14 November,2018

حــــي علـــى الفـــلاح بيــن السعوديـــة ولبــــنان!  

بقلم وليد عوض

aoun-faysal----1

إنها معركة عض على الأصابع. باب ينفتح أمام مشروع التشكيلة الحكومية الجديدة، وباب لا ينفتح، مهما كانت براعة حامل المفتاح الرئيس سعد الحريري، والمفارقة في هذا الموضوع الشائك ان أسماء مجهولة عند الرأي العام، دون التطرق الى حجم كفاءاتها، تلقي بها القيادات السياسية في سلة التشكيلة الحكومية، وكأن الحقيبة الوزارية جائزة ترضية، أو نوع من البقشيش، أو جبر الخواطر.

ويتعاطى الرئيس الحريري مع الكتل والمراجع السياسية على أساس أنها مسؤولة عن اختيارها، وما إذا كانت في هذا الاختيار تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فلا يكون الطبيب وزيراً للعدل، والمهندس وزيراً للتربية، والمحامي وزيراً للسياحة، ورجل الأعمال وزيراً للرياضة والشباب، وهكذا دواليك.

وكذلك كان للطوائف دورها في الرفض أو القبول، وقد عبر الوزير السابق وئام وهاب عن الحصة الدرزية في الحكومة، بالقول ان الطائفة الدرزية كان لها الدور الوطني الكبير في اطلاق معركة الاستقلال عام 1943، على يد الأمير مجيد ارسلان في بشامون، ودوره الطليعي في معركة المالكية، وكان الأمير مجيد أشهر وزير دفاع في تاريخ لبنان، كما كان للشيخ توفيق عساف، الممثل الوحيد للطائفة الدرزية في مؤتمر الطائف عام 1989، بصماته في إنشاء مجلس الشيوخ، وإن ظل هذا المجلس حبراً على ورق، وينتظر أن يخرج الى النور بقرار من الحكومة، وتصويت من مجلس النواب. كما كان الزعيم وليد جنبلاط الأكثر حضوراً بالمساحة الدرزية، وإن كان معتصماً على طول الخط بحبل القومية العربية والخط التقدمي.

وفي نظر وليد جنبلاط ان حقيبة وزارة العدل المعروضة على الطائفة الدرزية ليست قوة فاعلة، لأن القول للوزير، والفعل لمجلس القضاء الأعلى. ومثلها وزارة الشؤون الاجتماعية لأنها فرغت من مضمونها، برغم الحضور الواسع للوزير رشيد درباس، وترضية الطائفة الدرزية تكون في تسليمها حقيبة وزارية منتجة وعلى شيء من السيادة مثل وزارة الأشغال أو وزارة الاقتصاد، وعدم تسليمها وزارة دولة أو <كومبارس> كما يقول وزير سابق، أي خارج دور البطولة.

وكانت الوزارات السيادية في الأساس أربعاً هي الداخلية والخارجية والدفاع والمال، لكن الثروة المختزنة في أعماق الحياة اللبنانية عند الشواطئ، أنشأت وزارة سيادية خامسة هي وزارة الطاقة، كما ان الموجة الاليكترونية التي تسود عالم الاتصالات نفخت الروح في وزارة الاتصالات وجعلتها السيادية السادسة.

وما دام لكل وزير آتٍ في التشكيلة الوزارية مرجعه، فهل يضمن الرئيس الحريري عدم اضطراب العلاقة بين الوزراء، إذا تعكرت علاقات مرجعياتهم؟

نفحة من السعودية

عون-الاستقلال-----2

أمام بعض هذه الأبواب المهددة بالانغلاق، هناك أبواب فرج تفتح على مصراعيها، دعماً للبنان، وأبرز هذه الأبواب مجيء الأمير خالد الفيصل مستشار الملك سلمان بن عبد العزيز وأمير منطقة مكة المكرمة، ورئيس مؤسسة الفكر العربي ومعه وزير الدولة السعودي للعلاقات الخارجية الدكتور نزار بن عبيد المدني، وقام الموفدان السعوديان بزيارة الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري، ورئيس حكومة تصريف الأعمال تمام سلام ورئيس الوزراء بالتكليف سعد الحريري، للتبشير بأن السعودية تعتبر لبنان أمانة في عنقها، منذ رعايتها لاتفاق الطائف عام 1989، ولم يكن هناك دخول في التفاصيل، مثل عودة الثلاثة مليارات دولار من السعودية للبنان لتسليح الجيش اللبناني، بل كان المطلوب هو الوقوف على خاطر الدولة اللبنانية في كل ما يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقدمه إليه، بعدما استعاد لبنان مسيرته الدستورية بانتخاب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وقدم الأمير خالد الفيصل الى الرئيس عون دعوة رسمية من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لزيارة المملكة السعودية، وبذلك يتبدد الجو المتحفظ للسعودية على العماد ميشال عون، منذ أن أقسم اليمين الدستورية على الالتزام بالدستور اللبناني، ومقدمة الدستور هي اتفاق الطائف، بعدما كان أعلن معارضته لهذا الاتفاق عام 1989. وستكون زيارة الرئيس عون للسعودية أول زيارة يقوم بها خارج البلاد بعد انتخابه.

ويزور الأمير خالد الفيصل لبنان وسط سيلان لعاب أهل السياسة على المناصب الوزارية، وكل يريد حقيبة سيادية، أو فيها شيء من السيادية، وشذ عن هذا التلهف على الحقائب الوزارية نائب رئيس الوزراء الأسبق عصام فارس الذي أعلن صراحة من باريس اعتذاره عن قبول منصب نائب رئيس الوزراء في هذه المرحلة، وفي حكومة عمرها محدود بشهر نيسان (ابريل) المقبل، موعد الانتخابات النيابية المقبلة. ومنطق عصام فارس هو عدم رغبته في النزول الى ساحة الحكومة الجديدة بالباراشوت، بل يجب أن يأتي من دعم شعبي تعبر عنه انتخابات أيار (مايو) 2017.

وما دام عمر الحكومة التي يرئسها سعد الحريري لن يكون أكثر من ستة أشهر، فلم يعد مهماً التفحص في وجوه الوزراء الجدد، ما دام في طاقم الحكومة وزراء مثل مروان حمادة، والياس بوصعب، وعلي حسن خليل، وكلهم مارسوا العمل الوزاري في السابق بأعلى درجات الحرفية والكفاءة وحسن التدبير، بحيث تغلب قماشتهم نسيج أولئك الوزراء الذين يهبطون بالباراشوت، لمجرد أن اختارهم المرجع الذي ينتمون إليه.

ورغم أن الظروف لم تتح لحكومة سعد الحريري أن تتألف وتظهر في الصورة الرسمية داخل القصر الجمهوري مع الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، فإن ظلال أبطال الاستقلال مثل بشارة الخوري ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي وعادل عسيران ومجيد ارسلان وحبيب أبو شهلا، طغت على أقطاب مهرجان الاستقلال يوم الثلاثاء الماضي فكان أقطاب الاستقلال في الماضي هم المدرسة المطلوبة للحكام الجدد.

مولود اسمه العلم

خالد-الفيصل-سعد-الحريري------3

ولأن الرئيس عون اختار يوم الاثنين الماضي ليكون يوم العلم اللبناني الذي اعتبره الرئيس عون مسجوناً على مدى خمسة عشر عاماً، فمن حق أجيال ما بعد الاستقلال أن تعرف حكاية ولادة العلم اللبناني على أنقاض علم الانتداب الفرنسي، في جلسة تغيير العلم، وقد دخلها نائب طرابلس سعدي المنلا من الشباك بدفعة خلفية من القطب الرياضي حسين سجعان، بعدما سد عسكر الانتداب الباب الرئيسي للبرلمان. وكان قلم رصاص سعدي المنلا هو الذي رسم شكل العلم الجديد، وكان الى جانبه في التوقيع على رسم العلم نواب بارزون مثل رشيد بيضون وهنري فرعون ومحمد الفضل. وهذه الواقعة ينبغي أن تأخذ حقها من الإضاءة للتأكد من أن العلم اللبناني الذي يرفرف على السواري، ولد في ظروف قيصرية احتاجت الى شجاعة رجال، أمام حراب عسكر الانتداب.

ولئن كان الموقعون على صورة العلم اللبناني قد طردوا عسكر الانتداب، فالمطلوب من رجال الدولة الجدد أن يطردوا انتداباً من نوع آخر، مثل المرض والبطالة وضيق العيش وتلوث البيئة والفساد المستشري في دوائر الدولة والصفقات التي تتجاوز الأصول، وكابوس النازحين السوريين الذين يزيد عددهم على نصف أهل البلاد.

وحين اختار الرئيس عون أن يخطب من القصر الجمهوري في عيد العلم، ثم ليلة الاستقلال، كان يمارس التصويب على المكروه الكبير الذي هو الفساد. ويساور الكثيرين من المواطنين الشك في أن يستطيع رئيس الجمهورية اقتلاع جذور الفساد مسمياً الأشياء بأسمائها. فبلد مثل لبنان لا يتحمل كشف الغطاء عن المفسدين بفعل انتمائهم الى الطوائف والاعتصام بحبل الحماية الطائفية، لمعرفتهم بأنه باب النجاة من الحساب.

وفي تاريخ لبنان أبطلت حصانة نائب واحد من آل قزعون زمان الخمسينات، وبعد ذلك ساد.. الصمت، ولم يتدحرج أي رأس!

وكان المأمول أن يشهد العرض العسكري يوم الاستقلال اكتمال النصاب الحكومي، برئاسة سعد الحريري، ولكن المعوقات توالت، وكل شاطر بشطارته في اختيار الحقائب الوزارية، ولاسيما مسألة حقيبة الوزير الشيعي في حصة رئيس الجمهورية، ومسألة تمسك الدكتور سمير جعجع بالحقيبة السيادية واصراره على أن يكون هو والرئيس عون مرجعية اختيار الوزراء المسيحيين، لا الرئيس نبيه بري الذي يرى ان يقابل الوزير الشيعي عند الرئيس عون، أو كتلة الاصلاح والتغيير وزير مسيحي هو نائب رئيس الوزراء الأسبق اللواء عصام أبو جمرة، وواحدة بواحدة، أو كما يقال بالتركية: <بوباشكا بوباشكا>. وثمة خبراء دستوريون، يرون في اختيار رئيس مجلس النواب لوزير معين في الحكومة، خطأ دستورياً، لأن مجلس النواب هو سلطة الرقابة والمحاسبة. فكيف يكون الوزير محسوباً على رئيس مجلس النواب وهو تحت سيف المساءلة والرقابة الدستورية؟ أي البرلمان يعين من سيكون تحت الرقابة باسمه!

وروح المناورة السياسية في كل الأحوال يجب أن لا تطغى على الحاجات المعيشية للناس، وكانت بداية الانفراج فيها انتخاب ميشال عون لرئاسة الجمهورية.

وفي منصة استعراض الاستقلال كان الانسجام واضحاً بين الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري، بحيث قدم الثاني للأول حبة <بونبون> لقطع دابر الانتظار.

وإذا كان الماضي هو عين المستقبل، كما يقول المثل، فلا بد أن نتعلم من الماضي لاطلاق مسيرة… العهد، ونتعامل معها ــ كما قال الدكتور سمير جعجع ــ على أنها حالة تختلف عن حالة رؤساء جمهورية سابقين.