلاط لإسقاط العهد لا أفق لها راهناً لأن المكونات المسيحية ترفض و”الثنائية الشيعية“ لا تقبل!

  

لن يكون من السهل على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط قيادة <جبهة المعارضة لإسقاط العهد> التي بدأ يعمل من أجل قيامها، مستذكراً محطات من التاريخ السياسي اللبناني منذ الاستقلال. لكن <أبو تيمور> الذي يدرك هذه الحقيقة مستفيداً من تجارب الماضي ولاسيما مع الرئيس الأسبق العماد اميل لحود، يريد من خلال حملاته المستمرة على العهد ورئيسه، وعلى <التيار الوطني الحر> ورئيسه النائب جبران باسيل، ان يحضر الأجواء ويستنفر نوابه وأعضاء <اللقاء الديموقراطي> في انتظار الساعة المناسبة التي يعلن فيها بدء <الثورة> على العهد والمطالبة بتقصير الولاية الرئاسية وإجراء انتخابات رئاسية جديدة. قد تكون مطالبة المشاركين في <ثورة 17 تشرين> بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، قد دغدغت عواطف <البيك> فاعتبر انها فرصة للانتقال من الانتخابات النيابية الى الانتخابات الرئاسية، لكنه في المقابل يدرك ان هذا الأمر ليس سهلاً إذا ظلت المطالبة مقتصرة على فريق طائفي واحد ولم تشارك أصوات مسيحية فيه.

من هنا، تلقف جنبلاط موقف رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب السابق دوري شمعون الذي دعا الى تنحية رئيس الجمهورية <لأن عهده فاشل> واستذكر مشهدية دير القمر في العام 1952 يوم أسقطت <الجبهة الاشتراكية الوطنية> عهد الرئيس بشارة الخوري عبر تحالف وطني واسع كان أقطابه الكبار كميل شمعون وكمال جنبلاط وغسان تويني وبيار اده وأنور الخطيب وآخرين، لينطلق من هذه الذكرى الى جعلها مطابقة للواقع الراهن ويحاول من خلالها <تأليب> الرأي العام الدرزي أولاً ثم المسيحي ثانياً، مستفيداً أيضاً من الاشارات التي وردت في عظة راعي أبرشية بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر الذي قيل فيه <مطران الثورة>… ولعل الإشادة الجنبلاطية بالموقف الشمعوني خطوة اضافية تؤشر الى مسار سيتصاعد من قبل جنبلاط بطرق متعددة وهو الذي بدأ استنفار الحلفاء القدامى والجدد لاستمزاج آرائهم ومواقفهم. وفي هذا الإطار اندرجت زيارة النائب مروان حمادة الى معراب واللقاء الذي عقده مع رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع، والذي انتهى بـ<قصف> كلامي للنائب حمادة استهدف العهد و<التيار> على حد سواء.

 

مشهدية دير القمر!

وينقل زوار جنبلاط عنه قوله هذه الأيام بأن مشهدية دير القمر العام 1952 يمكن أن تتكرر إذا كان العمل من أجل تكرارها مدروساً بدقة ولا تحصل فيه <فاولات> تعيد الالتفاف المسيحي حول رئيس الجمهورية الذي سيبقى <صامداً> في قصر بعبدا حتى نهاية ولايته. وفي تقدير جنبلاط ــ وفق زواره ــ ان تكرار مشهدية دير القمر ممكنة إذا توافر التفاف وطني على تنحية الرئيس عون، وانه على استعداد لإجراء اتصالات في هذا الاتجاه مع <حلفاء وأصدقاء> لجس نبضهم واستطلاع توجهاتهم، فإذا ما وجد الأرض صالحة يمكن المضي في <زرعها> من خلال الحملات المنظمة والمدروسة. أما إذا لم تكن كذلك، فمن الأفضل عدم خوض هذه <المغامرة> وانتظار الظروف التي يعتقد انها سوف تسمح بإحداث <هزة> على المستوى الرئاسي لاسيما إذا ما استمرت حركة <المنتفضين> منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي واتسع نطاقها بالتزامن مع الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها البلاد. وعندما يقال لجنبلاط ان تحركه يشبه حملة <فل> التي نظمت ضد الرئيس اميل لحود ولم تحقق أي نتيجة، يقول جنبلاط ان تلك الحملة كانت في جانب منها حملة استعراضية لم يتوافر لها الدعم السياسي المطلوب، في حين ان الحملة ضد الرئيس عون يمكن تأمين مؤيدين لها في صفوف المسيحيين لاسيما <القوات اللبنانية> وحزب الكتائب، والمجموعات الصغيرة مثل فريق النائب السابق فارس سعيد وغيره من الذين لم يجدوا مواقع لهم الى جانب الرئيس عون ورئيس <التيار الوطني الحر> جبران باسيل، من نواب ووزراء سابقين أو رؤساء أحزاب صغيرة. غير ان جنبلاط لا يتناسى موقف البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير، عندما رفض بشدة إسقاط الرئيس لحود بالقوة واستنكر أي محاولة للتظاهر الى قصر بعبدا، لذلك يرى جنبلاط ان العمل لا بد أن يكون <شاقاً> مع بكركي لاقناعها بخطوة كهذه علماً انه يرى في انتقادات البطريرك مار بشارة بطرس الراعي <نواة> معارضة للعهد، يضاف إليه تأييده لـ<الحراك الشعبي> والمطالب التي رفعها. ويضيف جنبلاط ان ظروف عهد الرئيس لحود مختلفة عن ظروف عهد الرئيس عون لأن لبنان ــ حسب رأيه ــ يحتضر على المستويات كافة والمعركة لن تكون طائفية أو مذهبية أو من جبهة سياسية معينة، بل وطنية وعلى غرار <الجبهة الاشتراكية الوطنية> العام

1952.

ويميز جنبلاط بين <جبهة سياسية> مثل <الجبهة الاشتراكية الوطنية> وإحياء تجمع قوى <14 آذار> لأن مثل هذه الخطوة لن تعطي نتائجها لأن أحزاب <14 آذار> لم تعد موحدة وصار لكل حزب فيها <أجندته> وهذا ما يظهر بوضوح من خلال المواقف التي تعلن من حين الى آخر، ومن اللقاءات الثنائية التي تعقد، وآخرها اللقاءات بين مسؤولين في الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار <المستقبل> التي لم تصل الى مرحلة إعادة إحياء التحالف الذي كان بين الحزب والتيار بل اقتصرت على أمور تنظيمية وتنسيق في مسائل تخص المناطق التي يتشارك فيها أنصار الحزب والتيار منعاً لأي اشكال يمكن أن يحصل لسبب أو لآخر. ناهيك عن الزيارات المتقطعة التي يقوم بها مسؤولون في الحزب الاشتراكي الى معراب من حين الى آخر، ومن بينهم النائب نعمة طعمة منسق العلاقات الاشتراكية ــ القواتية. وفي هذا السياق لا تصل مشاهد اللقاءات المتفرقة الى حد التخيل بأن أبناء <14 آذار> عادوا ليجتمعوا ويتصالحوا مع قواعدهم، لأن مستوى التنسيق لم يعد كما كان في مرحلة <عزّ> فريق <14 آذار> بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

 

<14 آذار>… متفرقة!

من هنا فإن الأوساط السياسية المتابعة، تعتقد ان الاجتماعات الثنائية بين أفرقاء <14 آذار> سابقاً ستبقى محدودة الهدف والإطار بدليل ان نصاب جلسة الثقة بحكومة الرئيس حسان دياب ما كان ليكتمل لولا نواب <اللقاء الديموقراطي> الذين مهما اجتهدوا وقالوا بأنهم دخلوا قاعة المجلس بعد بدء الجلسة، لكن كل الأدلة الحسية تؤكد ان لولاهم لما كان اكتمل النصاب! وأدت هذه <المناورة> الى <نقزة> في صفوف <رفاق الدرب> في <المستقبل> و<القوات> ما استوجب <تغريدة> جنبلاطية من <كعب الدست> مع اتهامات بـ<الشعبوية> ومحاولة رمي الكرة في ملعب الحزب التقدمي الاشتراكي. صحيح ان الأمور اقتصرت على <تغريدات> من هنا وتعليقات من هناك، إلا ان الصحيح أيضاً ان ما حصل في جلسة الثقة بالحكومة يؤشر الى ان امكانية التلاقي على قرار واحد بين <المستقبل> والاشتراكي و<القوات> لا تزال بعيدة مع الأخذ بالاعتبار وجود محاولات جدية لإعادة القوة الى التلاحم الذي كان في مرحلة ماضية له مفاعيله على الساحة الداخلية اللبنانية وإن كان لم <يهز> الرئيس لحود عامذاك من قصر بعبدا الذي بقي فيه حتى آخر دقيقة من ولايته!

وتشير الأوساط السياسية الى <واقعية> جنبلاط في تحركه لأنه يدرك ان ثمة ارباكاً نتيجة اصطدام أي محاولة لتوحيد الصفوف وتحقيق <خرق> ما بواقع وجود حزب الله الذي يلعب دوراً أساسياً في السياسة اللبنانية الداخلية وفي ادارة الاستحقاقات الدستورية وغيرها، وبالتالي فإن خيار <المهادنة> الذي يدعو إليه جنبلاط ومعه الرئيس الحريري، ترك مفاعيل أولها عدم انقطاع العلاقات كلياً وإن كان التواصل يتم بصورة غير مباشرة. كذلك فإن جنبلاط لم يعد يقترب من الحزب، لا في تغريداته ولا في لقاءاته السياسية العلنية على الأقل. وبالتالي فإن أي تحرك سياسي لا يكون فيه حزب الله موجوداً، فإنه لن يتجاوز النقاش من دون الوصول الى خطوات عملية أقل أهمية من خطوة اسقاط رئيس الجمهورية والشروع بانتخابات رئاسية مبكرة. وتضيف الأوساط ان المناخ المسيحي ليس مع هذا التوجه على الاطلاق، لأن <القوات اللبنانية> تنادي باصلاحات وانتخابات نيابية مبكرة من دون ذكر الانتخابات الرئاسية على الاطلاق، وحزب الكتائب في هذا التوجه أيضاً على رغم <شراسة> المواقف التي تصدر عن رئيسه النائب سامي الجميّل الذي ذكّر بعض المحازبين بأن حزب الكتائب كان تاريخياً الى جانب رئاسة الجمهورية، وهو اليوم إذا كان بعيداً في السياسة، إلا انه لن يسلّم مطلقاً بأي دعوة الى اسقاط رئيس الجمهورية لأن هذه ثابتة لا مجال للتراجع عنها لأنها من أساس السياسة الكتائبية.

من هنا، فإن الأوساط السياسية المتابعة تدرك ان جنبلاط الذي يعتبر خبيراً محلفاً في السياسة المحلية ومدركاً لخصائصها، لن يخطو أي خطوة ناقصة في ما خص المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية ما لم تتوافر كل العوامل التي تضمن نجاحها، وهي غير متوافرة لدى المكوّن المسيحي، وغير واردة لدى <الثنائية الشيعية>…