14 November,2018

حكومة سلام وضعت نفسها أمام خيار بين اثنين لا ثالث لهما: العودة الى تطبيق الدستور.. أو تحوّلها الى «تصريف الأعمال »!

مجلس-وزراء<الهزّة> التي أصيبت بها حكومة الرئيس تمام سلام في الأسبوعين الماضيين نتيجة اختلاف الوزراء في ما بينهم على ملفي تفريغ أساتذة الجامعة اللبنانية وتعيين عمداء كلياتها، تركت تداعياتها ندوباً في الجسم الحكومي ولن يكون من السهل محوها في المدى القريب، لاسيما وأنها كشفت <عورة> أساسية في الآلية التي اتفق على اعتمادها في ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية وفق تفسير غير دستوري للمادة 62، وأداء غير مسبوق في توزيع الصلاحيات على الوزراء.. وقد أظهرت ردود الفعل السياسية التي برزت بعد قرار الرئيس سلام تعليق جلسات مجلس الوزراء (قبل أن تستأنف خجولة الأسبوع الماضي) ان ما تطلبه القيادات السياسية من الحكومة هو أن تكون فقط السقف الدستوري للبلاد في ظل الشغور في موقع الرئاسة الاولى من دون تمكينها من ممارسة صلاحيات السلطة الإجرائية على نحوٍ كامل لاعتبارات مختلفة. ولعل ما كشف هذا <الخيار> هو حالة عدم الاكتراث التي ظهرت جلية على الأطراف السياسيين حيال تعليق الجلسات الوزارية من جهة، وتعذر معالجة القضايا الأساسية في مجلس الوزراء، والقبول بعد ذلك بعودتها الى الانعقاد فقط من دون أن تكون قادرة على بت المواضيع الخلافية التي يتوقع أن ترجأ من جلسة الى أخرى.

هل الحل في استبعاد المواضيع الخلافية؟

وإذا كان الرئيس تمام سلام قرر استئناف جلسات مجلس الوزراء بعد اتفاق ضمني على استبعاد المواضيع الخلافية وبت كل ما يتم الاتفاق عليه وفقاً للآلية غير الدستورية التي اعتمدت في جلستين سابقتين، فقد بدا واضحاً ان رئيس الحكومة اقتنع بأن حكومته شلت نفسها بنفسها، وجعلته هو معطل الإرادة، فلا هو قادر على الاستقالة (وهو غير راغب بذلك أصلاً)، ولا هو قادر على إعادة الروح كاملة الى حكومته إلا في حالة واحدة وهي العودة عن اعتماد الآلية التي كانت السبب في تعطيل الحكومة، وذلك من خلال العودة الى الدستور لتطبيقه في كل ما يتعلق بالتصويت داخل مجلس الوزراء بدءاً من الاتفاق الجامع، وصولاً الى التصويت بغالبية الثلثين للمواضيع الـ14 المحددة في الدستور، أو التصويت بالغالبية المطلقة للمواضيع الأخرى التي تندرج خارج المواضيع الـ14.

إلا أن <تسريب> الرغبة السلامية بالعودة عن الآلية المقررة، سرعان ما أظهر وجود اعتراضات من عدد من الوزراء الذين تمسكوا بضرورة الاستمرار في تطبيقها لأنها أعطت لكل منهم حق <الفيتو> سواء من خلال إدراج البنود على جدول الأعمال، أو من خلال التصويت السلبي على أي موضوع يصل الى طاولة مجلس الوزراء بعد طول انتظار… وفي هذا السياق، قالت مصادر حكومية ان قبول الرئيس سلام بالآلية غير المسبوقة كان نتيجة رغبة صادقة لديه في عدم <كربجة> السلطة الإجرائية بالتوازي مع عدم رغبته في الحلول محل رئيس الجمهورية الغائب، فاختار <الحكم الجماعي> وشجعه في ذلك غياب الأصوات المعترضة من داخل طائفته (باستثناء موقف اعتراضي خجول عبّر عنه الرئيس نجيب ميقاتي) على التنازل عن صلاحياته الرئاسية، إضافة الى الاشادة المتواصلة بمواقفه التي ما انفك الرئيس نبيه بري يطلقها بالرئيس سلام وبصبره وصدقه في التعامل ورغبته في التخفيف من حدة التشنجات داخل المكونات السياسية اللبنانية التي تمثلت في غالبيتها العظمى في حكومته.

من هنا بدا أن <الخطر> على الحكومة لا يزال قائماً رغم الاصوات <المطمئنة> التي تصدح من حين الى آخر في العلن، لكنها تبيّت في الخفاء <حسابات> أخرى ظهرت ملامحها في عدد من المواقف التي أعلنها عفواً أو عن قصد عدد من الوزراء الذين يستسيغون إطلاق التصاريح صبحاً ومساء، وهو ما دفع بالرئيس سلام الى التحذير في إفطار دار الأيتام الاسلامية في <البيال> من أن الأوضاع العامة في البلاد تتراجع، الأمر الذي يترك انعكاسات سلبية على مصالح اللبنانيين وعلى المناخ الوطني العام. وقد بدا العجز واضحاً حين راح رئيس الحكومة يعدد الملفات التي تحتاج الى معالجة سريعة ويشكو من عدم القدرة على مواجهتها، في حين يفترض بالمسؤول أن يقدم الحلول لا أن يكتفي فقط بالشكوى وكأنه في صفوف المعارضة وليس في صفوف المسؤولين الذين يفترض أن يتصرفوا بحكم موقعهم المسؤول.

خياران لا ثالث لهما…

وتتحدث مصادر رسمية متابعة لمسار النقاش التعطيلي الذي ساد جلسات مجلس الوزراء مثل تعليقها عن أن حكومة الرئيس سلام باتت أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول الاتفاق على العودة عن الآلية التوافقية الجماعية التي اعتمدت لممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية من خلال التقيد بنصوص الدستور، لاسيما في ما خص خيارات التصويت مهما كانت  ردود فعل الوزراء على هذه العودة وذلك لضمان اعادة الحياة الدستورية الى عمل السلطة الاجرائية. أما الخيار الثاني فهو أن تصبح الحكومة في حالة تصريف أعمال فعلية ولو لم تكن حكومة مستقيلة، بمعنى أن تقر المسائل العادية التي لا خلاف جوهرياً حيالها والتي تبرز جلية في نوعية البنود المتوافق عليها والتي تطرح على جدول الأعمال، تاركة المواضيع الدقيقة الى وقت لاحق قد لا يحين. علماً أن المصادر نفسها ترى أن اعتماد الخيار الثاني سيعني القضاء على قدرة الحكومة في أن تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية الا في الحد الأدنى منها، وهو ما سبق أن طالبت به كتل نيابية بحجة غياب الرئيس. وفي قناعة هذه المصادر ان ذلك الخيار، في حال وجدت الحكومة نفسها أمامه، سيؤدي الى مزيد من التشرذم والضياع في عمل السلطة الاجرائية ويقرّبها من هاوية التعطيل كما هو الحال بالنسبة الى مجلس النواب الذي يبدو اليوم أسير مواقف  مرجعيات سياسية تجد صعوبة في التراجع عن السقف السلبي الذي وضعته في ما خص التعاطي مع السلطتين التشريعية والإجرائية على حدٍ سواء.

والى أن تقـــــرر الحكومــــة ورئيسهـــــــا أي مـــــن الخيـــــارين ســــتعتمد، فــــــإن الأداء الحكــــومي مـــــــــرجح أن يصبح أكــــــــثر فــــــأكثر…أداء الحــــــد الأدنــــــــى!