25 May,2019

”حكومة الى العمل“  أمام الامتحان في مواجهة التحديات والمشاكل المتراكمة!

بقلم طوني بشارة

بعد تحججات واعتراضات دامت ما يقارب التسعة أشهر ولدت الحكومة الحالية ونالت ثقة المجلس النيابي بأغلبية 110 نواب في مقابل 6 نواب حجبوا الثقة من أصل 116 نائبا حضروا الجلسة، والتصويت على الثقة حصل بعدما أنهى مجلس النواب جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة والتي استمرت على مدى ثلاثة أيام، حيث نالت الحكومة الثقة واصبحت ملزمة بخوض ما يمكن تسميته مرحلة محاولة إقلاع، ونقصد هنا اقلاع عجلة الحكومة تجاه الإقتصاد، من أجل استعادة ولو جزء بسيط من ثقة الناس التي للأسف قد تبددت على مدى السنوات الماضية.

 نالت الحكومة ثقة النواب ولكن ثقة الشعب من الصعب إكتسابها بسرعة، وذلك بعد أن وصل عجز الموازنة الى أكثر من 6 مليارات دولار، وهذا الرقم مُرشّح بقوّة إلى الإرتفاع إلى أكثر من 7 مليارات دولار أميركي في العام 2019 نتيجة الإستمرار في الإنفاق وضعف النمو، وإذا كان على الحكومة، بعد نيلها الثقة، أن تُنفّذ بنود البيان الوزاري، إلا أنّ التداعيات المالية الإيجابية لهذه البنود لن تكون سريعة، فهل فترة المئة يوم ستكون كافية؟ علما أن بعض الوزراء تعهدوا بتقديم استقالتهم بعد 100 يوم في حال لم يتمكنوا من معالجة المشاكل المحيطة بوزاراتهم، وبالتالي هل ستنجح الحكومة الجديدة في الإلتزام بالعناوين الكبيرة التي تضمنها البيان الوزاري؟ وخاصة البنود المتعلقة بالإصلاح، وتنفيذ البرنامج الإقتصادي، وكبح مزاريب الهدر، وترشيد الإنفاق، وتفعيل الجباية الضريبية وتطوير البنى التحتية وغيرها من النقاط الأخرى؟ وماذا عن موازنة العام 2019 هل ستنجز كما انجزت موازنة 2018؟ وهل ستستثمر أموال <سيدر> في مكانها الصحيح؟ وماذا عن دور مصرف لبنان؟

 أسئلة كثيرة تلقتها <الافكار> من قبل المواطنين، خاصة وأن وزراء هذه الحكومة هم تابعون وكما هو معروف لتيارات وأحزاب وشخصيات سبقت وتمثلت بحكومات سابقة، وللأسف فشلت هذه الطبقة وبكل جدارة في تحقيق أية إنجازات تذكر في السنوات الماضية.

 وللإجابة عن هذه التساؤلات نقلت <الافكار> آراء البروفيسور جاسم عجاقة والدكتور ايلي يشوعي.

 

عجاقة والتوقعات غير المشجعة في 2019!

عجاقة أطلعنا أنه وبعد نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي، لم يعد أمامها إلا تنفيذ ما ورد في البيان الوزاري من إصلاحات ومشاريع، وهنا تظهر مشكلة رئيسية وهي عجز الموازنة، الذي تخطّى العام 2018، بحسب تقديراتنا 6 مليارات دولار أميركي، وبالتالي ونتيجة الـ<Momentum> في الإنفاق العام، ضعف النمو، والتأخّر في إقرار موازنة العام 2019، من المتُوقّع أن يرتفع العجز في العام 2019 إلى أكثر من 7 مليارات دولار أميركي كما تُشير النماذج الحسابية.

وتابع عجاقة قائلا:

– توقّعاتنا للنمو الإقتصادي في العام 2019 ستكون بحدود 1.65 بالمئة، أي أنّ الناتج المحلّي الإجمالي الإسمي سيكون بحدود الـ 62 مليار دولار أميركي، وهذا النموّ سيأتي كنتيجة لتشكيل الحكومة فقط، نظراً إلى أنّ الإستثمارات التي ستقوم بها الحكومة اللبنانية بحاجة إلى أكثر من عام لدفع المفعول الإيجابي المنشود على المالية العامّة.

واستطرد قائلاً:

– إذاً، وبفرضية أن لا عقبات سياسية تمنع تنفيذ البيان الوزاري، وأن لا ضرائب في موازنة العام 2019، يحتاج الإقتصاد إلى أكثر من سنة كي يبدأ تسجيل نسب نمو تتراوح بين الـ 2 إلى 5 بالمئة بحسب حجم الإستثمارات، وبالتالي، سيستمرّ العجز في الموازنة بالإرتفاع .

ــ بطبيعة خبرتك العملية، ما هي العوامل التي تؤثر على عجز الموازنة؟ وما هي خيارات الحكومة للمعالجة؟

ــ هناك ثلاثة عوامل تؤثر على العجز وهي:

1 – حجم العجز في موازنة العام 2018.

2 – إرتفاع خدمة الدين العام بسبب إرتفاع الفوائد (عالمياً وداخلياً).

3 – إستمرار الإنفاق خصوصاً في ملف الكهرباء وكتلة الإجور.

خيارات الحكومة لمعالجة أزمة العجز!

 

وتابع عجاقة قائلا:

– مما تقدّم، يظهر لنا أنّ أمام الحكومة ثلاثة خيارات:

الأول، عدم القيام بأية خطوة إلا الإصلاحات والإستثمارات المنصوص عنها في البيان الوزاري (من دون ضرائب)، وهذا الأمر سيؤدّي إلى رفع العجز إلى مستويات تفوق الـ12 بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي، مما يُصعّب عملية الإلتزام بشروط «سيدر»، وهذا الخيار محفوف بالمخاطر الفعلية نتيجة وجود وكالات التصنيف التي لا تنفك تُصدر تقارير يومية عن لبنان، كأن لبنان أصبح شغلها الشاغل.

الخيار الثاني، رفع الضرائب، ممّا لهذه العملية من مفعول فوري على الخزينة، لكن التجربة الأخيرة لرفع الضرائب في العام 2017 أظهرت أنّ التهرّب الضريبي يزيد مع رفع الضرائب، وبالتالي ستتوجّه الحكومة أكثر إلى الضرائب المباشرة على الإستهلاك (الضريبة على القيمة المضافة، ضريبة على البنزين، الرسوم…).

وأضاف:

– والجدير ذكره أن هناك بنداً في البيان الوزاري يتحدّث عن «توسيع قاعدة المُكلّفين»، وهذا يعني في الدرجة الأولى زيادة الضرائب، إلا أنّ مثل هذه الخطوّة قد لا يتقبّلها المجتمع اللبناني ولو من باب التضحّية لإنقاذ الوطن.

وتابع قائلاً:

– الخيار الثالث، القيام بعمليّات إصلاحية محدودة تسمح بجمع أموال تكفي لتغطية الزيادة في العجز وبالتالي الحفاظ على مستوى عجز موازٍ للعجز في العام 2018. وهذا هو التحدّي الذي يواجه الحكومة اليوم.

واستطرد عجاقة:

– ومن بين الإجراءات التي يُمكن للحكومة القيام بها، إعادة فرض رسوم جمركية على البضائع المستوردة، ضبط الإستيراد لمنع التهرّب الجمركي، التشدّد في الجباية أقلّه 10 إلى 20 بالمئة، خفض الإنفاق الجاري (السفر، تعويضات اللجان، التجهيزات…).

ــ ما هو الخيار الأفضل؟

– بالطبع، قد تعمد الحكومة إلى مزج الخيار الثاني والثالث بهدف تعظيم لجمها للعجز المتوقّع، إلا أنّ أي خيار تقوم به الحكومة من بين هذه الخيارات سيفرض حكماً محاكاة ماكرو إقتصادية (وليس حسابية) لمعرفة التداعيات الفعلية على المالية العامّة

وعلى الإقتصاد، كما ودرس المخاطر التي قد تتأتى من تردّي تصنيف لبنان الإئتماني.

ــ ماذا عن مصرف لبنان، هل هو قادر على مواكبة الحكومة في عمليتها الاصلاحية؟

– سُئل أحدهم يوماً عن عمره، فأجاب عمري 40 عاماً… مضت عشرة أعوام وسُئل مرة ثانية عن عمره فقال 40 عاماً، وهنا قيل له: كان عمرك 40 عاماً منذ 10 سنوات فكيف يكون عمرك 40 عاماً اليوم؟ فأجاب: <أنا رجل لا أغيّر كلامي>! وهذا شأن الذين يشنوّن هجوماً متواصلاً على مصرف لبنان، فعلى رغم من أنّ مصرف لبنان استطاع الحفاظ على الليرة وعلى مالية الدوّلة، عبر تمويلها خلال كل الحقبة الماضية وما واكبها من ظروف سياسية وأمنية وإجتماعية جمّة، لا يزال هؤلاء على كلامهم ويُشكّكون بقدرة مصرف لبنان على الإستمرار في سياسة الثبات النقدي والمُحافظة على سعر صرف ليرة ثابتاً.

وأضاف:

– مصرف لبنان يتمتّع بالقدرة على مواكبة الحكومة في عمليتها الإصلاحية، وهو مُستعدّ للتمويل ويملك الوسائل لذلك، وهذا باعتراف كل التقارير التي صدرت عن البنك الدولي، غولدمان ساكس، وغيره، هذا الأمر محسوم لكنه في الوقت نفسه مشروط بوضع حدّ لعجز الموازنة، الذي هو الشرط الأساسي لمؤتمر «سيدر».

وتابع عجاقة قائلا:

– إذاً، مصرف لبنان الذي يحمل على عاتقه السياسة النقدية، لا يُمكن أن يحلّ مكان الحكومة التي من مهامها وضع السياسة المالية، وبالتالي هناك مسؤولية على الحكومة تجاه شعبها وتجاه المجتمع الدوّلي وتجاه صدقيتها بتطبيق البيان الوزاري، من هذا المُنطلق، نرى أن هناك إحتمالات مُرتفعة أن يدخل لبنان مرحلة من النهوض الإقتصادي، والتي قد تظهر بوادرها إبتداءً من العام المُقبل وتبدأ من القطاع العقاري.

ــ هل تعتقد ان الحكومة ستنجح في عمليتها الإصلاحية؟

– الحكومة (ومن خلفها المجلس النيابي) تملك القرار الاقتصادي، لذا فإنّ الخلاف السياسي يُعتبر الخطر الأول والأكبر على عمل الحكومة بغض النظر عمّا ستقوم به من إجراءات إقتصادية.

وأضاف:

– والجدير ذكره، أنّ أي إجراء مهما كان نوعه تقوم به الحكومة في المُستقبل القريب والمُتوسّط، ستكون له تداعيات إيجابية وفورية على الإقتصاد اللبناني وعلى المالية العامّة. إلا أنّ الحكومة ستمّر بثلاثة إمتحانات أساسية تُظهر مدى صلابة حكومة الوفاق الوطني أو هشاشة هذا الوفاق، وهذه الإمتحانات هي: ملف الكهرباء (الإمتحان الأكبر)، ملف النفايات، وملف التوظيف في القطاع العام، لذا سنرى في المُستقبل القريب إشارات من الحكومة حول هذا الأمر في جلساتها المقبلة وتباعا، وسيكون حكم الأسواق على عمل الحكومة عند رفعها لمشروع موازنة العام 2019.

 

يشوعي وعدم التزام الحكومة!

وبدوره الدكتور ايلي يشوعي أطلعنا على أن الحكومة الجديدة بتركيبتها وطريقة تشكيلها غير قادرة أبداً على الإلتزام بما تضمنه البيان الوزاري من عناوين، فالوزراء الموجودون ليسوا بالمستوى الذي يؤهلهم لقيادة المرحلة الحالية، إن كان على المستوى الإقتصادي أو المالي أو النقدي أو الإستثماري أو الإجتماعي… فهذه الحكومة أقل من عادية لزمن أو مرحلة غير عادية.

ــ نرى ان لا ثقة لك بهذه الحكومة، فما سبب ذلك؟

– شخصيا ليس لدي أية ثقة بهذه الحكومة وبقدرتها على فعل أي شي لحل هذه الأزمة، فأنا على دراية تامة بكافة جوانب الأزمة الإقتصادية التي نمر بها، وبالتالي أعرف تماما أن الوزراء الحاليين غير قادرين وغير مؤهلين على فعل أي شيء، فالسياسة التي تتبعها هذه الطبقة السياسية هي سياسة الإستدانة، ويتم صرف جزء صغير من الاموال التي يتم إستدانتها على بعض المشاريع، في حين تختفي باقي الاموال… إقتصادنا صغير لا يتخطى حجمه الـ 50 مليار دولار ولا يمكنه أن يتحمل هذه النسبة الكبيرة من الديون، فكل الفرص التي سنحت امامنا في السنوات الـ25 الماضية لم نستغلها، على الرغم من دخول مليارات الدولارات إلى البلد، والتي كانت كفيلة بتحويل لبنان إلى أيقونة إقتصادية، ولكن ماذا فعلت هذه الطبقة السياسية؟

وتابع يشوعي قائلا:

– يتحدثون اليوم عن حلم تحويل لبنان إلى دبي أخرى… ما الذي كان يمنعهم في تحويل لبنان خلال السنوات الماضية إلى دبي، إلا الفساد والمحاصصة وعدم الاكتراث وانعدام حسّ المسؤولية وتفضيل مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة والإثراء غير المشروع؟… فلبنان كان من أهم الدول العربية في العام 1974 إن لم يكن الأهم، في حين أن الطبقة الحالية ساهمت بخرابه وتدميره.

  ــ كخبير اقتصادي ومالي مشهود له بجدارته، ما تأثير عملية اقرار الموازنة للعام المقبل من دون قطع حساب؟

 – موازنة 2017 – 2018 تمّ إقرارها بدون قطع حسابات الموازنات التي سبقتها، وبالتالي سيضطرون لإقرار موازنة 2019 بالطريقة نفسها، ولكن ما النفع إذا كانت الموازنات عبارة عن موازنة حسابية فقط، يزداد فيها العجز من عام إلى آخر؟!

وأضاف:

– فلو تم إختيار فريق جديد ومجموعة وزراء كفوئين، لكان هناك بعض الامل، ولكان بإمكاننا ربما الاستبشار خيراً بالمرحلة المقبلة، ولكن هل من المعقول أن يقوم الفريق نفسه الذي أوصلنا إلى هذه الحالة المزرية، بإنقاذنا من هذا المستنقع الذي نحن فيه اليوم؟! وهل من المنطق أن نعطي ثقة للسلطة التي أوصلتنا إلى القاع لكي تنتشلنا منه مجددا؟!

واستطرد قائلاً:

– هذا الفريق راكم الديون على لبنان على مدى 25 عاما وقلّصوا حجم الإقتصاد، وساهموا بهجرة الشباب، ورفعوا نسب البطالة، في ظل إنماء غير متوازن وغياب أدنى وأبسط الخدمات الأساسية للمواطنين، وزاد حجم القطاع العام إلى أكثر من ثلث القوى العاملة، فكيف يمكننا الوثوق بهم او الإستبشار خيراً منهم؟

ــ لبنان سيمر كما يبدو بمرحلة مالية اقتصادية حرجة للغاية، ألا تعتقد بأن من هم في السلطة على دراية تامة بهذا الامر، لاسيما وان بعضهم قد تعهد بتقديم استقالته بعد 100 يوم في حال لم يتم انجاز أي عمل إصلاحي؟

 – للأسف ما زالو حتى اليوم يتبعون سياسات خاطئة، ففي ملف الكهرباء ها هم يسعون الآن لخصخصة القطاع وشراء الكهرباء من القطاع الخاص، في ظل عدم ضمان إمكانية الجباية الدقيقة والصارمة، مما قد يرفع من نسب العجز في قطاع الكهرباء.

وأضاف:

– فما زالوا يسعون لصفقات الشراء والبيع، ويسعون للإستفادة من الصفقات المتعلقة بالخدمات العامة، ويجب أن يعي هؤلاء بأن هناك ضرورة للخروج من صفقات الشراء والبيع، ومن المتاجرة بالخدمات العامة، فلا ضرر في إشراك القطاع الخاص، ولكن بتلزيمات شفافة، ومن خلال هيئة عليا غير سياسية، ومؤلفة من إختصاصيين مشهورين بنظافة الكف والوطنية، لذا لا يمكن لمجموعة تجار ان تحكمنا بعد اليوم وأن تساهم بإنقاذنا، ومن في الحكم اليوم هم تجار، ويتعاملون بعقلية التاجر، لذلك أنا غير متفائل أبدا في شأن المرحلة المقبلة.