21 November,2018

حـــلـب تـحــت رحــمـــــة ”الـفـيـتـــــو“ الــــــروســي!  

 

بقلم وليد عوض

erdogan-hariri

شمس رجال الأمس غربت ولم تشرق مكانها شمس رجال جدد يتركون بصماتهم على زمانهم، كما فعل الرئيس كميل شمعون ونائب جبيل العميد ريمون اده زعيم الكتلة الوطنية عندما استشرفا المستقبل الآتي في لبنان ونقلا من سويسرا الى لبنان قانون سرية المصارف وأخذ القانون الغطاء البرلماني المطلوب، وأزهر في لبنان عدداً من المصارف والشركات والفنادق الكبرى.

شمس رجال الأمس غربت مع رحيل الرئيس فؤاد شهاب، صاحب المشاريع الاصلاحية مثل مجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي، واختار للأول قاضياً واسع الرؤية كامل النزاهة هو الشيخ فريد الدحداح، وللثانية قاضياً كامل صفات الحياد والنزاهة هو شوكت المنلا، وإذا مرافق الادارة ترتدي حلة جديدة ويأتي امتحان الدخول الى دوائر الدولة مكان الوساطة وبطاقة التوصية، وجرت الاستعانة بالنموذج الاداري الفرنسي لتطبيقه في لبنان. وكان طبيعياً أن يتصدى لهذه الاصلاحات جماعات المتضررين الذين كانوا يتعاملون مع الدوائر الحكومية كساحة سائبة. ولكن صحوة الجماهير وفرت المناعة لهذه الاصلاحات، وأبعدت عنها أصحاب المصالح والإفلات من الرقابة.

وتوّج فؤاد شهاب حركته الاصلاحية بإنشاء صندوق الضمان الاجتماعي الذي أضاف إليه الرئيس سليمان فرنجية مطلع السبعينات الضمان الصحي. ولم يكن هناك تقصير برلماني في تسريع هذه الاصلاحات برئاسة كل من صبري حمادة وكامل الأسعد. فما شكا الاثنان من فقدان النصاب البرلماني، أو إعراض بعض الكتل النيابية عن الحضور كما يحصل هذه الأيام. ولا يستطيع أحد أن ينكر الفكر الاصلاحي الذي يتمتع به الرئيس نبيه بري، لكن لعبة الشطرنج تحتاج الى بيادق وقلعة و<كش ملك>. وحتى الآن لم يستطع الرئيس نبيه بري أن يقول: <كش ملك> للعماد ميشال عون، والدكتور سمير جعجع، ورئيس الكتائب النائب سامي الجميّل، مخافة أن يرمى بتهمة معاداة الميثاقية، ففتح الباب لحوار برلماني بدل الاصرار على عقد الجلسة التشريعية بمن حضر، وترك للجان البرلمانية أن تهتدي الى قانون الانتخاب المناسب، سواء أكان أكثرياً أم نسبياً، كما ترك الباب مفتوحاً لفك الشغور الرئاسي.

وكل الهيئات السياسية في لبنان، بمن فيها حزب الله الذي هو أحد المكونات الأهلية في البلاد، تتكل على المراجع العالمية للوصول الى فك الحصار حول قصر بعبدا، وانتخاب رئيس جديد. يتكلون على دور للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فتح خط سعودي الى معركة الرئاسة في لبنان. ويتكلون على الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> في فتح خط على هذه الطريق مع إيران الممثلة في لبنان بحزب الله، وبدوره يتكل الرئيس <هولاند> على ما تبقى من أيام الرئيس الأميركي <باراك أوباما> للضغط على إيران، عبر التأخير في الإفراج عن الأموال الإيرانية المصادرة بقانون العقوبات الدولي.

طبخة <هولاند>

  

والرئيس <هولاند> لا يكل في هذه المساعي ولا يمل. وها هو يرسل هذا الشهر الى بيروت وزير خارجيته الجديد <جان مارك ايرولت> للمساعدة على إنجاز الطبخة الرئاسية، وما أصعبها من.. مهمة.

فطرق الوصول الى حل تكاد تكون متشابكة بعدما رفض رأس الكنيسة المارونية البطريرك بشارة الراعي صيغة رئاسة السنتين للعماد ميشال عون صاحب العدد الأكبر من أصوات المسيحيين، حتى لا تكون سابقة، إضافة الى انها تمثل نقيصة دستورية للطائفة المارونية، مقابل ولاية مفتوحة لرئيس مجلس النواب، وولاية مفتوحة لرئيس مجلس  الوزراء.

وانسداد الأفق الرئاسي، أو الاحتباس الرئاسي، على غرار الانحباس الحراري، يفتح الباب لافتراضات أخرى، كأن يأتي مرشح تسوية مثل الوزير السابق جان عبيد، مقابل أن يأتي بعده المرشح الرئاسي سليمان فرنجية، وهي نبؤة طلعت بها سيدة التنبؤات ليلى عبد اللطيف، مطلع هذا الشهر على إحدى القنوات التلفزيونية، وبدون مرشح التسوية أو رئيس المرحلة، لا يمكن فك العقدة الرئاسية. وللآتي من الأيام أن يثبت هذه الحقيقة.

والظاهرة الملفتة والمؤذية في آن معاً ان المرشحين للرئاسة في غربة عما يحدث شمالي سوريا، وفي مدينة حلب بالذات حيث تحترق أجساد الناس مع هياكل وآثار مدينة حلب، معقل سيف الدولة الحمداني، والشاعر الفذ أبو الطيب المتنبي، مع ان ما يجري في حلب يجب أن يكون من ضمن معركة في لبنان، فالانسانية تتقدم على كل اعتبار، وعروبة لبنان هي المنطلق للتعاطي مع أحداث المنطقة. وهنا لا بد من تسجيل الموقف lavrov-1الانساني الايجابي للرئيس سعد الحريري وهو يزور الرئيس التركي <رجب طيب أردوغان> داخل قصر <يلدز> في اسطنبول، ويلتقي تحت قبة مطار <أتاتورك> في أنقرة برئيس الوزراء التركي <أحمد داود أوغلو> ويوجه إليه دعوة لزيارة لبنان، فيعد بتلبيتها، وإن كانت الظروف التركية قد لا تسمح بها، بعدما أصبح هناك اتجاه عند الرئيس <أردوغان> بالاستغناء عن <أحمد داود أوغلو> في منصب رئاسة الوزارة لصالح وزير الداخلية <إسكان اللا>

وقد سجل سعد الحريري موقفاً وطنياً وانسانياً للبنان وهو يطلب من الرئيس <أردوغان> والمجتمع الدولي الالتفات صوب حلب، وإنقاذ أهلها من شلالات الدم التي تفجرها الطائرات السورية والروسية بطيار وبدون طيار والصواريخ <جو ــ أرض>، وعدم قبول سكوت العالم وعدم اجتماع مجلس الأمن لوقف مجازر النظام في حلب، والالتفات الى مشاهد الأمهات اللواتي يبكين أولادهن وأطفالهن، وعمال الإغاثة وهم يسحبون جثث الأطفال من تحت الركام.

 

عيب الموقف الروسي

والعيب في هذا الباب هو الذي يشكله الموقف الروسي من أحداث حلب، وكأنها تجري في كوكب آخر، إذ أعلن وزير الخارجية الروسية <سيرغي لافروف> ان اتفاق الهدنة في الغوطة الشرقية وريف اللاذقية، برعاية أميركية ــ روسية، لا يشمل مدينة حلب بحجة ان وضعها يختلف عن أوضاع الغوطة وريف اللاذقية، لأنها أرض معركة بين النظام السوري وجماعات الارهابيين، لا المعارضة السورية المعتدلة، كما الحال في الغوطة وريف اللاذقية، ولا ترى موسكو لزوماً للتدخل.

ماذا يعني ذلك كله؟!

إنه اعلان روسي مسبق بأن أي قرار يتخذه مجلس الأمن في أحداث حلب التي تلقى تعاطفاً من أمين عام الأمم المتحدة <بان كي مون> سيتعرض للـ<فيتو> الروسي، ولن يمر..

أي ان حلب متروكة لقدرها، وربنا وحده يدري ماذا سيكون عليه هذا القدر، خصوصاً وان وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> أعلن يوم الاثنين الماضي ان الوضع في سوريا أصبح خارج السيطرة. ومن حظ هذا العالم أن يكون فيه زعيم روحي كبير مثل قداسة البابا <فرانسيس> الذي كانت له يوم الاثنين الماضي التفاتة الى حلب ودعوة المجتمع الدولي الى الأخذ بناصر أهلها، وتجنيبهم المزيد من حمامات الدم. ولكن الموضوع بقدر ما يحتاج الى صلاة بابوية بقدر ما يحتاج الى قوة رادعة للمجازر التي تشهدها حلب. وقد وضع الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> نفسه في موقف حرج بعدما سحب وزير خارجيته <سيرغي لافروف> يد روسيا من التدخل في أحداث حلب، وعكر بذلك على الشعبية العربية التي اكتسبها وهو يوقف التصعيد العسكري في سوريا، ويحض الرئيس بشار الأسد على القبول بالهدنة في غوطة دمشق وريف اللاذقية، استعداداً للانتظام في صف مؤتمر جنيف المعوّل عليه الآن لإيجاد صيغة تفاهم على مرحلة انتقالية بين أهل النظام السوري وأهل المعارضة السورية، داخلية وخارجية، فيكون مؤتمر جنيف نسخة، ولو ضعيفة، من مؤتمر الطائف الذي أوقف حمام الدم في لبنان عام 1989، بعدما عنفت فيه حرب الألغاء بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع وكانت تطيح بالأخضر واليابس..

pope-francisورقة <ديمستورا>

والوسيط الأممي في سوريا <استيفان ديمستورا> هو المعوّل عليه الآن ليدخل سجل الوسطاء الدوليين التاريخيين مثل <تشامبرلن> و<الكونت برنادوت> و<غونار يارنغ>، وإن كانت مهمته محفوفة بالأشواك. فالمعارضة السورية ترفض أي وجود للرئيس بشار الأسد في المرحلة الانتقالية التي يجري الاعداد لها، والنظام ممثلاً برئيس الوفد السوري المفاوض بشار الجعفري يرفض تغييب الأسد عن المرحلة الانتقالية، ويؤازره في هذا الموقف وزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف>، أي ان آخر النفق ما يزال مظلماً..

وفي الجانب العربي والاسلامي ظهر موقف مجلس الوزراء السعودي يوم الاثنين الماضي بالتعبير عن إدانة المملكة وشجبها واستنكارها الشديدين للغارات التي تشنها قوات بشار الأسد على مدينة حلب، وأدت الى تدمير مستشفى يدار من منظمة دولية وأودت بحياة العشرات بينهم أطفال وأطباء. وهذا ــ كما قال مجلس الوزراء السعودي ــ دليل على عدم جدية النظام السوري في الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي وينقض اتفاق وقف الأعمال العدائية، ويخالف القوانين الدولية والمبادئ الأخلاقية والانسانية.

وتضميد جرح حلب هو المدخل الى سوريا جديدة، وإلا فلتتحمل الحكومة الروسية مسؤولية عدم ادراج مأساة حلب في مجلس الأمن، وتلويح روسيا بـ<الفيتو> إذا أتى قرار بوقف المجازر في مدينة الشهباء..

إنه مفترق الطرق، وواشنطن في هذا الباب لا تريد أن تصطدم بموسكو، ووصاية الحل هي الآن بين الوزير <جون كيري> والوزير <سيرغي لافروف>. وعلى الباغي تدور الدوائر!