15 November,2018

«حكومة المصلحة الوطنية » تترنّح... لكنها لن تقع وسلام الرافض لـ«الابتزاز »... علّق جلسات مجلس الوزراء!

elias-abou-saab هل دخلت حكومة الرئيس تمام سلام <دائرة الخطر> واقتربت من الخطوط الحمر التي تحمل <فيروس> التعطيل اسوة بما حصل في المؤسسة الدستورية الأم أي مجلس النواب، والرئاسة الأولى الشاغرة منذ شهرين تقريباً؟ هذا السؤال شغل بال الأوساط السياسية والديبلوماسية على حدٍ سواء طوال الأسبوع الماضي، في وقت كان فيه الجدال داخل الحكومة حول ملف الجامعة اللبنانية بشقيه: تفريغ الأساتذة وتعيين العمداء، يُسقط مرة أخرى الجامعة الوطنية ضحية المنازعات والمحاصصة ويضع التضامن الوزاري على المحك الذي قد يصل الى حد تعطيل الجلسات الحكومية بعدما أبلغ الرئيس سلام من يعنيه الأمر بأنه يتجه الى عدم دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد قبل التفاهم المسبق على الملف الجامعي الذي دلّ على أن التضامن الحكومي بات هشاً وأن من جمع الأعضاء الـ23 حول الرئيس سلام في حكومة واحدة لم يعد متحمساً للعب الدور نفسه.. و<ليقلّع اللبنانيون شوكهم بأيديهم!>.

وفيما بدا أن الجلسة التي عقدها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي كانت بمنزلة <الشعرة التي قصمت ظهر البعير>، فإن روايات المصادر الوزارية تضاربت في تحديد الجهة التي كانت السبب في بروز الخلاف على السطح الوزاري، ذلك أن وزراء 14 آذار و<المستقبل> اعتبروا أن وزير التيار الوطني الحر الياس بو صعب يتحمل مسؤولية <تأليب> الوزراء على الحلول التي طرحها لملف الجامعة اللبنانية، ولاسيما تفريغ الأساتذة وتعيين العمداء، في وقت يرد وزير التربية والتعليم العالي متحدثاً عن <نية مبيتة> لعرقلة تمرير ملف الجامعة والتحجج بوجود محاصصة في التعيينات (وهو أمر لم ينكره الوزير نفسه)، كي لا يسجل للتيار الوطني الحر إنجاز تربوي أساسي يتعلق بمصير الجامعة اللبنانية أساتذة وعمداء في عهد وزير عوني، على غرار ما كان يحصل مع الوزير جبران باسيل خلال تولية حقيبة الطاقة والمياه، سواء في ملف الكهرباء أو في الملف النفظي..

<الحصص> والمكاسب… والمصير المحتوم!

وبصرف النظر عن تباين الآراء الوزارية في مقاربة ملف الجامعة اللبنانية، فإن الثابت أن التعاطي الحكومي مع هذا الملف يتم من خلال رغبة غالبية الوزراء بالحصول على <حصص> واضحة للأحزاب والتيارات التي يمثلونها، سواء في تكوين مجلس عمداء الجامعة اللبنانية أو في ملف تفريغ الأساتذة لاسيما وأن عدد هؤلاء ارتفع بسحر ساحر من 700 الى 1160 أستاذاً… والحبل على الجرار. علماً أن بعض الأسماء المرشحة للتفريغ لا تتوافر فيها الشروط الجامعية والعلمية المطلوبة، في حين تحظى <بدعم> مرجعيات سياسية موزعة على قوى 8 و14 آذار، فضلاً عن مرجعيات روحية دخلت على خط طلب تفريغ الأساتذة وتعيين العمداء.. وسيكون من الصعب على أي طرف حيادي حصر المسؤولية بفريق وزاري دون آخر، لأن كل الفرقاء الوزاريين <سواسية> في المحاصصة وتسجيل المكاسب و<اقتناص> الفرص التي لن تتكرر في حكومة عطّلت نفسها بنفسها من خلال اعتماد آلية غير دستورية لاتخاذ القرارات، وعلّقت العمل في مواد دستورية لـ<تنقذ> نفسها من الانقسام والتشتت، فإذا بها <تترنّح> أمام أول استحقاق جدي يمس بـ<حصة> كل كتلة وزارية ممثلة فيها!

وتقول مصادر وزارية ان التركيبة الحكومية التي تعرضت لهزة قوية أثرت على صلابتها وتماسكها، كانت ستواجه ذات يوم هذا المصير المحتوم لأن التجانس الذي قيل انه موجود بين الوزراء لم يكن كذلك فعلياً. وهو أمر أزعج الرئيس سلام الذي نقل عنه زواره انزعاجه الشديد مما آل إليه الوضع الحكومي خلال الأسبوعين الماضيين، ما جعله يؤكد أن لا ضمانة لوضع  البلـد على  السكة الصحيحة في مواجـهة التحديات إلا بملء الشغور في الرئاسة لكي ينتظم عمل المؤسسات الدستورية التي تجري المناكفات والتجاذبات داخلها وتعطلها. ويبدي الرئيس سلام أمام زواره هذه الأيام <ألماً شديداً> من الشلل الذي بدأ يتسلل الى <حكومة المصلحة الوطنية> رغم اعتماد صيغة <التوافق> في مجلس الوزراء كي لا يشعر أي فريق في الحكومة أن ثمة من <يهمش> دوره أو يفرض عليه قرارات أو مواقف. لكن هذه الصيغة باتت سبباً – يضيف سلام – في شلّ الحكومة، إذ استعملها بعض الاطراف لتعطيل القدرة على اتخاذ القرارات عوضاً عن أن تكون سبباً لتوفير اجتماع عليها، ما أدى وسيؤدي الى وقف إنتاجية الحكومة.

سلام متألم ويخشى تراجع الدعم الدولي

ولعلّ أكثر ما <يؤلم> الرئيس سلام ويدخله في مرحلة متقدمة من القلق هو أن المجتمع الدولي الذي وفّر للحكومة الحالية دعماً غير مسبوق، سيصاب بالاحباط عندما يرى أن الحكومة التي منحها ثقته تتعطل بأيدي الجهات التي تشارك فيها والتي تتناحر على حصص ومزايدات، في وقت يفترض أن تتكالف وتتضامن في وجه التحديات الخارجية التي تحيط بالجوار اللبناني المشتعل على أكثر من جبهة، وهذا <الاستخفاف> اللبناني بالتأييد الدولي سيقود حتماً الى <تراجع> منسوب الدعم تدريجياً الى أن يصبح لبنان مستفرداً من جديد كما في الأعوام الماضية، فتتأجل الحلول وتتراكم العقبات ويصبح الولوج الى <مخرج> معقول للأزمات المتتالية.. مستحيلاً.

وتقول المصادر الحكومية المتابعة ان خيار الرئيس سلام في عدم الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء قبل الاتفاق المسبق على ملف الجامعة اللبنانية وما يتفرع عنه، لا يهدف الى زيادة الأمور تعقيداً، بل لقناعة لدى الرئيس سلام انه من غير المفيد الدعوة الى جلسة مع علم مسبق أن الخلاف سيتكرر ويجعل من الجلسة مناسبة <لصب الزيت على النار>، فالأفضل في هذه الحال اما الاتفاق على الحل بالنسبة الى ملف الجامعة، أو الاتفاق على تعليق البحث فيه والانتقال الى مواضيع أخرى، علماً أن ثمة أفرقاء يريدون بت ملف الجامعة اللبنانية بشقيه وعدم فصل التفريغ عن  تعيين العمداء، بل اعتماد <سلة واحدة> لدى اتخاذ القرار.

ولاحظت المصادر الحكومية أن الرئيس سلام يتجه الى مخاطبة الرأي العام مباشرة ومصارحته بالأعراض التي تعاني منها حكومته ليضع كل فريق مشارك فيها أمام مسؤولياته <لأن الأمور لم تعد تطاق> مع وجود رغبة مبيتة في تعطيل عمل الحكومة لإدخال البلاد في فراغين: فراغ تشريعي وفراغ إجرائي، إضافة الى الشغور الرئاسي، ما يسهّل إذذاك <فرض> أمر واقع معين له عدة وجوه سياسية وأمنية وربما إدارية!

وينطلق الرئيس سلام في خيار مخاطبة الرأي العام من أنه لا يريد أن <يخدع> اللبنانيين ويصوّر لهم الوضع بـ<أبهى صورة>، فيما هو على العكس تماماً، وإذا كان الرئيس سلام قد صبر كل هذه المدة فلأنه لم يشأ تعقيد الأمور التي باتت معقدة حكماً <ومن دون جميل أحد>، ما يفرض عليه أن يصارح اللبنانيين بالواقع، وعدم القول ان ما يجري هو أحد مظاهر الديموقراطية، لأن علّة وجود الديموقراطية هي التنافس في الخدمة الوطنية وليس في التعطيل وضرب المؤسسات وشلّ حركتها. ويجزم سلام ـــ استناداً الى المصادر نفسها ـــ بأنه لن يجعل الحكومة ـــ ولا هو شخصياً ـــ رهينة ابتزاز هذه الجبهة أو تلك، كما انه لن يكون شخصياً أسير مصالح سياسية لهذا الفريق أو ذاك، لأنه يضع مصالح اللبنانيين فوق أي اعتبار خاص، وعليه فهو لن يدعو الى أي جلسة لمجلس الوزراء ما لم تسفر الاتصالات التي نشطت في أكثر من اتجاه عن نتائج إيجابية تؤدي الى التفاهم على حلول للمسائل الخلافية المطروحة، وتوقف التجاذبات التي تتفجر في كل جلسة يعقدها مجلس الوزراء!

الحكومة فخخت نفسها بآلية عملها…

تمام-سلام

وسط هذه الصورة القاتمة التي غلفت <حكومة المصلحة الوطنية> بعد أقل من شهرين على ممارستها صلاحيات رئيس الجمهورية، ثمة من يعتبر أن حكومة سلام <فخخت نفسها بنفسها> من خلال الآلية التي وضعتها لعمل مجلس الوزراء، وأعطت فيها كل وزير صلاحية لم تكن أصلاً لرئيس الجمهورية الذي لم يعطه الدستور حق التصويت في الجلسات التي يرئسها، في حين بات كل وزير قادراً على التعطيل والتلويح بإسقاط النصاب داخل مجلس الوزراء الى حد أن صوت الوزير الواحد يساوي عملياً أصوات الوزراء الـ23 بمن فيهم رئيس الحكومة نفسه الذي يكاد يفقد صلاحية الاستقالة لأن حكومته أصبحت تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية وهو لن <يغامر> في إبقاء البلاد من دون حكومة ولو كان أداء الوزراء فيها <مزاجياً> حيناً و<مصلحياً> أحياناً… علماً أن رئيس الحكومة الذي يساوي صوته صوت الوزير لم يعد في استطاعته فرض أي قرار على الوزير المعارض أو الاحتكام الى قاعدة الغالبية والأقلية والذهاب الى التصويت، لأن الآلية التي اعتمدت جردته من هذه القدرات، فلا هو قادر على إرغام وزير واحد على التسليم بإرادة الأكثرية الوزارية، ولا هو قادر على إقالته لأن شرط الإقالة هو توافر موافقة ثلثي مجلس الوزراء، ولا هو يستطيع أن يحاسب وزيراً أخطأ أو خالف القوانين والأعراف أو عطّل مجلس الوزراء الذي لن يتمكن أيضاً من ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية الموكلة إليه في الدستور (المادة 62) إذ لم يكن الاجماع الوزاري هو السبيل الى ذلك.. علماً أن الانقسامات الحادة في لبنان حالياً تجعل إمكانية توافر الاجماع في مسألة محددة… شبه معدومة أصلاً! ويورد المعترضون على ما حل بمجلس الوزراء نتيجة اعتماد آلية العمل غير الدستورية أمثلة كثيرة عما دار في الجلسات الحكومية منذ 26 حزيران/ يونيو الماضي، وصولاً الى الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء والتي شهدت مواقف وزارية حادة – والبعض قال عنها انها <وقحة> – لا يمكن لأحد غير الرئيس سلام <الصبور والهادئ والإيجابي والصافي> أن يتحملها لاسيما وانها تجاوزت في حالات كثيرة الحدود المقبولة حتى في أصول التخاطب بين الأشخاص، وقد مارس هذه الفوقية أكثر من وزير من ذوي الأصوات المرتفعة والموصوفين بـ<السوبر وزير>!

والملفت أن الرئيس نبيه بري أعرب علانية عن انتقاده للصيغة المعتمدة في إدارة الحكومة <والتي جعلت من كل وزير ملكاً ما أدى الى كربجتها>، داعياً الى العودة الى النص الدستوري في التصويت.

… لكنها لن تسقط!

في المقابل، تؤكد مصادر سياسية مطلعة ان <الهزة> التي أصابت الحكومة في الأسابيع الماضي لن تجعلها <تقع> في الهاوية لأن لا مصلحة لأحد من مكوناتها بأن تتعطل أعمال مجلس الوزراء وتفرغ البلاد من السلطة الإجرائية في ظل الفراغ في الرئاسة الأولى والتعطيل في السلطة التشريعية، لذلك سيجد العاملون على خط التهدئة حلولاً ولو مؤقتة تبقي الحكومة <حية ترزق> من خلال إيجاد تسويات للمسائل العالقة لاسيما وأن أسباب الخلاف هي <المحاصصة> وليس أي شيء آخر… فالذي رفع عدد الأساتذة المتفرغين من 700 الى 1200 قادر على زيادة <كم اسم> بعد لإرضاء المعترضين، والذي فصّل عمداء الجامعة على قياس حصص الأحزاب والتيارات والمرجعيات، قادر أيضاً على ممارسة <لعبة الكشاتبين> الشعبية لكسب ودّ من سبق أن رفض سلة العمداء ثم قبل بها بعدما نال حصة من <بيضاتها>!

ألا تحمل حكومة الرئيس سلام تسمية <حكومة المصلحة الوطنية؟> فأي ضير لو عدلت التسمية لتصبح <حكومة المحاصصة الوطنية؟>.