21 November,2018

حـكـومــــــــــة أقـطــــــــــاب  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

لماذا يعمد أقطاب لبنان الى الحكم بالواسطة وعناء التواصل هاتفياً بين منازلهم ومجلس الوزراء، أعني بينهم وبين وزرائهم؟

فليجلسوا هم الى طاولة مجلس الوزراء ويحكموا بالطرق المباشرة والسرعة اللازمة، خصوصاً أن الوقت لا يسمح كذلك الملفات وتراكم شؤون البلد وشجونه.

وبعدما تبيّن للملأ ولو بتأخير عقود، أن رجال اليوم يستذكرون رجالات الأمس، ويترحمون على الرئيس فؤاد شهاب وتجربة الأمير اللواء في بناء دولة المؤسسات، فليبادر العهد الجديد ببداية نوعية الى الانطلاقة التي لجأ إليها شهاب في بداية عهده: حكومة أقطاب تقرر وتنفذ من دون لف ودوران وهواتف نقالة وثابتة وإضاعة للوقت.

لِمَ لا، حكومة أقطاب من ستة أو ثمانية وزراء يمثلون طوائف لبنان وممثليها، يحكمون بانسجام ويقررون بعدل، ويُشعرون كل مجموعة لبنانية أن حضورها غير منتقص وأن خصوصيتها مأخوذة بالاعتبار ومحترمة، في مقابل احترام المجموعات للدولة اللبنانية بكل مؤسساتها ككيان وطني مترفع حيادي ومستقل يعمل في سبيل الخير العام.

<أنا لا أريد القيام بثورة لتغيير الوضع القائم لأنني لا أريد العودة بالبلد الى الوراء، بل أهدف الى تغيير الأمور بصورة طبيعية وفي شكل تدريجي>.

الكلام للرئيس فؤاد شهاب الذي كان مدركاً أن ما حاول القيام به غير قابل للتحقيق بين ليلة وضحاها، وأنه يحتاج الى فترة طويلة لكي يصبح راسخاً في أذهان اللبنانيين وملموساً في سلوكهم. إن المعادلة القوية في عهد شهاب تمثلت بحدود المراعاة للطوائف التي كانت تنتهي عند باب الإدارة وبالتحديد عند بوابة <مجلس الخدمة المدنية> المدخل الوحيد لولوج الوظيفة العامة.

إن حكومة اقطاب تستطيع إذا كان لديها الرغبة أن تعزّز لدى المواطنين الشعور بالانتماء الى الوطن من خلال الاداء النظيف والتأسيس لقانون انتخابات عادل، يأتي بممثلين أنقياء مستعدين للتضحية بالمصالح الشخصية والحزبية الضيقة، في سبيل الخير العام ومستقبل البلاد، وتنتفي معه الطبقة السياسية التي كان يسميها فؤاد شهاب بـ<أكلة الجبنة>، وإلا سيبقى السؤال الكبير والمزمن: أين السياسيون الذين إذا ما اصطدمت مصلحتهم الخاصة بالمصلحة العامة يعطون الأفضلية للثانية؟.

قانون عادل، يطيح الزعامات المرتجلة، وتغيب عنه إقطاعية الأرض ولا تملأ الفراغ مكانها إقطاعية المال أو الثنائيات الطائفية والمذهبية، ولا ينتج ما يعرف بـ<التوافق> الداحض للديموقراطية.

وفي هذا الشهر، شهر تشرين الثاني/ نوفمبر شهر الاستقلال، يمكن القول وبراحة كلية إننا نحن اللبنانيين اعتمدنا الدستور لا حباً بالدستور بل لأن البقاء ضمن الدستور هو الوسيلة الوحيدة للبقاء ضمن الشرعية، والبقاء ضمن الشرعية معناه بقاء الاستقرار أي بقاء الاستقلال والكيان خارج البحث.

ومن ضمن الدستور والشرعية كان النظام الديموقراطي البرلماني المتميز بتغيير الحكومات والمجالس، هو ميدان نشاطنا السياسي بل مجال صراعنا السياسي كشعب يعيش بل يجب أن يعيش حياته السياسية كما يعيش حياته الثقافية والاجتماعية، حياة سياسية أساسها الدستور وعمادها الميثاق المبني أساساً على العيش المشترك وحياد لبنان، وهذا الأمر شدد عليه خطاب القسم الجديد.

إن الذي يجري اليوم في لبنان ويتجاوز كل شيء سيبدو في نهايته وكأنه كان أمراً كالقدر، إلا أن ولادة الشيء الجديد لن تكون من صنع القدر بل من صنع البشر، وسيشترك الجميع في صنع ذلك، وسيبدو اشتراكهم جميعاً مستغرباً الى حد نسبته الى القدر لا الى البشر.

اليوم، الحاجة ماسة الى عمل استثنائي لأن المرحلة استثنائية ومؤاتية… الحاجة ماسة الى حكومة استثنائية تنقل البلاد الى الحياة الطبيعية، الى حياة سياسية خالية من وزراء دولة ووزراء حصص.

اليوم، الحاجة إلى حكومة أقطاب توقف الشهية…