15 November,2019

حكومــــة ”الــــى العمــــل“ تهتــــز مجــدداً... لكنهــا لـن تقــع لأن مكوناتهــا تــدرك ان البديــل عنهــا هــو... الفـــراغ!

ما شهده لبنان في الأيام العشرة الماضية، بعد جريمة محلة قبرشمون في قضاء عاليه ومقتل اثنين من مرافقي وزير شؤون النازحين صالح الغريب، وضع الحياة السياسية مرة جديدة أمام امتحان صعب، وجمّد عمل المؤسسات الدستورية على نحو أعاد ذاكرة اللبنانيين الى أيام <الفراغ>، ومراحل <تصريف الأعمال>، وكأن الذين <ساهموا> في أحداث منطقة عاليه ذلك الأحد الدامي، حققوا في السياسة ما عجزوا عن تحقيقه بالعمل الأمني الذي قاموا به لمنع انتقال وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل من بلدة شملان الى بلدة كفرمتى، علماً ان المسافة بين البلدتين تحتاج ثماني دقائق لقطعها!

قد يكون الدخول في تفاصيل ما حصل من وقائع على الأرض كمن يدخل في تناقضات لا نهاية لها لأن كل فريق يدعي ان الحق معه و<يبرر> ما فعله، سواء ميدانياً من قطع طرق وإشعال إطارات واطلاق رصاص، أو اعلامياً من خلال الأبواق التي <فلتت> عازفة على الأوتار الطائفية حيناً، والحزبية أحياناً، والمذهبية في كل حين، إلا ان الثابت هو ان الوضع في لبنان عاد، وبسرعة، الى مرحلة يعتقد اللبنانيون انهم طووا صفحاتها السود، ليتبينوا ان التاريخ قد يعيد نفسه في أي لحظة ومعه مجموعة المآسي والذكريات القاسية، فكيف إذا حصل كل ذلك والبلاد تمر في أزمة اقتصادية صعبة تنتظر بفارغ الصبر إقرار الموازنة لتنتعش الآمال ــ ولو جزئياً ــ وليثق المجتمع الدولي بقدرة هذا البلد على النهوض من جديد بإرادة أبنائه هذه المرة، وبدعم مشروط من الدول الصديقة بعدما ابتعدت الدول الشقيقة مسافات طويلة عنه.

إلا ان أكثر ما أقلق اللبنانيين هو تعطيل المؤسسات الدستورية وفي طليعتها مؤسسة مجلس الوزراء الذي لم يتمكن من الاجتماع لغياب 11 عضواً من أصل 30، اجتمعوا عند الوزير باسيل في وزارة الخارجية موجهين رسالة الى الرئيس سعد الحريري والفريق المناهض خلاصتها إما أن يقر مجلس الوزراء إحالة جريمة قبرشمون وما تفرع عنها الى المجلس العدلي (وهو أعلى سلطة قضائية تصدر أحكامه مبرمة وغير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة لا الاستئناف ولا التمييز)، أو ان تتعطل الحكومة ومعها عجلة الدولة ويتبخر رهان اللبنانيين على صيف واعد يساعد على درء المخاطر الاقتصادية المحدقة به. وكانت ردة فعل الرئيس الحريري سريعة عندما قرر رفع الجلسة لعدم اكتمال النصاب من جهة، ولرغبة في الافساح في المجال أمام المعالجات الهادئة على أمل أن تؤدي الى نتائج أفضل من التقاتل الإعلامي من خلال المواقف الحادة التي ضاقت بها المواقع الاليكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

عقدة المجلس العدلي

وفيما لم يكتفِ الرئيس الحريري برفع الجلسة إذ عقد مؤتمراً صحافياً قال فيها الكثير مما تراكم في قلبه من <انزعاج> و<استياء> ورفض لوضع <الفيتوات>، وتهديد بالتعامل بالمثل، غادر البلاد في زيارة خاصة الى باريس امتدت ثلاثة أيام تاركاً باب التكهنات مفتوحاً على غاربه عما سيحصل في الآتي من الأيام نتيجة تصعيد الخطاب السياسي والممارسات التي أعادت الفرز بين المكونات السياسية اللبنانية على قاعدة وجود من يريد إحالة الجريمة الى المجلس العدلي (فريق النائب طلال ارسلان و<التيار الوطني الحر>) ومن لا يريد ذلك (فريق الرئيس الحريري وتيار <المستقبل> وحركة <أمل> و<القوات اللبنانية>). وهكذا، بين ليلة وضحاها عاد الشرخ من جديد بين المكونات السياسية وكاد كل ما حققته حكومة <الى العمل> من توافق وتضامن يتحطم بـ<غمضة عين>.

حجة المطالبين بإحالة جريمة قبرشمون على المجلس العدلي واضحة، فالذي حصل في نظرهم محاولة اغتيال تعرض لها وزير في الحكومة من مسلحين نصبوا كميناً لموكبه وهو في طريق العودة من بلدة شملان حيث كان الوزير باسيل ينتظر، الى بلدته كفرمتى، فقتل المسلحون <الغاضبون> المنتمين الى الحزب التقدمي الاشتراكي اثنين من مرافقي الوزير في الوقت الذي كان فيه موكبه يعبر في اتجاه بلدته كفرمتى… وفي نظر المطالبين ان هذه الجريمة التي استهدفت وزيراً في الحكومة نجا من الموت (أصيبت سيارته بـ18 رصاصة)، تنطبق عليها المعايير التي تعتمد لإحالة الجرائم على المجلس العدلي. أما الذين يرفضون التجاوب مع هذا الطلب، فيقولون إن ما حصل هو مجرد تعبير عن الاعتراض بدأ سلمياً وتطور بعد ذلك على النحو الذي حصل نتيجة <استفزاز> مرافقي الوزير الغريب لـ<الأهالي> الموجودين على الحاجز… فوقع المحظور. وبالتزامن مع تطور الخلاف في وجهات النظر <اندلعت> حروب الجيوش الاليكترونية ما زاد الأمور تعقيداً…

 

لا أكثرية داخل مجلس الوزراء!

حيال الاضطراب السياسي الذي خُشي أن يتطور الى اضطراب أمني حرك <سعاة الخير> قدراتهم على البحث عن مخارج، وفي مقدمة هؤلاء رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي استقطب الطرفان من جهة، وبذل من موقعه جهوداً كبيرة للتهدئة، خصوصاً انه سيكون <بيضة القبان> إذا ما طرحت في مجلس الوزراء مسألة الإحالة الى المجلس العدلي فتم التصويت عليها من دون مراعاة دقة المرحلة. ومرد هذا الاحراج أن فريق الوزير الغريب يجمع مع وزراء <تكتل لبنان القوي> وحزب الله، 14 وزيراً، وإذا ما طُلب الى ممثل <المردة> الانضمام الى المصوتين فيصبح العدد 15 وزيراً، والحاجة هنا الى النصف زائداً واحداً. وفي هذه الحالة سيحرج الرئيس بري إذا ما طلب منه حليفه في <الثنائية الشيعية> الوقوف الى جانب الوزير الغريب وحلفائه كي يرتفع عدد الوزراء عن النصف زائداً واحداً، وتحال الجريمة الى المجلس العدلي. إلا ان حصول هذا الأمر سيؤدي الى استقالة وزيري الحزب التقدمي الاشتراكي في الحكومة أكرم شهيب ووائل أبو فاعور، الأمر الذي سيدفع الرئيس الحريري الى الامتناع عن الدعوة لعقد جلسات مجلس الوزراء، مع رفض أكيد وواضح لفكرة تعيين وزيرين درزيين بدل المستقيلين، واستطراداً فإن الخطوة التالية ستكون تجميد جلسات مجلس الوزراء إذ ان الرئيس الحريري يرفض تغييب ممثلي الحزب التقدمي الاشتراكي عن جلسات مجلس الوزراء. وتخشى مصادر متابعة أن تتحول الأزمة إذ ذاك الى أزمة حكم يُعرف متى تبدأ، لكن لا أحد يعرف متى تنتهي وما ستكون عليها تداعياتها الدستورية والقانونية في ما تبقى من ولاية الرئيس العماد ميشال عون، أي نحو ثلاث سنوات وخمسة أشهر!

 

إلا ان المصادر المتابعة تساءلت هل ستصل البلاد مرة جديدة أمام فراغ من نوع آخر، فيكون لبنان قد جرّب واختبر كل أنواع الفراغات؟

 

لا تجاوز للتسوية!

يسارع وزير <سيادي> الى الاجابة بأن ما من مصلحة لأحد من الأطراف المشاركين في الحكومة تعطيل عملها أو تجاوز <التسوية السياسية> الصامدة على رغم الكثير من الهزات المتتالية ومن دون توقف، ذلك ان فريق رئيس الجمهورية يريد أن ينطلق العهد من جديد في ظل ما تبقى له، وأي <دعسة ناقصة> ستكون خطوة في المجهول. والمعطيات نفسها تنطبق على الرئيس الحريري وفريقه، لاسيما وانه سعى الى التهدئة و<عضّ> على جرحه مراراً منعاً لحصول أي تفجر واسع يأخذ طابعاً مذهبياً أو طائفياً، في وقت يفترض فيه أن تكون الأولوية للنهوض الاقتصادي في ظل أمن واستقرار واعدين. وما يقال عن الرئيس الحريري وفريقه يقال أيضاً عن الرئيس بري الذي أدرك خطورة ما يحصل من <مماحكات> سياسية، فأدار محركاته وسعى الى <التصبيح> على الرئيس عون، ثم خاض الرجلان حواراً طويلاً انتهى الى رسم خريطة طريق لتصحيح ما حصل. وفي الإطار نفسه يرى فريق <القوات اللبنانية> ومعه وزيري جنبلاط وبعض الوزراء المترددين ان لا مجال للمساس بالتسوية السياسية وان <اللعب> يجب أن يبقى تحت سقفها، فلماذا المخاطرة والتفرد على قاعدة <خالف تعرف>!

باختصار لا يرى المتابعون مجالاً لتصعيد يصل الى حد ادخال البلاد في الفراغ في ممارسة عمل المؤسسات الدستورية ولاسيما مجلس الوزراء الذي تقع على عاتقه مسؤولية اتخاذ القرار، وان كل ما يجري سيبقى تحت سقف <التسوية> الصامدة في وجه كل العواصف والأنواء السياسية، وان الحديث عن استقالة الوزيرين الاشتراكيين هو مجرد <رفع السقف> للتفاوض مع أوراق للمساومة وليس أكثر لأن الحزب التقدمي الاشتراكي يخشى من أن تستتبع إحالة الجريمة الى المجلس العدلي، خطوات تطاول الحزب إذا ما أدين مرتكبو الجريمة، على غرار ما حصل في جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل التي استذكرها الوزير وائل أبو فاعور خلال زيارته رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، في معرض تبرير رفض حزبه خيار المجلس العدلي.

حيال هذا الواقع السياسي المأزوم تتحدث المصادر المتابعة ان المثل القائل <اشتدي يا أزمة تنفرجي> يبدو الأقرب الى المنطق والواقع، وسيكون على <الترويكا> الرئاسية أن تجد الحل المقبول، فلا يموت الذئب ولا تُفنى الغنم!