17 December,2018

حــــزب الله أصـبــــح بحاجـــــة إلى تطـمـيـنـــــات عــــلى مستــــوى القاعـــــدة المسيحيـــــة كلهــــا!  

بقلم خالد عوض

Riad-salame-(1)-----a

حجم الرياء الذي ظهر عند كثيرين من قادة العالم وهم يرثون الرئيس الكوبي السابق <فيدل كاسترو> لا يخفي حقيقة أن الرجل الرمز الذي رفض الانحناء أمام الولايات المتحدة وقاد ثورة تاريخية، قام في الوقت نفسه بالتنكيل بالكثيرين من مواطنيه وتعاطى مع كوبا كديكتاتور أولاً وأخيراً. ليس الهدف ترداد ما قاله الرئيس الأميركي المنتخب <دونالد ترامب> عن الزعيم الكوبي، ولكن من المهم عند مراجعة تاريخ الزعماء إلقاء نظرة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني لكوبا وشعبها. هذا ينطبق أيضا على رئيس <فنزويلا> الراحل <هوغو تشافيز> الذي كان رمزاً ثورياً كبيراً ولكنه ترك بلاده في حالة يرثى لها على كل صعيد.

بأي مقياس يجب الحكم على سياسي أو زعيم قاد بلاده لفترة طويلة من الزمن؟ هل بمستوى <الممانعة> والعنفوان والحفاظ على الكرامة الوطنية أم بدرجة رخاء وحرية وكرامة شعبه؟

إذا توفى بشار الأسد اليوم أو غداً.. فسيهرع الكثيرون من رؤساء وزعماء دول العالم إلى جنازته، التي يمكن أن يحضرها حتى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولكن هذا لن يلغي أن الملايين من الشعب السوري مشردون في بقاع الأرض يبيعون كل ما لديهم من <كرامة> حتى يحصلوا على سكن أو عمل أو حتى طعام، فيما ملايين آخرون يذوقون طعم الرعب كل يوم داخل بلادهم وهم يبحثون عن لقمة يسدون بها جوع أطفالهم أو مأوى يختبئون فيه من موضة قصف جديدة استحدثها النظام اسمها الصواريخ المظلية.

إذا كان بشار الأسد (مع التشديد الكبير على هذا الافتراض المعاكس للواقع) الزعيم العربي الذي وقف سداً منيعاً أمام محور مهادنة إسرائيل وحمى المقاومة، وهو الرجل الذي قال <لا> للإرهاب بكل اشكاله، فهذا لن يلغي أن النتيجة العملية لحكمه خلال حوالى عقدين من الزمن هي الموت والدمار ومحو التراث والتاريخ والتهجير والفقر والانهيار الاقتصادي والمالي لدولة عربية عريقة كانت تعتز بأنها قريبة من الإكتفاء الاقتصادي الذاتي ولديها أقل نسبة من الديون في العالم العربي، ناهيك عن خفايا الاعتقالات والتنكيل في السجون وعن الفساد الذي استشرى خلال حكمه وبقي مستمراً حتى في ظل الوضع الحالي.

<هوغو تشافيز> و<فيدل كاسترو> وبشار الأسد ينتمون إلى الفلسفة السياسية الهمايونية نفسها، فالوقوف في وجه <الإمبريالية> التي تمثلها اليوم الولايات المتحدة يبرر كل شيء، ويستأهل إفقار الشعب وتجريده من أقل حقوقه الإنسانية. هذا يضمن لهم الموت كأبطال تماماً كما ضمن لشعبهم الفقر والموت والتشرد.

إيران لا تزال أكثر <برغماتية> في هذا الموضوع، فهي تجلس مع الولايات المتحدة وغيرها من <رموز الاستعمار> وتهادنها في أمور كثيرة وتزيل عنها التسميات الشيطانية وتنكفئ عن شعار <محو إسرائيل من الوجود>، ولكنها تتعامل مع مصالحها ومصالح شعبها أولا وأخيراً. لا تنجر إلى مواجهة للمواجهة تحت شعارات الكرامة والصمود والتصدي، ولكنها في الوقت نفسه تحارب على الأرض، ولو كان ذلك بميليشيات وأحزاب غير إيرانية في الجبهة الأمامية، على أساس نظرتها للشعب الإيراني في عام ٢٠٣٠ وربما أبعد من ذلك. المرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي لا يترك مناسبة إلا ويجيش الشعب ضد إسرائيل وأميركا، ولكنه في النهاية يرضى أن يكشف المفتشون على أدق تفصيل في المنشآت العسكرية الإيرانية للتأكد من إلتزام إيران بالإتفاق النووي. وبدل أن تنتفض إيران وتطالب هي بإلغاء الاتفاق بعد أن جدد <اوباما> رزمة كبيرة من العقوبات لمدة عشر سنوات، ها هي تعلن عن تمسكها بالاتفاق وترد على <ترامب> أنه لن يتمكن من الغائه، كما أنها تستخدم <اللوبي> داخل أروقة الكونغرس للدفاع عن مصالحها. نظرية <الثورة للثورة> الحريريو<المقاومة للمقاومة> غير موجودة في القاموس الإيراني لأنها لا تؤدي إلى تحقيق مصالح الدولة الفارسية.

لا شك أن حزب الله في لبنان يملك العقلية البراغماتية نفسها، وإلا لما احترم القرار ١٧٠١ أكبر احترام في ما يتعلق بوقف العمليات الحربية على الحدود مع إسرائيل، كما أنه يتعامل مع الواقع اللبناني بنظرة بعيدة المدى ولا يتوقف عند مقاعد في السلطة أو مناصب أو حتى تكليف الرئيس الحريري رئاسة الحكومة، فهو يبحث عن السيطرة الشاملة في المدى الطويل، ولو بشكل غير مباشر وعن طريق التحالفات الداخلية، حتى التي لا تتوافق مع إيديولوجيته العقائدية، كما أنه تعامل مع العقوبات المالية عليه بكثير من المرونة، رغم تدخله القوي للمحافظة على بعض الحسابات المصرفية مثل تلك التابعة لمستشفى الرسول الأعظم.

إذا كان حـــــزب الله لديــــــه كل هــــذه العملانيــــــة في الأداء السيـــــاسي، فأين تكمن عقبة التأليف إذاً؟ الكل من دون استثناء يريد حكومة فلماذا الجمــــــود والكلام عن حقيبـــــة خاصة وحقيبة عادية وغيرها من التصنيفات؟

من الواضح أن لدى حزب الله بعض التوجس من <اتفاق معراب> ومفاعيله على الواقع اللبناني، ويستحب بعض الوقت لفهم مستوى هذا التحالف المستجد وتأثيره على مجريات الحالة السياسية الداخلية في المدى المتوسط والبعيد. وما حصل من تناتش على الحقائب كان حقل إختبار لهذا التحالف من قبل أطراف كثيرة من بينها الحزب. وحتى لو أكد الرئيس عون للحزب إلتزامه كرئيس بالموقع السياسي نفسه الذي كان عليه قبل أن يصبح رئيساً، فإن التحالف بين التيار و<القوات> يتبلور شيئاً فشيئاً إلى حالة استراتيجية داخلية وليست فقط ظرفية، وهذا مقلق لحزب الله ومحور الممانعة كله، وربما يتطلب ذلك توكيداً للوجهة المسيحية في لبنان بالنسبة للعلاقة مع حزب الله على مستوى القاعدة المسيحية كلها وليس فقط من قبل التيار الوطني الحر.

التأخير في التأليف يؤكد من جديد أن السيد حسن نصر الله ليس مثل <فيدل كاسترو> أو بشار الأسد.