19 April,2019

حملة بطيش على إجراءات سلامة والهندسات المالية ”توصيف لواقع“ مالي مأزوم... أم ”تصفية حسابات“؟!

في الوقت الذي يعاني فيه الوضع الاقتصادي في البلاد من تراجع لافت ينذر في حال استمراره بمضاعفات مقلقة لاسيما على الواقع المالي، أتت الحملة التي شنّها وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش على الإجراءات التي اعتمدها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمعالجة الوضع المالي لتلقي المزيد من المخاوف حيال الطريقة التي تعتمد في مقاربة الملف المالي الحساس الراهن، كما طرحت <ملاحظات> الوزير بطيش مسألة التضامن الوزاري على المحكّ بعد أقل من ثلاثة أشهر على تشكيل الحكومة. وكان يمكن أن تمر ملاحظات وزير الاقتصاد من دون أن تُحدث ضجة لاسيما وأن انتقادات المسؤولين لبعضهم البعض مسألة عادية في لبنان، لولا أن الوزير بطيش يعتبر من أقرب الوزراء الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وهو الذي سمّاه ليشغل حقيبة الاقتصاد والتجارة، وقد استبدله بالوزير رائد خوري الـــــذي حقـــــــق إنجـــــــازات لافتــــــــة في الوزارة لاسيما في موضوع مولدات الكهرباء حيث نجح في ضبط أصحابهــــا ووقـــــف الفلتان الـــــذي كـــان يعـــــاني منــــه هـــذا القطـــاع. وانطلاقــــاً مـــن هــــذه القرابـــــة بين الــــرئيس عــــون والوزير بطيش طُرح الكثير من علامات الاستفهام حول ما اذا كان كلام الوزير بطيش نابعاً من عندياته أو يعبّر فيه عن رأي رئيس الجمهورية، خصوصاً وأن بطيش كان مرشح الرئيس عون لمنصب حاكم مصرف لبنان إلا أن التأييد الواسع للحاكم سلامة أبقاه في منصبه لولاية جديدة.

أوساط القصر الرئاسي امتنعت عن التعليق على كلام الوزير بطيش وردود الفعل عليه، لاسيما السلبية منها وكان صمتها لافتاً ايضاً خصوصاً بعدما ربطت التعليقات بين علاقة وزير الاقتصاد برئيس الجمهورية ما يدعو الى الاعتقاد بأن الرئيس عون كان مؤيداً للاتهامات التي ساقها بطيش بحق الحاكم سلامة… إذا لم يكن هو من دفعه الى إطلاقها. كذلك لم يصدر أي تعليق رسمي عن <تكتل لبنان القوي> الذي ينتمي الوزير بطيش اليه ولا عن رئيسه وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل. إلا أن صدور مواقف متفرقة من نواب في التكتل أوحى وكأن حالة من الضياع سادت أكبر تكتل نيابي أفرزته الانتخابات في أيار/ مايو الماضي، ذلك أن بعض النواب رأوا في كلام وزير الاقتصاد توصيفاً لواقع مالي قائم، فيما اعتبره البعض الآخر، مثل رئيس لجنة المال والموازنة النيابية النائب ابراهيــــم كنعـــــان، رأيــــاً جديــــراً بالنقاش، لكنه لم يضعه في <خانة التكليف الرئاسي>، داعياً الى عدم التشنــــج في الملفـــــــات الماليــــــة والاقتصادية بل الى اعتماد حوار صريح توقع كنعان أن يدعو الرئيس عون اليه قريباً.

 

خلاف مزمن!

 

في المقابل ارتفعت أصوات تدافع عن الحاكم سلامة وما حققه من إنجازات على صعيد حماية العملة الوطنية في ظروف صعبة مرت بها البلاد، فضلاً عن الاجراءات التي اتخذها مصرف لبنان لحماية المصارف اللبنانية ومواجهة موجة العقوبات الاميركية، والثقة التي يمثلها سلامة على الصعيد الوطني لاسيما في ما خص حماية الليرة والمحافظة على استقرار سعر صرفها. ورأى رافضو الانتقادات الموجهة الى حاكم مصرف لبنان أن خلفياتها تعود للموقف الشخصي من بطيش حيال سلامة، وهو خلاف مزمن ينطلق من رغبة بطيش في أن يكون هو حاكم مصرف لبنان انطلاقاً من خلفيته المالية كمدير في أحد أهم المصارف اللبنانية وأكبرها، أي مصرف <فرنسبنك> والمؤسسات المالية المتفرعة عنه. وفي تقدير هؤلاء الرافضين الحملة على سلامة، أن الوزير بطيش ليس مسؤولاً عن الملف المالي في البلاد كي يتناوله على النحو الذي تحدث فيه من خلال وسائل الاعلام، خصوصاً أنه قادر على طرح هواجسه وملاحظاته على طاولة مجلس الوزراء وليس عبر المنصات الاعلامية لأن أي تشكيك علني بالواقع المالي يوسع إطار مخاوف اللبنانيين على الواقع المالي في البلاد، فضلاً عن أن الملف المالي يعالج حصرياً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير المال وحاكم مصرف لبنان، والاجتماعات تتوالى سواء كانت موسعة أو إفرادية، إضافة الى اللقاءات الدورية بين الرئيس عون والحاكم سلامة بمعدل لقاء كل ثلاثة أسابيع. وينقل أحد الوزراء عن الرئيس سعد الحريري استغرابه لما أثاره الوزير بطيش، خصوصاً أنه لم يسبق أن طلب طرحه في مجلس الوزراء، كما لم يطلب إضافة أية فكرة على الشق المالي من البيان الوزاري الذي تضمن أفكاراً مماثلة لتلك التي أثارها في المؤتمر الصحافي. إلا أن الوزير نفسه لم يشأ أن يضيف أكثر عما كانت عليه ردة فعل الرئيس الحريري لافتاً الى أن رئيس الحكومة يرغب في معالجة هذا الأمر بهدوء مع الرئيس عون وبعيداً عن الصخب الإعلامي لئلا يؤثر ذلك سلباً على الواقع المالي في البلاد ويقضي على ما تبقى من ثقة لدى اللبنانيين بحكومتهم ووزرائهم والمسؤولين عنهم!

إلا أن ثمة من دعا الى التوقف، ليس فقط عند مضمون ما قاله الوزير بطيش، بل التوقيت الذي اعتمده لإطلاق حملته والذي أتى وسط خلاف نشب حول تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة لاسيما في ما خص الإسمين الدرزي والأرمني، إضافة الى تعيينات أخرى مرتقبة في مجلس الإنماء والإعمار، ومرفأ بيروت، ومجلس إدارة <شركة طيران الشرق الأوسط> (الميدل ايست). ومنهم من اعتبر أن وراء الحملة على سلامة، صرف النظر عن الواقع المالي المتردي وتعثر تنفيذ الإجراءات لخفض الدين العام وعجز الموازنة، علماً أن 36 بالمئة من اجمالي ديون الدولة اللبنانية هي لمصرف لبنان ومعظمها بالليرة اللبنانية باستثناء 4 مليارات دولار بالعملة الصعبة، ويقرض المصرف المركزي الحكومة بفائدة 1 بالمئة. علماً أن الضغط على مصرف لبنان وحاكمه لن يحقق أية نتيجة عملية لأن نصوص قانون النقد والتسليف واضحة لجهة دور حاكم المصرف المركزي ومسؤولياته والصلاحيات الممنوحة له والتي تجعل لقراراته التأثير المباشر على الواقعين المالي والاقتصادي في البلاد.

في أي حال، تداعيات انتقادات الوزير بطيش لحاكم مصرف لبنان يمكن أن تتفاعل سلباً إذا لم يبادر رئيس الجمهورية الى تطويقها بجمع الوزير مع الحاكم الى جانب رئيس الحكومة ووزير المال لوضع أطر واضحة للسياسة المالية الواجب اعتمادها منعاً لبروز تناقضات حادة تترك أثرها على الحياة الاقتصادية اللبنانية، ذلك أن الرئيس عون وحده القادر على جمع التناقضات تحت سقف دوره الوطني الجامع وصولاً الى حد أدنى من الاتفاق لأن هذا أفضل من الاختلاف!