9 April,2020

حقيقة الإصابات بفيروس "كورونا" في لبنان

 

بقلم علي الحسيني

 

ممرض في مستشفى رفيق الحريري الحكومي

 

مصادر لـ”الافكار”: هناك إصابات لم يُعلن عنها بينها سياسيون واعلاميون وفنانون

لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، والمعركة اليوم مع عدو فرض نفسه بين الناس وراح يتنقل من منزل إلى أخر. بدأت القصة بمزحة، “كورونا صيني يعني تقليد ما بيعدي”، لكن سرعان ما تحولت المزحة  إلى رعب في النفوس والقلوب. فيروس دخل إلى البلاد في ليلة ظلماء فيها الكثير من الاستهتار يصل الى حد التلاعب بصحة شعب بأكمله، لا لشيء إنما خوفاً على شعور دول إقليمية لها في الموت عادة وتحمل شهادات عليا بالتلاعب بمصير الشعوب وتحديداً “المُستضعفة” منها.

 

إصابات لم يُعلن عنها

حالة تخطت الهلع والرعب يعيشها اللبنانيون جرّاء دخول فيروس كورونا الى البلد. ضياع شبه كامل على الصعيدين الحكومي والشعبي في ظل تصاعد ملحوظ لارتفاع عدد الإصابات يُقابله تكّـم شديد من الأجهزة الرسمية وتحديداً وزارة الصحة التي عجزت مع بداية انتشار الكورونا، عن وضع حد لانتقاله من شخص إلى آخر سواء عبر الحدود البرية أو عبر مطار رفيق الحريري، الامر الذي أدّى إلى زيادة نسبة الإصابة بين عموم الناس وسط تراجع نسبة التوعية إلى أن وصلت الأمور إلى مرحلة أصبحت فيها حياة المواطن على المحك. وفي هذا السياق تكشف مصادر سياسية بارزة لـ”الافكار” أن حالات الإصابة بفايروس كورونا  في لبنان تخطت الثلاثمائة ما عدا الأشخاص الذين يحملون الفيروس من دون أن يعلموا ولا هم خضعوا للفحوصات المطلوبة إمّأ خوفاً من النتائج في حال كانت ايجابية، أو لعدم معرفتهم في كيفيّة الإجراءات المطلوبة للخضوع لهذه الفحوصات. وهذا كله والدولة ما زالت تتعامى وتتغاضى عن مصير المئات من المواطنين الذين سيحملون الفايروس خلال اسبوع أو اثنين على أبعد تقدير.

ومما كشفته المصادر أن ثمة إصابات مؤكدة بالفيروس بين عدد من أهل السياسة والاعلام والفن وبعض أفراد عائلاتهم لم يتم الاعلان عنها وهؤلاء يخضعون لحجر صحي في منازلهم. كما ان هناك إصابات مؤكدة لعناصر ينتمون الى حزب لبناني كانوا عادوا إلى لبنان في الفترة الأخيرة من دول إقليمية وذلك بعد خضوعهم إما لدورات عسكرية أو زيارتهم أمكان مقدسة، وفي جميع الأحوال فإن العائدين عبر المرافئ الشرعية لم يتم اخضاعهم لفحوصات طبية حيث اكتفت الدولة باستخدام “ميزان الحرارة” كمقياس لمعرفة المصابين بالفيروس، أما الذين عادوا عبر معابر غير شرعية، فهؤلاء أيضاً يُشكلون خطراً كبيراً على محيطهم وحتى على أفراد عائلاتهم، وعلى أنفسهم.

ومما كشفته المصادر السياسية نفسها وهي المعنية في مكان ما بأمور طبيّة نتيجة طبيعة عملها الأساسي، أن هناك أكثر من ثلاث شخصيّات وازنة في لبنان تخضع لحجر صحي في منازلها أو قصورها نظراً لإصابتها بالفيروس . وتضيف: في الدول الأوروبية لا يتم التكتم على الإطلاق حول أي شخصيّة تُصاب بالكورونا مهما بلغ حجم مركزها او سلطتها وذلك من باب وضع المجتمع أمام حقيقة ما يجري ومدى خطورة انتقال العدوى بين الناس، وأيضاً لكي يتعظ الشعب ويكف عن خرق القوانين الصحية والإجراءات المتخذة، أما في لبنان فهناك تكتم يصل الى حد الخوف على المناصب والزعامات، مع العلم أن وضع المواطنين أمام حقيقة ما يجري في البلد، سيكون له فائدة على الصعيد العام أقله أن يتخذ المواطن أقصى درجات الحيطة والحذر لجهة كيفية التعاطي مع المرحلة الصعبة.

رئيس الحكومة حسان دياب

من لا داع للهلع إلى الاقتناع بخطورة المرحلة

هي سلطة كانت غضّت الطرف في ليلة ظلماء عن دخول على متنها 160 راكباً بينهم من كان يحمل “كورونا”. يومها عجزت الدولة بأمها وأبيها عن اتخاذ الاجراءات الوقائية على الرغم من أن الطائرة كانت قدمت من منطقة قم الإيرانية المُصنّفة ثانية من حيث انتشار الفيروس بعد منطقة ووهان الصينية، وبدل أن تُتخذ الاحتياطات اللازمة رغم غياب وزير صحة عن مشهد الرعب والخوف، راحت التطمينات توزّع يمنة وشمالاً على قاعدة “لا داعي للهلع”.

مؤخرا لمست السلطة في لبنان مدى خطورة الوضع الصحي في البلاد، اجتمعت الحكومة واجتمع المجلس الأعلى للدفاع، كما خرج رئيس الجمهورية العماد ميشال عون  ليتلو على العباد بعض المقررات والنصائح. السؤال: أين كانت كل هذه النصائح والإرشادات والتوجيهات يوم دعت المؤسسة الصحيّة الأبرز الناس الى عدم “الهلع” إنطلاقاً من قولها إن الفيروس بحاجة إلى وقت محدد لكي تظهر عوارضه. لكن دائماً تنطلق الدولة بإجراءاتها وفقاً للقاعدة التي تقول “أن تأتي متأخراً خير من ان لا تأتي أبدا”. ووفق هذه القاعدة دعا الرئيس عون الى التضامن الوطني ببعديه الإنساني والمجتمعي، وبطرق مبتكرة وجديدة، فجميعنا واحد أمام أي خطر يهدد سلامة حياة أي من اللبنانيين وفي أية منطقة لبنانية،وقال: إنها المرة الأولى التي يواجه فيها لبنان وباء يعم العالم. لهذا فإنه يتطلب اتخاذ أقصى درجات الوقاية والحماية للحد من سرعة انتشاره. لقد تجندت مختلف القطاعات الصحية في لبنان، بمتابعة مباشرة من دولة رئيس مجلس الوزراء واللجنة الوزارية للوقاية من فيروس كورونا، وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة كافة وبسرعة نموذجية، من أجل مواجهة مخاطر هذا الوباء، والحد من انتشاره في وطننا وبين مواطنينا. وطالب بالالتزام بالوعي والتوجيهات الطبية المطلوبة أولا، التي تتولى مختلف الجهات الرسمية والطبية والإعلامية، نشرها وتعميم كيفية التقيد بها. فكل منا مدعو ان يواصل عمله، من منزله، بالطريقة التي يراها مناسبة، فتستمر عجلة التحصيل للطالب، والعمل للعامل، وتبقى المؤسسات حية وفاعلة قدر المستطاع.

وفي السياق أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمود الأسمر التعبئة العامة مع ما تستلزمه من خطط وأحكام خاصة وطُلب من الإدارات العامة والأجهزة متابعة الوضع الذي يستدعي حالة طوارئ صحيّة. وظهر يوم الأحد الماضي أوكلت الحكومة مهمة الى الجيش اللبناني والبلديات بمنع الناس من التجمعات سواء على الشواطئ البحرية أو داخل المولات والمقاهي والمطاعم. وكشفت مصادر لـ”الافكار” أن هناك احتمالاً كبيراً لدى الدولة اللبنانية التوجه قريباً إلى اصدار قرار يُمنع بموجبه التجول في كل لبنان إلا من خلال تصاريح تتقدم بها المؤسسات المعنية بالعمل اليومي بعدد محدود من أسماء موظفيها.

تعبئة عامة.. وزعماء يُعلنون التأهب

على خط القرارات أعلنت حكومة الرئيس حسان دياب التعبئة العامة لمواجهة انتشار فيروس “كورونا”، وتضمّن إعلان الحكومة إقفال الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة مع بعض الإستثناءات الضرورية، كما طُلب من المواطنين التزام منازلهم منعاً لانتشار الوباء وحفاظًا على حياتهم وحياة عائلاتهم والمواطنين على حد سواء.  وفي سياق الاجتماع الحكومي الذي تأخر انتهائه لأسباب مجهولة، كشفت حركة “الارض اللبنانية” أن التأخير في إجتماع جلسة مجلس الوزراء مرده الى رفض حزب الله تسلم الجيش للبلد ورفضه تسكير مطار رفيق حريري الدولي والجلسة شهدت خلافات كبيرة ولهذا تم الحديث عن التعبئة العامة لانهم لا يريدون اعلان حالة الطوارئ لكي لا يستلم العماد جوزيف عون الوضع على الارض .

وفي السياق، تسيّر القوى الأمنية دوريات منذ الصباح الباكر في الشوارع والمداخل المؤدية إلى المناطق للحد من تجول المواطنين. كما تعمل شرطة البلديات على تنفيذ خطة الطوارئ الصحية التي أعلنتها الحكومة وأبرزها منع النزول إلى كورنيش المنارة. وبالتزامن ومع الحرص الشديد الذي تُبديه بعض المرجعيات السياسية والحزبية تجاه مجتمعها أو أبناء طائفتها، فقد أكدت مصادر خاصة أن رئيس حزب سياسي علماني أصدر أوامر صارمة للقاعدة الحزبية والشعبية لديه بعدم الاختلاط مع مناطق محددة حفاظاً على عدم انتقال فايروس

رئيس الجمهورية ميشال عون

كورونا الى المناطق المحسوبة على زعامته الحزبية والمذهبية.

ولفتت إلى أن تعميمات يومية يتم تناقلها داخل الحزب بهدف التوعية مع تقديم المساعدات التموينية للأهالي وإجراءات فحوصات أولية على بعض الحالات المرضية المشكوك بها ونقلها فوراً الى المستشفيات في حال تطلب الأمر. ونقلت المصادر معلومات عن الخارج تُفيد بأن لبنان مُقبل على مرحلة في غاية الصعوبة يُمكن ان تصل إلى حد اعلانه بلداً منكوباً. وأكدت أنها التقت خلال جولات خارجية بعدد من المسؤولين الغربيين والكل أجمع على توصيف لبنان بمريض تستدعي حالته الى إجراء عملية جراحية فورية وإلا فإن الأسواً بانتظاره.

عندما ادارت السلطة ظهرها للكارثة

وكانت ايران قد أعلنت على لسان كبار المسؤولين فيها ان كل اقاليمها باتت موبوءة بالكورونا، وارتفاع عدد الوفيات فيها الى درجة كبيرة، لكن على رغم مناشدة اللبنانيين كل المعنيين في حكومة “مواجهة التحديات” وقف الرحلات موقتا من ايران الى لبنان، تماما كما طالبوا بوقفها بعد ذلك من ايطاليا بعدما باتت بدورها موبوءة واعلنت عزل وحجر مدن بأكملها، لم يرف لوزراء حكومة من يفترض انها لانقاذ لبنان جفن ولا اصدروا قرارا واحدا، بل خرج وزير الصحة ليعلن ان لا يمكن منع اي لبناني من العودة الى وطنه. هنا تأكد المواطن اللبناني أنه يعيش في دولة إفلاس وفشل ونهب وعجز وسمسرات وديون وتخلّف وتقاسم غنائم ومصالح، دولة كراسي ومناصب يُباح لأجلها فعل كل ما يتخطى حدود المعقول. دولة يموت المواطن فيها بيد حكامها، لكن لا داعي للهلع، دولة يُصاب المئات من شعبها بأمراض نتيجة تقاعسها عن القيام بأدنى الواجبات، أيضاً لا داعي للهلع.

وزير سابق يُشير عبر “الافكار” إلى أن اغلاق البلد بشكل كامل واعلان حالة طوارئ جدية، أمر لا بد منه وفي حال تقاعست الدولة عن واجبها واكتفت بما أعلنته شفهيّاً فقط، على اللبنانيين مقاضاة رئيس الحكومة حسان دياب ووزير الصحة حمد حسن جزائيّاً. كما أن هناك تساؤلاً يتعلق بالمساعدات التي سيقدمها النواب من مخصصاتهم الشهرية من اجل مكافحة الفيروس: الى اين ستذهب هذه الاموال ومن سيُدير الحملة ومن هي الجهة التي ستستفيد منها، مع العلم أن جميع الذين خصصوا هذه الأموال أكدوا أنها ستكون في تصرف العاملين في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، والسؤال من هي الجهة التي ستتولى عملية صرف هذه المخصصات؟

ولم يستبعد الوزير السابق ان نصل الى مرحلة يتفشّى فيها كورونا بشكل واسع وسريع، لاسيما وان امكاناتنا الطبّية ليست بحجم من هذا النوع من الوباء، ولعل ما يجري في دول كبرى مثل الصين وايطاليا والولايات المتحدة خير دليل، حيث تواجه صعوبة في مواجهته رغم حجم جهازها الطبّي وعدد الاسرّة في مستشفياتها واجهزة التنفّس. ولفت الى اننا لو اتّخذنا اجراءات سريعة وجدّية منذ اسبوعين لما وصلنا الى ما هو عليه اليوم، ولو تعاطى اللبنانيون مع الموضوع بجدية من دون استهتار لما سجل عدّاد المصابين ارتفاعاً، مبدياً تخوفه من عدم التزام اللبنانيين باجراءات مواجهة كورونا واستمرار حركة التجول حتى لو اُعلنت حالة الطوارئ.

في الخلاصة، وجب القول إن في لبنان مسؤولين غير مسؤولين فتحوا باب الوباء على الوطن من مطار العاصمة إلى المستشفيات، ليستوطن هذا الوباء المناطق والبلدات والأحياء ويُحيل المئات إلى العناية المركزية أو العناية الإلهية. هي قصّة أو حكاية تكاد تقضي على ما تبقّى من آمال لدى شعب ما زال يبحث عن فسحة أمل في مغارة حراسها لصوص وصلت بهم أطماعهم وجشعهم للتلاعب بصحّة الناس من كل الفئات والأعمار، والأغرب أن هؤلاء أوجدوا لأنفسهم أعذاراً على قياسهم ورتّبوا في ما بينهم الأمور بحيث أصبحوا هم الضحيّة والجلاّد هو الشعب بعد اتهامه بنقل الفيروس”عن طريق الجهل وعدم اتباع الإرشادات الجهات المعنيّة.