19 September,2018

”حكومة التناقضات“ المزنرة بالألغام باتت على حافة الهاوية لكن إرادة تفعيلها تبقيها صامدة...حتى إشعار آخر!

hariri-berri-aounلا يمكن لمتتبعي مسار المناقشات التي يشهدها مجلس الوزراء في كل جلسة يعقدها، سواء في قصر بعبدا، أو في السرايا الكبير، الا وان يضعوا أياديهم على قلوبهم حتى تنتهي الجلسة بسلام وتتأجل المواجهة الى الجلسة المقبلة. ذلك ان ما يدور من نقاش حول المواضيع المطروحة، قبل الجلسة، وخلالها وبعدها، يؤشر الى ان <حكومة استعادة الثقة> التي ولدت في ظروف تسووية معروفة، مهددة بالسقوط في كل لحظة على رغم انها خلال الفترات <المسالمة> التي مرت بها، استطاعت تحقيق انجازات سياسية بارزة ليس أقلها الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، واقرار تعيينات ولو كانت نتيجة محاصصة سياسية، وإقرار الموازنة والتشكيلات الديبلوماسية الخ… غير ان النقاش الذي يدور في كل جلسة حول موضوع الكهرباء أو أي مواضيع أخرى، يعطي انطباعاً ان الخلافات السياسية داخل الحكومة ستؤدي قريباً الى انهيارها، لولا ان ثمة ارادة مخفية تعيد في كل مرة، <شدشدة التركيبة> الحكومية كي تستمر في انتظار ظروف أفضل على أمل ان تحمل التطورات ما يثبّت أركانها ويقوي من عضدها.

وتلتقي مصادر حكومية متنوعة على القول إن حكومة الرئيس سعد الحريري هي فعلاً على حافة الهاوية وهي تترنح من وقت الى آخر، لكن ارادة اسقاطها لم تتوافر بعد لدى أصحاب القرار الفاعلين فيها الذين لم يقرروا الطلاق وما زالوا يقبلون بـ<المساكنة> على أساس المحافظة على معادلة الاستقرار السياسي والأمني التي قامت عليها <سيبة> العهد والحكومة. صحيح ان أحداث عرسال والجرود أعادت أسلوب التراشق ونبش الدفاتر القديمة لاسيما وان بين الأفرقاء المشاركين في الحكومة القليل من الود والكثير من التباعد، إلا ان <التفاهم> على المحافظة على الحكومة لا يزال مفعوله سارياً وإن كانت الهزات المتتالية ليست بقليلة بدءاً من الخلاف على ما سمي <الانفتاح> على النظام السوري وقيام بعض الوزراء بزيارات عمل وتعاون وتنسيق الى دمشق، وصولاً الى التناقض في مقاربة ملف العلاقات اللبنانية ــ السعودية في ضوء المواقف الأخيرة المعلنة من الوزير تامر السبهان، والتوتر في العلاقة مع الكويت، ناهيك عن ملابسات انتهاء حرب الجرود مع تنظيم <داعش> وقبله مع <جبهة النصرة> وما قيل عن الاتفاقات التي عقدت لتمكين مقاتلي التنظيمين من مغادرة الأراضي اللبنانية والدخول الى سوريا، وغيرها من المواضيع التي لن تلتقي وجهات نظر الوزراء حيالها، لا بل هي تزداد تباعداً.

 

لا غالب ولا مغلوب… بعد!

وفي هذا السياق تقول المصادر الحكومية نفسها ان كل قضية من القضايا المختلف عليها كفيلة بـ<تطيير> الحكومة، إلا انه سرعان ما يتم سحب الفتيل الصاعق ولو موقتاً، في انتظار <مبارزة> أخرى لا يظهر فيها الغالب والمغلوب، بل يقف كل فريق عند حدوده ممسكاً بالأوراق التي تحمي مواقعه ومكتسباته. وفي رأي المصادر نفسها ان الرئيس الحريري نجح حتى الآن في المحافظة على حكومته، وهو الذي لا تمضي جلسة لمجلس الوزراء إلا ويذكر بأهمية استمرار الحكومة ولو كانت في وضع هش لأن البديل <خراب البلد> كما صارح الوزراء في الجلسة الأخيرة التي عقدت في قصر بعبدا والتي ناشد فيها الرئيس الحريري الوزراء عدم تظهير خلافاتهم وآرائهم المتباينة أمام الرأي العام من خلال وسائل الإعلام، بل الحديث عنها داخل الجلسة وليس خارجها…

ولعل نجاح الرئيس الحريري ــ حسب المصادر الحكومية نفسها ــ في استيعاب الكثير من المواقف المتشنجة تواكبه <ادارة هادئة> لجلسات مجلس الوزراء عندما يترأسها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يضيء في بداية كل جلسة على ملف حساس ويورد معطيات تجعل <حماسة> بعض الوزراء تهداً فتمر الجلسة على سلام. لكن المصادر ترى انه <مش كل مرة بتسلم الجرة> خصوصاً ان أسباب التفجير تبقى قائمة في كل لحظة لأن الألغام لم تفكك بعد وإن كانت لم تنفجر في مجلس الوزراء على رغم التحالفات التي اهتزت، من تحالف <القوات اللبنانية> و<التيار الوطني الحر>، الى المساكنة الطوعية بين الرئيس الحريري وحزب الله، وقد تعطلت جلسات حوارهما الثنائي في عين التينة منذ فترة طويلة، وصولاً الى وضع الرئيس عون الواقع بين نزاعي حليفيه، الرئيس الحريري من جهة، وحزب الله من جهة أخرى، لكنه يعمل، مع الرئيس الحريري، على تفكيك كل لغم يتهدد وحدة حكومته، وهو المتفق ضمناً على حماية الاستقرارين السياسي (من خلال الحكومة) والأمني من خلال التنسيق في كل ما يتصل بالمعالجات الأمنية التي تتم كلما دعت الحاجة، علماً ان من يزر الرئيس عون هذه الأيام يسمع منه مخاوفه من أن يستمر الانقسام أكثر فأكثر مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي حيث ستلعب المزايدات دورها في إذكاء التجاذبات من دون أن <تحرق> التركيبة الوزارية المستمرة في مدّ الأوكسيجين للحكومة التي قال عنها الرئيس نبيه بري انها <الشر الذي لا بد منه>، خصوصاً ان لا امكانية لتغييرها ولا بديل عن توازناتها الحالية حتى انها في حال وصلت الى الاستقالة فسوف تستمر في تصريف الأعمال انما من دون قدرة على اتخاذ القرارات، وهذا يعني تعطيلها وشل البلد، والضرر سيكون إذ ذاك جماعياً وشاملاً.

وحدها، تقول المصادر الحكومية، معادلة الأمن والاستقرار في لبنان ستبقى راسخة لأنها باتت أكبر من الجميع، علماً ان ثمة قناعة تكونت لدى أفرقاء المواجهة بأن التجاذبات القائمة بين محوري ايران والسعودية التي مهما اشتدت فإنها لا تخفي المفاوضات الجارية على أكثر من خط بين هذين البلدين عبر القنوات العُمانية وهي لم تعد في أي حال… سرية!