18 September,2018

حـلــــف الـحـريـــــــري ــ جـعـجــــــع فــــي الـعـنـايـــــــــــة الـفـائـقـــــــــــــــــة!

 

بقلم وليد عوض

 

assad-franjieh لبنان على صفحات الجرائد العالمية، كنموذج للحضارة والديموقراطية، وسط أمواج متلاطمة من الأحداث والنكبات في طول المنطقة وعرضها. وكتبت مطبوعة <الايكونوميست> البريطانية يوم الاثنين الماضي: <هذا البلد الصغير لبنان يعيش من دون رئيس للجمهورية ومنذ انتهاء الحرب الأهلية قبل 24 سنة وتسير فيه الأمور من سيء الى أسوأ على صعيد انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات العامة (إشارة الى النفايات). وقد سجل رقماً قياسياً للبقاء من دون رئيس للجمهورية>.

وكان على <الايكونوميست>، وإن لم تفعل، أن تضيف وتقول: وبذلك يكون قد استحق الدخول في كتاب <غينيس> للأرقام القياسية.

سنة وأكثر من ستة أشهر بدون رئيس. شهور طويلة نعيش بين اكوام النفايات، ولا من يتخذ قراراً بفك هذه المعضلة. قطع طرقات بين الحين والآخر، لاعلان مطالب معيشية أو وظيفية، وأخيرها لا آخرها تظاهرة رجال الدفاع المدني مطالبين بتثبيتهم.

وصمود لبنان حتى الآن، كما يقول <معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى>، يشكل أسطورة بحد ذاتها.

إذن.. دخلنا عالم الأساطير.

وكان هذا الدخول من باب الشغور الرئاسي، وبقاء الطائفة المارونية بدون ممثل في دفة السفينة اللبنانية، وإن كان هذا الماروني في الدستور رئيساً لكل اللبنانيين، من دون تفريق بينهم. وكان الخطأ في الأساس عندما جرى حصر المرشحين لرئاسة الجمهورية في أربعة زعماء هم الرئيس أمين الجميّل، والعماد ميشال عون، والدكتور سمير جعجع، وسليمان طوني فرنجية. ولم يكن من المنطق في شيء أن تقفل دائرة الترشيح الرئاسي على الأربعة، ففي البلاد كفاءات سياسية وعلمية وأخلاقية يمكن أن يأتي منها رجل الى السدة الرئاسية الأولى.

مع ذلك رضينا بالهم والهم لم يرض بنا. رضينا بترشيح سمير جعجع منذ العام الماضي، وانعقدت جلسة لانتخاب الرئيس، ولكن الدكتور جعجع لم يحرز الأصوات المطلوبة لاعطائه صولجان الرئاسة، والعماد ميشال عون مرشح على الألسنة وفي الصحف والمجلات، ولكنه لم يقل يوماً بعظمة لسانه أنه مرشح. وإذا افترضنا أنه أعلن هذا الترشيح ونزل الى مجلس النواب لحصد أصوات المؤيدين، فالعدد الذي سيحصل عليه لا يكفي لتسليمه مفاتيح قصر بعبدا. وهو يدرك ذلك، لأنه منسجم مع نفسه، ويعوّل على الكتل الحزبية الاسلامية حتى تضبط المعادلة، وتسير في عملية ترشيحه. والانتظار سيطول. ولا يمكن استسهال الأمر، لأن هذا الاستسهال، كما يقول <جان بول سارتر> قد ينقلب على صاحبه.

والرئيس أمين الجميّل مرّ في حالة الاختبار كرئيس، ولكن ظروف البلاد الأمنية مطالع الثمانينات لم تسمح له بأن يمارس السلطة كما ينبغي، وحين دقت ساعة انتهاء ولايته الرئاسية، وجد الأفق مسدوداً لتسمية رئيس وزراء، لأن التسمية تحتاج الى مشاورات برلمانية، وكان ذلك متعسراً، فلم يجد أمامه سوى تسمية ميشال عون رئيساً للحكومة، وأعطاه بذلك مفاتيح قصر بعبدا.

نقطة الضعف ونقطة القوة!

منذ ذلك الوقت ومع هتافه الشهير <يا شعب لبنان العظيم>، كان ميشال عون يحلم برئاسة الجمهورية، في زمن الوصاية السورية، وكان الأمر من رابع المستحيلات. لكن الحلم ظل يسكن خاطره، حتى بعدما وصل الى المنفى الباريسي، ثم عاد منه مع ثورة 14 آذار عام hariri-franjieh-12005.

وميشال عون يملك مقومات الرئاسة، رغم كل ما يشيعه عنه الأخصام، وقد استمد من الحلف السياسي الذي عقده عام 2006 في كنيسة مار مخايل الشياح مع السيد حسن نصر الله حضوراً شيعياً واسعاً في الجبل، ولكن كل ذلك لم يكن كافياً للإمساك بناصية رئاسة الجمهورية، لأن ذلك كان يحتاج الى حليف اسلامي آخر هو الرئيس سعد الحريري الذي التقاه في روما، وحصل منه على ما يشبه الوعد بتأييده لرئاسة الجمهورية. ولكن أنت تريد وأنا أريد وظروف البلاد تفعل ما تريد.

وقد اختلف الأمر مع زعيم تيار <المردة> سليمان فرنجية، فهو قادر على جمع أصوات نيابية أكثر من سمير جعجع، وأكثر من ميشال عون، بفضل صداقاته الاسلامية في الشمال. وكان الهاجس الوطني عند الرئيس سعد الحريري أن ينقذ البلاد من الوضع المأزوم، والمأزوم معيشياً بصورة خاصة، فارتاح الى وساطة رجل الأعمال الزغرتاوي <جيلبير شاغوري> بينه وبين سليمان فرنجية، وكان لقاء باريس الذي خرج منه سليمان فرنجية مرشحاً جدياً، لا مرشحاً رسمياً، كما قال.

ونقطة ضعف سليمان فرنجية في رؤى جماعة 14 آذار انه مقرّب من الرئيس بشار الأسد، وجهاز بشار الأسد متهم بارتكاب سلسلة من الاغتيالات في لبنان. أما جماعة المؤيدين لسليمان فرنجية فيعتبرون قربه من الأسد نقطة قوة، لأنه يعيش صداقاته على المكشوف، لا من تحت الطاولة، وهي عادة الخبثاء بين أهل السياسة، وصداقته لبيت الأسد محصورة في العلاقات الشخصية ولا تتجاوزها الى التحالف السياسي في لبنان، والقبول بما صنعته أيدي الجهاز الأمني السوري في لبنان.

وكما ان سليمان فرنجية لا يخلط بين الصداقة الشخصية وبين العمل السياسي والمصالح السياسية، كذلك حال الرئيس بشار الأسد، فقد انتظر الكثيرون عند ترشيح الرئيس الحريري لسليمان فرنجية بصورة جدية لا بصورة رسمية، أن تأتي بارقة تأييد من الرئيس الأسد. لكن الرئيس السوري يؤمن بالمثل الشعبي الذي يقول: <بحبك يا سواري قد زندي لأ>، أي ان صداقته لسليمان فرنجية لا تعني تخليه عن حلفه مع السيد حسن نصر الله وحزب الله الذي يقاتل الى جانب جيشه السوري، وهذا يعني ان مرشحه حتى اشعار آخر هو العماد ميشال عون مرشح حزب الله. وعند حضور المصالح السياسية تتراجع الصداقات الشخصية.

 

بين الحريري وجعجع!

وهذا هو كذلك حال الرئيس سعد الحريري. فهو حليف في قوى 14 آذار للدكتور سمير جعجع، وأيد ترشيحه للرئاسة، ولكن هذا التأييد لم يكن الدواء السياسي المطلوب لاخراج لبنان من أزمته الرئاسية، خصوصاً وأن هذه الأزمة امتدت الى قطاعات معيشية، كغياب فرص العمل، ونضوب السيولة في أيدي الطبقات ذات الدخل المحدود، وأشعلت أزمة النفايات، وأنبتت تظاهرات الحراك الشبابي الوطني، وفاقمت موجة الشباب المهاجر الى أوروبا والخليج، حتى جاء تقرير لإذاعة <هنا هولندا> يفيد بأن لبنان هو الأول في المنطقة بنسبة العانسات، وان العنوسة بين فتيات لبنان وصلت الى نسبة خمسة وثمانين بالمئة.

وقيل الكثير عن سقوط الود بين جعجع والحريري، وقام محسوبون على تيار الدكتور جعجع بالغمز واللمز، ومنهم نائب رئيس القوات اللبنانية النائب جورج عدوان، وشاع في الناس خبر الود الذي أصبح مفقوداً بين الدكتور جعجع والرئيس الحريري، مما اضطر <الحكيم> الى الاتصال التليفوني مساء الأحد الماضي بالرئيس سعد الحريري في الرياض، واستغرق الاتصال حوالى الساعة، وانتهت المكالمة بعدم قطع شعرة معاوية، وبقاء كل من الاثنين على رأيه وموقفه.

أي ان سمير جعجع أبقى على ترشيحه لرئاسة الجمهورية، والرئيس سعد الحريري أبقى على ترشيحه لسليمان فرنجية، بعدما رأى في تسميته طوق النجاة الوطني في البحر السياسي اللبناني المتلاطم الأمواج، بل ويتحضر الحريري لفترة ما بعد الأعياد حتى يقوم بتفعيل مبادرته الوطنية بترشيح سليمان فرنجية رسمياً، دون أن ينتقص ذلك من حق الصداقة مع الدكتور سمير جعجع.

الحريري-جعجعولانجاح مبادرة الرئيس الحريري لا بد من ثلاث حركات:

ــ الأولى: اعلان الحريري ترشيح سليمان فرنجية بصورة رسمية لا الاكتفاء بالصيغة الجدية.

ــ الثانية: اعلان الدكتور سمير جعجع انسحابه من معركة الرئاسة دون أن يقول ان هذا الانسحاب هو لتأييد ترشيح سليمان فرنجية. وأغلب الظن ان <الحكيم> لن يفعل ذلك.

ــ الثالثة: أن يقـــــدم سليمـــــان فرنجية مشروعه السياسي كما طلب رئيس حزب الكتـــــائب سامي الجميّل في خطابــــه الأخــــير، ليبني على الشيء مقتضاه، أي تأييــــــد سليمان فرنجية.

 

3 مفاتيح للباب الرئاسي

ولا بد للمراقب أن يسأل بعدئذ عن أثر هذه المعركة في صفوف تيار 14 آذار. لقد رفض أمين عام تيار 14 آذار الدكتور فارس سعيد أن يكون سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، وفي حال أصبح رئيساً فالدكتور سعيد وعائلته سيحزمان حقائب السفر من لبنان.

وقطب 14 آذار الوزير بطرس حرب أيّد ترشيح الدكتور جعجع، ولكنه، مع الوقت، لن يقف حجر عثرة في طريق ترشيح زعيم <المردة>، لأن بطرس حرب ابن الشمال، ومن حقه أن يحافظ هو أيضاً على مصالحه السياسية. وما يسري على بطرس حرب يسري كذلك على أكثر جماعة 14 آذار.

المهم بعد ذلك كله ألا يبقى لبنان أسير هذه الدوامة القاتلة، لأن البقاء بدون رئيس جمهورية استهانة فاضحة بالمؤسسات، وإعاقة لجلسات مجلس الوزراء، وجلسات التشريع في البرلمان، وبقاء عشرات السفراء الأجانب بدون تقديم أوراق الاعتماد، بل بقاء الأزمة المعيشية على حالها إن لم تمعن في… التفاقم.

وهكذا بقي كل من الرئيس الحريري والدكتور جعجع على موقفه، وبقي الحلف بينهما في العناية الفائقة.

وكان سليمان فرنجية ليل أمس نجم برنامج <كلام الناس> لمارسيل غانم، وجرى طرح كل المواضيع، ولا ندري بأي جديد… أتى!

ويا <بابا نويل> هات هديتك.. هات رئيساً جديداً للبنان!