18 September,2018

حملة تحريض فنية وثقافية في طرابلس بالغرافيتي والشعارات لطلاب المدينة واهلها!

 

بقلم عبير انطون

1

الولادة والطفولة في طرابلس جعلتهما مسكونين بهذه المدينة التي يحاولان تجميلها بعد الندوب التي عانتها على مدى صولات من التقاتل فيها. يعرفانها عن ظهر قلب، ازقتها اهلها وناسها، ويدمعان للصورة التي تروج عنها. نزيه ياسين ومحمد ابرش، الاول في التخطيط والثاني في التنفيذ، يريدان استعادة الوجه المشرق للمدينة حتى تكون حاراتها وواجهاتها بالالوان والشعارات البناءة بعيدا عن السوداوية او اي تطييف او تسييس.

 فمن كان سندهما في مبادرتهما المدنية الرائدة والى ماذا يرميان بعد؟ اية صورة شرحها نزيه عن مدينته التي يراد لها عن سابق تصور وتصميم ان تبقى نازفة اجتماعياً واقتصادياً، وما الهدف من ذلك؟

مع نزيه الذي من عنده انطلقت الشرارة كان حديث <الأفكار> قبل ان ننتقل الى جناحها المنفذ مع الشاب محمد ابرش.

 – أنا من باب التبانة حارة البرّانية، يعرفنا نزيه بنفسه. كنت تلميذاً في مدرسة الراهبات واشعر بانتماء كبير الى هذه المنطقة التي شكلت طفولتي. وبهدف حياة افضل لها كما لكل طرابلس التي عانت ما عانته بعد اربعين جولة من التقاتل في السنوات المنصرمة، قررت ان اقدم شيئا لها، ان اجعلها <حارة بالألوان>. لي اصحاب استشهدوا في الجولات العبثية في المدينة والذي لم يفقد حياته بات سجين هذه <الجزيرة> التي تبدو وكأنها في اندونيسيا للأسف. تعرفت الى الصديق محمد ابرش في العام 2014 لما عملنا سوياً على <فيديو كليب> حول الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو رسام غرافيتي مميّز. انطلقنا في عملية <تجميل> موادها الألوان ونشر الامل بالحياة والشعارات الايجابية البعيدة كل البعد عن السياسة من دون ضجة ولا <همروجة> وكانت نقطة الانطلاق احدى الروضات في التبانة، ولسنا محسوبين على اية جهة.

3ــ ماذا عن الدعم للمشروع الذي بوشر به منذ سنة ونصف السنة، من أمّنه؟

– انطون صحناوي يجيبنا نزيه. انا اعرفه سابقاً وعرضت عليه مبادرتي تحت عنوان <جمّل مدرستك وبيئتك> وذلك بهدف تجميل المدارس الرسمية فكان شرطه الوحيد حيازة الموافقة من قبل الجهات المختصة. تقدمت الى وزارة التربية، وكان مديرها العام الدكتور فادي يرق متفهما جدا، واعطانا الاذن الفوري، بعد ان اكدت له ان لا شعارات او رموز الى احزاب او جهات ستحضر في عملنا او تترجم عبره، انما سنكتب ونرمز الى كل ما يفيد الناس، الطلاب بشكل خاص من حيث حثهم على الثقافة والمعرفة والاهم التأكيد على حقهم بالعلم والجو صحي مع ضرورة تجميل بيئتهم.

وبعد تنهيدة يضيف نزيه:

– هل تتخيلون ان جدران المدارس كانت اوراق النعاوى تملؤها مثلاً؟

وعن تلقف مدراء المدارس واهالي الطلاب لعملهما الذي يبدو غريباً نوعاً ما في منطقة مماثلة يقول نزيه:

– لقد فرحوا بعملنا وأثنوا عليه. لم نكلفهم فلسا واستبدلنا ما هو بشع بطريقة حلوة محفّزة وايجابية محورها العلم اولاً، في مناطق محرومة من نوره لدى حيز كبير منها، واعدنا الرونق لبعض الاحياء.. لم تعد ابطال الشوارع <المخيفة> هي المثال والنموذج.

يفتخر نزيه بأن عدد الاعمال الفنية التجميلية وصل الى خمسين مدرسة حتى اليوم، فضلاً عن ثلاثة ادراج من منطقة وادي خالد وصولاً الى النفق من المنية وابو سمرا وباب الرمل الى عكار، اما الهدف الذي يسعى اليه فهو ان يغطي بنشاطه مع محمد ابرش كل المنطقة من <النفق الى النفق.. بإذن الله>. وحده الطقس الممطر والعاصف يحد من الاندفاع. عندئذٍ يعمل محمد على الجدران الداخلية في حين ان الطقس الصافي، حليفهما الاساسي، لا يثنيهما عن اي جهد.

2  

<كاسبر>…

 

وعن محمد ابرش، الشريك في المشروع ومنفذ المهمة ميدانياً، فإنه ايضا من منطقة باب التبانة، يقول نزيه:

– هو شاب أصغر مني سنا، بارع، تحمّس للمشروع واتخذت على عاتقي تأمين الدعم اللوجستي للرسم والانجاز الذي لا نبغي منه اي ربح. ومن خلال فنه، هدفت ايضا الى مساعدته وتطوير قدراته، فمن خلال ما يقوم به يعرف على نطاق أكبر ويطلب لأعمال مماثلة ويعتاش من عمله… ما كان عليه الا ان يبرز مواهبه، وهذا ما حدث. <جهات ثلاث محددة دون غيرها جعلت مشروعنا يبصر النور في عاصمة الشمال ويستمر من دون توقف> يقول نزيه مضيفاً:

– لا تعتقدوا مطلقا ان الدعم اتى من سياسيي المنطقة واغنيائها. كثيرون <بعتوا ورانا>، لكن ما من احد ساعد. الا اعرف انا اهل بيتي؟ لكن لا بد من تقديم الشكر لبلدية طرابلس، مدير عام وزارة التربية، وبالطبع لانطون صحناوي ماديا. هذه الجهات ساعدت من دون طرح استفهامات كثيرة بل عن اقتناع بجدوى ما نفعله. وما نفعله ليس باي حال للبروز والتباهي. أنا على منوال <كاسبر> الشبح اعمل واختفي. اريد ان اترك صورة جميلة عن منطقتي لابنتي ولأحفادي مستقبلاً.

وبإصرار يشرح نزيه عن هذه المنطقة اللبنانية التي يحفظها عن ظهر قلب قائلاً:

– مدينتي ليست فقيرة أبداً. لا تصدقوا ما يروّج. البعض يريد هذا الصيت ليحصل على المال والمساعدات. هكذا علموهم! اجيال تحكم وتتحكّم بالمدينة التي يراد لها بالتصور والتصميم ان تبقى هكذا. هناك 250 شخصاً استشهدوا وامهات ثكالى وأرامل فقدن سندهن… هل هذا من الفقر؟ طبعاً لا… هذا من قلة الأدب حتى لا اقول أكثر.

5ونسأل نزيه: لكن لطرابلس جمعيات كثيرة تعمل على التحسين والتمكين فيها والتقريب ما بين الاطراف التي كانت متصارعة بالامس…

– هذا لا يكفي شيئاً. يجب ان يتحرر الشبان والشابات من الشرنقة التي وضعوا فيها. بينهم من لم يخرج يوما من منطقته ومن بيئته. يجب محاربة عقلية القوقعة. العقل وحده هو الفقير وليس الجيبة وهذا ما نريد أن يعمل عليه. اذا اردنا لشباب المنطقة التغيير الحقيقي، فيجب تحفيزهم على الانطلاق خارجها والا يبقوا في الجو عينه. ماذا تقدم الجمعيات؟ فلتعمل هذه ايضا على تشجيعهم على التنفس خارج المكان الضيق الذي يقبعون فيه. لي تاريخ في تلك المنطقة واعرف شبانها واواكب أحاديثهم. لقد ولدت في زمن الحرب ومات لي اقرباء وانسباء وكانت البناية التي اقطنها الاولى التي تعرضت الى صاروخ تناول قلبها. وكان أن أتيح لي التعرف بطرابلس والتبانة ما قبل كل هذه الفترة، بهندستها الجميلة وابنيتها، وطاولات البليار وملاعب الفوتبول التي تعلم التركيز والصبر وتنمي الذكاء وروح الفريق. اين هذه اليوم؟ الطرابلسيون كما الشعب المصري، يتمتعون بحس الفكاهة العالي وبدل المسرحية يمكنهم تقديم ألف، اين المسارح في طرابلس؟ ليس فيها سوى مسرح واحد تابع للفنون. في التبانة كانت هناك سابقا اربعة دور سينما واحدة منها تعرض الافلام الجنسية.. كانت هناك اربعمئة قهوة، اين هذه كلها اليوم؟ لا تحسين فعليا للاسف في قلب المدينة ومن يريد ان يشاهد فيلما عليه ان يقصد منطقة آنفة حتى يتم له ذلك.

واستطرد نزيه قائلاً:

– ما من احد يمكنه ان يكذب علي في موضوع طرابلس وجوّها فأنا ابنها. هل تعرفون ان دخول <البالة> على لبنان ممنوع قانوناً في كل المناطق، الا انها منتشرة في طرابلس؟ يُبقون في المدينة التاريخية على كل ما يعطيها الصورة المراد ان تكون عنها، وهي صورة مقصودة وقد انخرط فيها للأسف بعض الاهالي بهدف الاستفادة منها. منذ يومين اعجبني شارع بجانبه مركز تجاري وفيه درج جميل رحت افكر كيف نجمّله فإذا بأحدهم يقول لي: <بدك تقطع برزقتنا؟> ويبدو انه يملك حيثية معينة في الحارة من حوله ويستفيدون من مساعدات تحت ستار <التعتير> الذي يقبعون فيه. مثل هذه المناطق يقصد وجودها للتسوّل على ظهرها، ومقصود ان يبقى حزام بؤسها مشدودا عليها كما في حي السريان مثلا في بيروت او كرم الزيتون او صبرا وغيرها وذلك حتى يخلق المستفيدون حيثياتهم ويستفيدوا.

لنزيه حلم ينشد تحقيقه: ان يمتد مشروعه التجميلي بالغرافيتي على مساحة لبنان كله. أما في المدى المنظور، فلديه خطة ينفذها مع جمعية نسائية طرابلسية وبالتنسيق مع البلدية لتزيين باحة سجن النساء <ربما يدخل اللون حياتهن ايضاً>. والى ما يقوم به فإن نزيه سعيد بانه اقام معرضا في 14 شباط/ فبراير الماضي للفنان التشكيلي السوري عبد اللطيف الجيمو بعنوان «المسقط» وفيه يتناول مساقط الخرائط في المدن السورية، من دون أن ينفصل عن وجع الحرب الدائرة منذ سبع سنوات ومعاناة أهل بلده…

 

محمد والرسالة

4 

محمد ابرش لم يدرس في معهد الفنون ولم يحمل الشهادات العالية فيه. موهبته في الرسم فطرية وكانت طرابلس الساحة الحاضنة لموهبته التي برزت بشكل جميل. عن استقبال اهل المدينة لفنه في الغرافيتي او الكاليغرافيتي اي الرسم بالخط العربي، يقول محمد مبتسماً:

– سابقاً كانت الناس تسمي هذا الفن في الرسم على الجدران والاماكن العامة <زعرنة>. اليوم تحسن المفهوم كثيراً. وحتى تحبه الناس يجب ان يصل اليها بالطريقة المناسبة والجيدة. وهذا ما حصل في طرابلس. تعلمت الرسم لوحدي، كنت <اخربش> على الاوراق ولطالما كنت اشعر بحرية وسعادة كبيرة في الرسم على الجدار، فهو مكان مفتوح وواسع. كنت اشعر بان لا حدود له وهو تحت اعين الجميع، فكل مار بالمنطقة سيراه بعكس المعارض التي تحبس اللوحات داخل جدرانها.

محمد، ابن الفيحاء سبق ورسم على واجهة بعض البنايات. ومع الرسم على جدران المدارس يختلف الهدف وتزيد المسؤولية: <توخينا ايصال رسالة التشجيع بالكلمات والرسومات والشعارات التي تنمي الحس الاجتماعي عند الطلاب للمحافظة على بيئتهم وتجميلها>.

يعمل محمد بفنه ويعتاش منه بشكل جيد، وهو لاجل تنفيذ البعض منه طلب الى دبي والسعودية وغيرهما، لكن لمدينته فإنه يرسم <For Free>، كذلك فإنه يرسم مجانا في الاماكن العامة بعكس الطلبات الخاصة.

الصعوبة في الرسم على البنايات العالية هي الاكبر يقول محمد. ولما نسأله ان قام بتأمين على حياته خاصة انه في الارتفاعات التي يبلغها مخاطر أكيدة يجيب: <علي ان اقوم بذلك.. المفروض ان اوفر مبلغاً لهذا الأمر. احياناً بيكون مقطوع قلبي>.

قليلة هي الايام التي لا يعمل فيها محمد شتاء: <طقس لبنان الجميل يناسب الغرافيتي تماما. وفي الصيف أضطر في اوقات كثيرة العمل خلال ساعات الليل بسبب شدة الحر>.

يبقى الاهم لنزيه كما لمحمد الا تذوب الرسالة التي لأجلها يعملان بكد: حب الحياة، الابتسام، التعلم، الصحة البيئية، وقف الهدر في الطاقة والمياه، كلها شعارات على جدران لكنهما يريدانها محفورة في اذهان الطلاب والناشئة علّ بعض احياء مدينتهم تكون افضل بكثير مستقبلاً من الصورة التي هي عليها اليوم.