25 May,2019

حـــــــزب الله يلـجــــــــــأ الـــــــــى الـقـضـــــــــــاء والـسـنـيـــــــــورة: انـتـظـــــــــــروا قـــــــــــرار ”الـمـحـكمــــــــة“!

بقلم علي الحسيني

  

بعدما استشعر بالخطر من تدهور الأوضاع في خراسان، كتب نصر بن سيار آخر ولاة الأمويين على خراسان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة والي العراق يقول له: <أرى بين الرماد وميض جمر ويوشك ان يكون له ضرام، فإن النار بالعيدان تذكى وإن الحرب مبدؤها الكلام>. تحت هذا العنوان، يُمكن الاستماع بإمعان إلى صوت المعركة السياسية التي تُخاض اليوم باسم الفساد بين حزب الله من جهة والرئيس فؤاد السنيورة و<تيّار المستقبل> ودار الإفتاء من جهة أخرى، وكانت المعركة هذه قد بدأت بالكلام قبل أن تصل الى حد الاتهامات المتبادلة وسط مخاوف كبيرة من أن تتطور وتذهب الأمور باتجاه حدود لا أفق مرسوماً لها حتى الآن.

 

حزب الله والسنيورة..

سجون ومحاكم!

بين أبواب السجون التي يُريد حزب الله فتحها أمام المُفسدين والمُتهمين بهدر المال العام، وبين الردود على الحزب الذي تنتظره قرارات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بحسب السنيورة واعتباره أن حزب الله قرر الهروب منها باتجاه فتح الملفات، ثمة جمر تخفي تحته نيات تصعيد ما من شأنه أن ينسحب على الوضع العام في البلد وأن يفتح أبواب الأحقاد المذهبية مجدداً بعد أعوام طويلة على إغلاقها بشكل مُحكم. والسؤال هنا، يكمن حول حقيقة مصلحة الحزب في اتباع سياسة <نبش القبور> لأسباب قيل إنها تتعلق برفع رصيد نقاطه في نظر الخارج وإزاحة تهمة الإرهاب عنه ومصلحة السنيورة و<المستقبل> في التماهي مع هذه الحرب من بوابة المحاكم خصوصاً في وقت يتعرض فيه الداخل الى اشتعال بدأت شرارته تظهر من تحت رماد التصويب والاتهامات المتبادلة، حيث يبقى الخوف من أن تتجاوز هذه الاتهامات الإشارات بالأصبع إلى حدود تجاوز خطوطها الحمراء.

الإجابة عن السؤال أطلقها الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصر الله خلال مناسبة الذكرى الـ30 لتأسيس <هيئة دعم المقاومة الإسلامية> بأن المعركة واجبة ولا تقل أهمية وقداسة عن معركة مواجهة العدو ونحن امام مفصل وجودي. وعن اتهام حزبه بالانتقام السياسي، كان رده بأن لو كان الامر كذلك لما ساهمنا في قيام هذه الحكومة، لكن ما نريده هو وقف سرقة المال العام. وحول ما ينتظره الحزب من المحكمة الدولية، اعتبر انه <سيحاولون تحوير مسار المعركة على الفساد

وتحويلها صراعاً طائفياً ومذهبياً لحماية فاسدين مفترضين وسيراهنون على تعبنا وخوفنا ولكن لا تراهنوا على ذلك لأننا لن نتعب>. لكن أبرز ما قاله هو: توقعوا كل شيء في هذه المعركة.

من نافل القول، إنه من قضية الـ11 مليار دولار استعاد حزب الله هجومه على الرئيس السنيورة بعد فترة شبه انقطاع من الاشتباك السياسي بينهما والذي كان تم رهنه في زمن سابق للظروف التي كانت تفرض نفسها بين الحين والآخر. هذا التناحر السياسي بينهما كان بدأ منذ شغل السنيورة منصب رئيس الوزراء بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 حتى العام 2009 وذلك خلال عهدي الرئيسين اميل لحود وميشال سليمان. أمّا اللافت اليوم، ما برز بإعلان السنيورة أن الحزب يحارب الفساد بتهم ملفقة لي لحرف الانتباه عن حكم المحكمة الخاصة بلبنان. هذا الكلام أعاد التذكير بأولى المواجهات التي حصلت بين الحزب والسنيورة والتي ظهرت خلال تولّي الأخير وزارة المالية في عهد الحريري الأب خصوصاً في الشق المتعلق بالسياسة المالية أبرزها ما عُرف بـالضريبة على القيمة المضافة، من هنا تُشير مصادر مقربة من السنيورة لـ<الافكار> إلى أن <الحملة أساسها سياسي ولم تستند حتى اليوم إلى اية معطيات حقيقية أو ملموسة>.

 

حزب الله يستهدف فريقاً كاملاً

تضع مصادر السنيورة حملة حزب الله في سياق <الاستهداف الشخصي لرجل نجح بتجنيب البلد أمرين مهمين للغاية: الأول إبقاء لبنان بعيداً عن الأزمات الاقتصادية التي كانت حصلت خلال فترات ماضية ولبنان يسير اليوم في سياسته هذه على القاعدة نفسها، وهذا ما لا يطيقه الحزب الذي يرى ان انهيار الاقتصاد في لبنان فرصة لا تعوض لإطلاق مشروعه المتكامل والمعروف بتبعيته لايران>. الأمر الثاني هو  أن السنيورة <يُعد واحداً من أبرز وأشرس المُعارضين للمد الإيراني في لبنان وله في هذا المجال محاضرات وقراءات دولية وإقليمية يُستند اليها في النيات الايرانية تجاه الشرق الأوسط وليس لبنان فقط، من هنا يعتبر حزب الله السنيورة خصمه الأول والأبرز، لذلك قرر ازاحته من بوابة ملفات مالية ملفقة بعدما عجز عن

استهدافه المتعدد النواحي>.

وتعتبر المصادر ان الحملة على السنيورة اليوم لا تستهدف شخصه فقط، بل تستهدف الفريق الذي منع سقوط البلد بيد ايران والنظام السوري منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتحديداً سعد الحريري ووليد جنبلاط. وتضيف: اليوم نحن على حافة انتظار اعلان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قرارها النهائي بقضية اغتيال الحريري والمتهم فيها قيادات من حزب الله الذي يُحاول حرف الأنظار عن جماعاته فقرر أن يفتعل هذه المعركة ويبدو أنه لم يجد غير السنيورة ليُطلق اتهاماته الملفقة بحقه. وشددت على أن حزب الله ينتظر ضغوطاً كبيرة من المحكمة الدولية وهذا ما يُثير جنونه اليوم، لذلك حاول أن يقلب الأدوار علّه يتمكن من المقايضة وهذا أقصى ما يستطيع فعله للالتفاف على الحكم المُنتظر.

المؤكد أن السنيورة نجح في المواجهة بالسيّاسة إلى حدٍ بعيد، من خلال إعادة استنهاض ما تبقّى من فريق <14 آذار> ، إذا جاز التعبير، سواء عبر الحضور الذي حظي به مؤتمره الصحافيّ من شخصيّات تدور في الفلك نفسه، أو بمضمون الخطاب السياسيّ الذي حاكى في غالبيته، شعارات ومبادئ <14 آذار>، من دون أن ننسى التداعيات التي كادت تضع التسوية الرئاسيّة التي نقلت البلاد من مكان إلى مكان، في مهبّ الريح. وما أكد محاولة استنهاض السنيورة لـ<14 أذار> هو تعليق نائب رئيس مجلس النواب السابق فريد مكاري بالقول يوم انعقاد المؤتمر: اليوم، حول الرئيس السنيورة، في أوّل يوم من آذار، الجو الى جو يشبه ١٤ آذار في أوّل أيامها.

 

 

نجّار: محاكمة السنيورة لا تُسقط رئاسته

 

أعاد حزب الله التقليب في دفاتر الماضي عبر وكالة النائب حسن فضل الله وذلك ضمن رحلة البحث عن الصرف من خارج الموازنة، متسلحاً بالنيابة العامة المالية لتصويب الاتهام نحو السنيورة، بيد أن الفصل المجرد في كيفية مساءلة السنيورة على الماضي تعود للقواعد القانونية التي لا تحتمل أي شكل من أشكال التأويل. وفي هذ الإطار، يوضح وزير العدل الأسبق ابراهيم نجار لـ<الأفكار> أنه حتى ولو استعيد فتح ملف الـ11 مليار اليوم، إلا أن ذلك لا يسقط عن السنيورة صفة رئيس الحكومة كون الملف المثار يعود لحقبة كان فيها على رأس مجلس الوزراء. ويستند نجار إلى النص الدستوري وتحديداً المادة 70 منه، التي تقول: لمجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى او باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز ان يصدر قرار الاتهام الا بغالبية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس.

ويشير إلى أنه استناداً للمادة المذكورة، فإن أي اتهام اليوم للسنيورة لا يمكن أن يصدر إلا عن ثلثي مجلس النواب، ومن ثم فإن المرجع الصالح للبت قضائياً هو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وليس القضاء العادي، لافتاً إلى أن المستندات التي رُفعت إلى النيابة العامة المالية لا تؤدي بالضرورة إلى اتهام الرئيس السنيورة، خاصة انه كل الصرفيات موضع السجال مدونة وموثقة بشكل رسمي. ويرى أن الاتهامات التي تساق تحمل تشويشاً كبيراً. ومن القانون إلى السياسة، يعتبر نجار أن الطريقة المثلى للدفاع هي الهجوم، وبالتالي فإن هجمة الطرف الآخر على السنيورة قد تكون من أجل حرف الأنظار عن قضايا فساد تطاول الفريق الذي يخوض الهجوم أو تطاول حلفاءه. وشدد على أن التصويب على السنيورة لا يطال شخصه، بل يطال الخط السياسي الذي يمثله.

 

<عمائم> سوداء وبيضاء على خط الاتهامات

كرة الفساد التي دحرجها حزب الله في وجه السنيورة تعاظمت وكبّرت لدرجة أنها استدعت تشكيل سد ديني وسياسي لقطع الطريق عليها بعدما تخطت الحواجز المذهبية وتحوّلت إلى قضيّة مفصليّة لحقبة سياسية محددة لا تتطابق مع المواصفات والعناوين التي منحها الحزب لحملته هذه. لكن على رغم السدود هذه والتي تُعتبر <نوعاً مشروعاً> من أنواع الدفاع خصوصاً في بلد مثل لبنان مبني منذ قيامته على تركيبة مذهبية وطائفية، يُصر الحزب على المضي في معركته هذه لدرجة أنه وضعها في إطار <المقاومة> من دون ان يرسم لها حدوداً أو آفاقاً.

من هذا الباب، أطلق مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان موقفه الحاسم من السراي الحكومي، مؤكداً بعد زيارته رئيس الحكومة سعد الحريري في السراي ان السنيورة خط احمر وهو اعاد الشفافية لميزانية الدولة. وقال: إن محاربة الفساد أمر ضروري طالما نسعى لاقامة دولة عادلة وقوية، ولكن هذا الملف يجب ان يعالج ضمن اطر مؤسسات الدولة، وموضوع المزايدة او <النيل السياسي> في هذا الملف او ذاك مرفوض. وعلى قاعدة <انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً> أعلن أيضاً <المجلس الشرعي الإسلامي> الذي دعا الى معالجة مكافحة الفساد ضمن الأطر القانونية ومحاسبة الفاسدين على أسس واضحة المعالم لأن التصويب على السنيورة هو افتراء وحكم مسبق وظلم. لكن أبرز ما طالب به المجلس أن تكون محاربة الفساد شاملة لجميع الحقبات أي قبل العام 1992 حيث تولى الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة الحكومة كي لا يشعر أي فريق سياسي بأنه مستهدف.

ومن دار الإفتاء و<الشرعي الإسلامي> وما بينهما من كلام للسيد حسن نصر الله في السياق نفسه، دخل نائب رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش في المغزى نفسه ليُشير الى ان الخطوات التي تحققت حتى الآن هي إنجاز على طريق الإصلاح ومنع الفساد في البلد، فهناك ملفات فُتحت وأصبحت لدى القضاء ولم يعد بالامكان طمسها من قبل أحد، وقد أثبت حزب الله صدقية وجدية في متابعة هذه الملفات، لأن ملف مكافحة الفساد بالنسبة لنا ليس مجرد شعار نرفعه بل هو خطوات عملية جدية وملموسة.

 

حزب الله: يُبررون لكي

يخفوا تجاوزاتهم

بين فتح ملف فساد وصخب يُثار حوله، تؤكد مصادر بارزة في حزب الله لـ<الأفكار> أن ملف مكافحة الفساد سيُكمل طريقه مهما كانت النتائج ومهما تكاثرت الضغوطات وكل هذا الضجيج الذي يحدث حول تحركنا فإننا مكملون في معركتنا هذه، مؤكدة أن هذا الملف ليس بجديد ولا هو وليد ساعته، بل يمتد الى زمن طويل واليوم قد حان وقت فتحه ووضعه أمام الرأي العام، ليس تشفيّاً ولا انتقاماً كما يحلو للبعض أن يتحدث، بل صوناً للمال العام. وأضافت: نحن اليوم نعطي موضوع مكافحة الهدر والفساد أولوية واهتمام أكبر من ذي قبل، لكن هذا لا يعني أن القرار مستجد إنما هو مُتخذ منذ أن وُجدنا والاهتمام المتزايد اليوم، سببه أن ما يحصل على هذا الصعيد لم يعد ضرره يُحتمل وأصبح كبيراً على كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. من هنا لا بد من وضع حد لكل هذا الفساد المستشري منذ عقود.

وحول كلام الرئيس السنيورة بأن حزب الله يلجأ الى خلق ملف استباقاً لقرارات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ذهبت المصادر في هذا الكلام الى أن هذا البعض الذي لم نتهمه لا بالاسم ولا بالتلميح، سيجد تبريرات لكي يُخفي تجاوزه وتبريراته ولكي يحد من تصميمنا واستمراريتنا، لكن نؤكد لهذا البعض أن لا تراجع عن قرارنا ولا عن توجهنا ولا عن سياستنا، مضيفة: نحن ماضون في محاسبة المرتكب ومستعدون لكل الاحتمالات انطلاقاً من مبادئنا التي حملناها منذ اللحظة التي قررنا فيها الوقوف الى جانب المظلوم في وجه الظالم.

ورأت أن كل من يُثير مثل هذه الاقاويل أو يتبناها إنما يضع نفسه في دائرة الشبهة ولذلك يُحاول أن يُغطي فساداً ما او فساده. أما النتائج التي يُمكن ان نصل اليها في هذا الملف، فهي ليست علينا وما يمكننا تأكيده أو الوعد به هو ان نستمر بكشفه أينما ظهر، فهناك دولة لها مؤسساتها وسلطاتها وبالتالي نحن نمارس دورنا بحسب ما يسمح به موقعنا، داعية القضاء اللبناني إلى تحمّل مسؤوليته أيضاً في هذا الشق، لأن المتضرر هو كل لبنان وليس فئة أو جهة. وشددت على أننا مكملون في حربنا ضد

الفساد وكل ملف يثبت لدينا فيه جرم سنحمله وسنرفع صوتنا وسنمارس دورنا بحسب الصلاحيات والامكانيات المتاحة.

<الأفكار> تسأل المصادر: حتى ولو بقيتم وحدكم؟ تُجيب: في الأصل نحن خضنا هذا الملف من دون أن نأخذ مشورة أي جهة ولم نأخذ قرارنا من أي جهة، بل استندنا الى المعطيات والملفات التي في حوذتنا وعلى هذا الأساس نُكمل طريقنا. وهذه معركة اللبنانيين جميعهم وليست معركة حزب الله.

مصادر بارزة في دار الفتوى الإسلامية ولدى سؤالها حول ما إذا كان هناك تواصل مع حزب الله في شأن تبادل الاتهامات؟ تُجيب: نحن هنا لا نتحدث عن فريق مُحدد ولا نوجه تحذيرنا الى هذه الجهة او تلك، ما نقوله هو إننا لن نسمح باستهداف رموز وقامات وطنية خصوصاً أننا متأكدون بأن ثمة <مكيدة> تستهدف الرئيس السنيورة الذي يشهد له القريب والبعيد، مدى نزاهته ووطنيته. وجميعنا خبرناه في زمن الصعاب يوم كانت اسرائيل تستهدف لبنان بكل طوائفه ومذاهبه. أما الإجابة عن السؤال، فبكل تأكيد لا يوجد أي موانع لأي لقاء مع أي جهة بهدف التقريب في وجهات النظر وإزالة الخلافات بين جميع اللبنانيين خصوصاً وأننا في مرحلة حكومية جديدة تتطلب تضافر الجميع والعمل من أجل الحد من المخاطر الإقتصادية والسياسية التي تتربص بلبنان.

ماذا عن اتهام الرئيس السنيورة لـحزب الله بأنه يُريد من خلال اتهامه بالفساد، حرف الأنظار عن قرارات المحكمة الدولية التي ستصدر قريباً؟ تؤكد المصادر أن كل هذه الأمور نُعيدها الى القضاء الدولي والى القضاء اللبناني. وعاجلاً ام آجلاً، لا بد أن تظهر جميع الحقائق.