19 October,2018

حكومة سلام لا أحد يحسدها على وضعها، والسؤال: لماذا ألغت السعودية مكرمتها للبنان؟

 

بقلم جورج  بشير

Ministerial-Council-4 

لا أحد يحسد حكومة الرئيس تمام سلام بعد فضيحة النفايات والمستندات المزورة للترحيل التي لم يخضع أحد بشأنها للمساءلة والمحاسبة. وبعد الانتقاد الموجه الى موقف وزير الخارجية جبران باسيل من موضوع معارضته تضمين بيان اجتماع وزراء الخارجية العرب إدانة لحزب لبناني مشارك في الحكومة ومجلس النواب هو حزب الله، ومن ثم استقالة وزير العدل أشرف ريفي التي خطط الوزير كي تكون قلباً للطاولة على رؤوس الجميع، وبعد عجز هذه الحكومة عن صوغ مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية يحقق العدالة ويصحح تمثيل اللبنانيين في مجلس الأمة.

بالفعل، يحتاج تمام سلام رئيس هذه الحكومة الى طن من <الخرز الأزرق> ليقيه شر الإصابة (من عيون حاسدي جلوسه على الكرسي رقم 3 في السرايا) لأن هذا الجلوس طال في نظرهم، ورئيس الجمهورية عجز مجلس النواب عن انتخابه كما كان مبرمجاً بفعل التدخل الخارجي وسقوط معظم الكتل النيابية في خطيئة الارتهان للخارج. ويبقى السؤال المطروح: لمَ الأزمة مع السعودية؟ وهل انها الأزمة الأساس لعجز الحكومة؟

لم يكن وزير خارجية لبنان جبران باسيل ينتظر أن يطلب إليه وزير الدفاع الفرنسي موعداً مستعجلاً لمقابلته في فندقه في ميونيخ، حيث كان باسيل ينزل مع رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام والوفد الرسمي اللبناني الذي ذهب الى ميونيخ عاصمة ولاية <بافاريا> الألمانية للمشاركة في <المؤتمر الدولي> الأخير الذي انعقد فيها للبحث في أمن الشرق الأوسط والحل الديبلوماسي الآمن في سوريا، لأنه لم يكن في أجندة الوزير اللبناني وهو رئيس الديبلوماسية اللبنانية ما يناقشه مع وزير الدفاع الفرنسي، كون العلاقة اللبنانية – الفرنسية ممتازة، وعلاقة الوزير باسيل مع نظيره وزير الخارجية الفرنسي <لوران فابيوس> جيدة جداً.

لكن مفاجأة الوزير اللبناني كانت مضاعفة، فالمفاجأة كانت في طلب الموعد، والمفاجأة نفسها تجددت في طلب الوزير الفرنسي تأجيل هذا الموعد من دون إيضاح الأسباب. وإذا كان الوزير الفرنسي لم يوضح هذه الأسباب، ولا أحد من الجانب الفرنسي فعل ذلك، فإن المعلومات التي وصلت الى الوزير اللبناني للخارجية بأن اللقاء المطلوب كان مع وفد فرنسي رفيع يمثل شركة <ايرباص> الفرنسية العالمية المعروفة وهي تصنع معدات عسكرية تقنية، كانت كافية ليُعرف السبب. فالجانب الفرنسي تعهد طيلة سنتين ونيّف من المراجعات والاتصالات التي جرت معه بتأمين المعدات العسكرية والتقنية المنوي تصنيعها في فرنسا وسواها لحساب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بتمويل سعودي من الهبة – المكرمة التي اعلن عنها الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان في رسالة وجهها الى اللبنانيين موجهاً الشكر العلني للمملكة العربية السعودية بالاسم، للهبة التي قدّمها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الى لبنان بقيمة أربعة مليارات دولار، ثلاثة منها لتسليح الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ومليار دولار أعلن عنها الرئيس سعد الحريري مؤكداً بالصوت والصورة يومئذٍ أي  قبل سنتين ونيف أنه تسلمها لإنفاقها مساعدات للبنان.. وأنهى الرئيس سليمان خطابه الى الأمة حينذاك بالعبارة الآتية <تعيش المملكة العربية السعودية>…

طبعاً ما ورد على لسان الرئيس اللبناني يومئذٍ أثلج صدور جميع اللبنانيين كونه أكد شعور الأخوة والمحبة الحقيقية من المملكة للبنان الذي ليس بإمكان جيشه وقواه الأمنية مواجهة الإرهاب، ولا ردع اسرائيل عن عدوانها المتواصل على السيادة الوطنية براً وبحراً وخاصة جواً، كون الطائرات الحربية الاسرائيلية تنتهك يومياً وليلاً نهاراً السيادة اللبنانية والمجال الجوي اللبناني، ولا طاقة للبنان أن يردعها أو يوقف هذا العدوان لأنه يفتقر الى الغطاء الجوي والى أسلحة الردع والاستكشاف والاستطلاع الحديثة. ولذلك، كانت مكرمة الملك عبد الله التي قابلها اللبنانيون على اختلاف طوائفهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية، بالترحيب الحارّ والشكر الجزيل، لأن علاقات لبنان والمملكة ليست بنت ساعتها بل هي علاقة تاريخية صاغها المسؤولون الكبار في البلدين في المجالين الإقليمي والدولي، منذ تأسيس جامعة الدول العربية ووضع ميثاقها المشترك، الى ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، الى الميثاق الوطني اللبناني الذي كرّس صيغة العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين في الدولة اللبنانية في هذا الشرق العربي.

 

سمسرة و<قومسيون>!

على هامش اجتماعات ميونيخ وما قبلها وما بعدها، وحتى قبل ستة أشهر من موعد الإعلان عن وقف العمل بالهبة أو المكرمة السعودية (المليارات الثلاثة)، كانت اتفاقات رسمية جرى التوقيع عليها في باريس وفي الرياض بين الجانبين الفرنسي والسعودي من جهة، وبعلم وبمشاركة الجانب اللبناني، في شأن المعدات المطلوب أن يتزوّد بها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي مع تحديد أنواع وعيارات وقوة هذه المعدات وأسعارها وشروط التصنيع والتسليم وطرق تسديد أثمانها، والى درجة أنه تمّ وضع بنود إبطال وتوجبة معينة باتفاق الطرفين الفرنسي والسعودي وبعلم الطرف اللبناني على المعدات العسكرية الرادعة لإبطال مفعولها فيما لو وقع أي منها في يد جهة ما غير شرعية في لبنان (حزب الله بالتحديد)، وهذا الشرط حرص على تنفيذه وإبرامه المفاوض الفرنسي. وفي كل مرة كان لبنان يستعجل تسليمه المعدات المطلوبة، كان الجانب الفرنسي يماطل مدعياً بأن أجهزة ومعدات من هذا النوع يلزمها وقت كافٍ للتصنيع والإنجاز والجهوزية.. وفضلاً عن ذلك، فإن الجانب الفرنسي حسب المصادر المطلعة، كان يسند التأخير الى أن الاتفاقات الرسمية جرى توقيعها فعلاً بين الجانبين، لكن الرياض لم تسدّد بعد أي قسط من الثمن المطلوب المتفق عليه، مع العلم بأن معلومات امتلكها الجانب اللبناني غير الرسمي من مصادر فرنسية مطلعة جداً أفادته بأن عمولات مالية تمّ تسديدها الى أشخاص لبنانيين وغير لبنانيين عبر المؤسسة الفرنسية المعنية بهذا الموضوع، كون العمولات على صفقات سلاح قانونية ومشروعة في فرنسا ومسموحاً به.

وفيما الروايات في شأن مبالغ هذه العمولات تراوحت ما بين 35 و45 مليون دولار كدفعات أولى لدى توقيع العقود، والباقي عند الإنجاز وتسلّم البضاعة… فإن لبنان وجيشه وشعبه كانوا ولا زالوا يمنّون النفس بإنجاز الصفقة وتزويد الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بالمعدات والتجهيزات العسكرية الموعودة طيلة السنتين المنصرمتين، لأنهم كانوا ولا زالوا يدركون بأن كلمة المملكة كلمة واحدة لا تتغير أو تتبدّل، وعلاقتها مع لبنان صلبة لا تُؤثر فيها أية أزمات، الى أن حصل ما حصل في المنطقة الشرقية بالسعودية وإعدام أحد أئمة الطائفة الشيعية الكريمة، وقامت حملة احتجاجات واسعة ليس في لبنان فحسب بل في جميع أنحاء العالم، واعتدى متظاهرون على مقر السفارة السعودية في طهران.

 

الموقف العربي واللبناني

الموقف العربي كان واضحاً بالنسبة للتأييد المطلوب للسعودية، وإدانة وشجب العمل العدائي الذي تعرّضت له بعثتها الديبلوماسية في طهران ومشهد، والإدانة العلنية لحكومة طهران بالنسبة لموقفها من إعدام الإمام السعودي الشيعي، بما يوحي تأييداً لإجراء الإعدام المنفذ ضد الإمام..

الموقف اللبناني كان متمايزاً عن الموقف العربي المشار إليه، وإن هو كان مشاركاً في اجتماعات وزراء الخارجية ووزراء خارجية الدول الإسلامية سواء في القاهرة أم في الرياض، إذ ان لبنان اكتفى بإدانة التعرّض لمقر السفارة السعودية في طهران ومشهد، وأحداث العنف التي جرت ضد السعودية والمواطنين السعوديين في اي مكان آخر. لكنه – لبنان – اكتفى باتخاذ موقف النأي بالنفس المتوافق عليه في مجلس الوزراء وفي البيان الوزاري من الخلافات الإقليمية والعربية، وهو أي وزير الخارجية لم يوجّه الإدانة لحكومة إيران لمواقفها المناهضة للمملكة العربية السعودية، لأن هذا من وجهة نظره موقف حساس ومناهض لسياسة النأي بالنفس المتوافق عليها على الصعيدين الحكومي والوطني، ويقع ضمن دائرة الصراعات الإقليمية والعربية التي لا مصلحة للبنان في الدخول طرفاً فيها.

القرار السعودي الأخير بوقف أو إلغاء المكرمة السعودية (ثلاثة مليارات دولار) يعتبر وزير الخارجية وأوساط سياسية لبنانية أنه قرار تأثر بصورة مباشرة بمناخات ومواقف سياسية لأطراف داخلية لبنانية دأبت على التلويح به منذ ستة أشهر، فضلاً عن أن الهبة المالية المعلن عنها لم تُنفّذ ولا بأي جزء أو مجال منذ إعلانها وبقيت حبراً على ورق. والجهات السياسية اللبنانية التي تعتبر نفسها مستفيدة سياسياً من هذا الإلغاء، ما زالت تواصل حملة التحريض السياسي والإعلامي على لبنان، ولأسباب سياسية لبنانية داخلية معروفة، وكان في هذا الموقف <نكاية بحزب الله> الممثل في الحكم والحكومة ومجلس النواب.. فيما المتضرر الوحيد مما جرى ولا يزال يجري على هذا الصعيد هو لبنان وأمنه وقدراته الأمنية وقواه الأمنية الداخلية.

وأما السؤال المطروح اليوم في جميع الأوساط فهو: ماذا حقق الإرهابيون واسرائيل من فوائد نتيجة حرمان جيش لبنان وقواه الأمنية القدرة الدفاعية، أقله قدرة الدفاع عن النفس؟! مع أنه ليس في وارد السياسة السعودية وليس في وارد المسؤولين السعوديين يوماً إلحاق الأذى بلبنان والإسهام في الإبقاء عليه ضعيفاً غير قادر على ردع العدوان الإرهابي والاسرائيلي بحرمانه السلاح المطلوب.

أما السؤال الأهم في هذا المجال، فهو المتعلق بالجهات التي استفادت من عقود السلاح عبر العمولات التي يجري الحديث عنها، فضلاً عن مصير المليار دولار التي أعلن الرئيس الحريري بالفم الملآن أنه تسلّمها للبنان من خادم الحرمين الشريفين… وهل مسموح أن يقبل لبنان هبة مماثلة من ايران مثلاً؟!

<القضية ليست رمانة، بل قلوب مليانة> محلياً وإقليمياً ودولياً، ولبنان من الضحايا.