19 September,2018

حصر المنافسة الرئاسية بين عون وجعجع مخالف للدستور وللقواعد الديموقراطية!

SAM_5513

ذكرى الاستقلال الـ 71 مرّت هذه السنة بدون احتفالات رسمية بسبب الشغور الرئاسي المستمر منذ حوالى 7 أشهر وتتزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية على لبنان، في وقت تواصل المحكمة الخاصة بلبنان الاستماع الى الشهود من أهل السياسة حيث كانت البداية مع النائب مروان حمادة وسط تخوّف من انعكاس ذلك على الوضع الداخلي لجهة تعميق الخلافات القائمة وقطع أوصال الحوار الذي دعا إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري بين حزب الله وتيار المستقبل.. فإلى أين تسير الأمور وفق الأجواء السائدة؟

<الأفكار> التقت وزير العدل السابق شارل رزق الذي رافق إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان عام 2007 داخل منزله في الأشرفية وحاورته في هذا الملف لاسيما وانه وقّع كتابه الاخير تحت عنوان <الفوضى اللبنانية والتفكك السوري>.

وسألته بداية:

ــ نبدأ من المحكمة الدولية ونسألك كوزير عدل سابق كيف استقبلت شهادة النائب مروان حمادة في الأسبوع الماضي والقراءة السياسية التي قدّمها؟

– الأمور أصبحت ورائي منذ ان تركت الوزارة ولم أعد أتابعها، لكن ما أعرفه أن غرض المحكمة هو إعادة مفهوم العدل الى هذا البلد الذي كان مفقوداً بشكل كلي. وعندما تسلمت الوزارة ذهبت الى صيدا لوضع إكليل على المكان الذي اغتيل فيه القضاة الأربعة (وليد هرموش، حسن عثمان، عاصم أبو ضاهر، عماد شهاب)، فقلت في نفسي كيف نتجرأ على إنجاز تحقيق باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونحن عاجزون عن إجراء تحقيق بجريمة اغتيال القضاة الذين اغتيلوا أمام الناس جميعاً، وكيف تكلف القاضي اللبناني المسكين بملاحقة قتلة الحريري، الأمر الذي استدعى قيام المحكمة الدولية. ثم ان البعض يقول إن المحكمة الدولية بطيئة وهذا صحيح، لكن المسألة ليست بالمقارنة بين محكمة بطيئة ومحكمة سريعة، بل الخيار كان بين محكمة دولية أو عدم وجود محكمة لو تركت الأمور على عاتق القضاء اللبناني.

لا قضاء بدون دولة تحميه

ــ أليست هذه إهانة للقضاء اللبناني؟

– لا.. فالقضاء اللبناني لا يقع عليه أي حق ولا نلومه لأنه غير قادر ولا يستطيع القيام بدوره بشكل حر وكافٍ إلا إذا كان محصناً وهناك دولة تحميه، فكيف ننتظر من القاضي أن يحكم بالعدل وهو لا يعرف ما إذا كان يستطيع العودة الى منزله لعدم وجود دولة تحميه؟! فغياب الدولة أدى الى غياب القضاء.. ولذلك كان لا بد من اللجوء الى المحكمة الدولية خارج لبنان.

ــ كان القضاء في السابق يحكم والجلسات على مدار الساعة، فما الذي حصل؟

– كان هناك دولة تحميه، واليوم أصبح القضاء مكشوفاً بدون حماية، والدليل أن القضاة الأربعة اغتيلوا وهم على قوس المحكمة.. وعلى كل حال، فالموضوع تجاوزه الزمن والجميع اعترفوا بالقضاء الدولي لمجرد أن الحكومات المتعاقبة موّلت المحكمة لاسيما حكومة الرئيس نجيب ميقاتي السابقة، واليوم حكومة الرئيس تمام سلام وهما تضمان حزب الله وبالتالي فتمويل المحكمة هو اعتراف ضمني بها وبالعدالة الدولية.

ــ هل ستصل الى نتيجة في تقديرك؟

– طبعاً الأحكام ستكون غيابية إذا ثبت الاتهام على المتهمين المرتبطين بحزب الله، فإذا كانوا هم الفاعلين وأقرت المحكمة بذلك، فهي ستصدر أحكامها غيابياً إذا لم يمثلوا أمامها.

ــ أين الثقوب التي اكتشفتها في وزارة العدل؟

– أولى الثقوب بحيث ان القضاء غير محمي. وأنا بقيت في الوزارة  حوالى ثلاث سنوات ونصف السنة ووجدت أن العائق الكبير لتحريك القضاء هو انه في غياب الدولة لا يمكن للقضاء أن يكون فاعلاً، وإلا نكون فعلاً نظلم القاضي إذا طلبنا منه شيئاً.. فالقضاء القوي يبدأ بالدولة القوية التي تحمي هذا القضاء، فالدولة تقوم على ثلاث سلطات: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية ويجب أن يكون هناك تكامل بينها حتى تعمل أي سلطة بشكل فاعل، وأنا عندما وجدت أن هناك استحالة لإحقاق الحق وملاحقة الفاعلين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان الخيار باللجوء الى المحكمة الدولية.

دويلات ثلاث ترتبط بالخارج

ــ الشغور الرئاسي مستمر منذ 7 أشهر تقريباً، وسبق أن طرح اسمك لرئاسة الجمهورية.. فماذا ترى على هذا الخط؟

– لم أفكر يوماً من الأيام أن أرشح نفسي للرئاسة.. هذا أولاً، وثانياً فلبنان أنشئ عام 1920 وكان مفهوم الدولة من خلال صهر الطوائف المختلفة إسلامية ومسيحية في بوتقة لبنانية واحدة تحترم هذه الطوائف ولكن نتجاوزها الى الانتماء الوطني، واليوم نسأل: ماذا فعلنا بعد مئة سنة على إعلان دولة لبنان الكبير لاسيما وان مئوية إعلان الدولة أصبحت قريبة بعد 6 سنوات!؟ لا شيء، فبدل أن ننشئ دولة واحدة تضم كل الطوائف وتحترمها وتتجاوزها الى الانتماء الوطني الواحد، فعلنا العكس بحيث أنشأنا ثلاث دويلات: دولة سنية، دولة شيعية ودولة مسيحية، وكل دويلة لها مرجعيتها الخارجية الإقليمية والدولية، وبالتالي عندما فعلنا ذلك حرمنا على أنفسنا أن يكون لنا قرار، وبالتالي فالقرار سيأتي حتماً من الخارج، ولذلك فالرئاسة شاغرة لأن كل دويلة تنتظر التعليمات من الخارج، ولا أحد يصدق أن نوابنا هم الذين ينتخبون الرئيس، وبالأمس سمعنا الرئيس نبيه بري يقول انه من المنتظر أن يطرأ تغيير ما الى الأفضل من الخارج مما ينعكس إيجاباً على الاستحقاق الرئاسي، ما يعني ان رئيس المجلس يعترف من موقعه المسؤول بأن الانتخاب يأتي من الخارج والشيء ذاته عند الرئيس تمام سلام، وبالتالي فكل مرشح للرئاسة تراه يذهب الى هذه الدولة أو تلك، وهذا أمر ليس عابراً بل عضوياً لأننا فشلنا في تركيب الدولة.

الرئيس .. النووي

وأضاف:

– لذلك فالقرار الوطني المستقل لا يمكن أن يكون موجوداً طالما ان هناك ثلاث دويلات ترتبط بمرجعيات خارجية. واليوم يقال ان الأجواء جيدة بالنسبة للملف النووي الإيراني، مما ينعكس إيجاباً على لبنان.. وهنا أسأل: هل أصبح انتخاب رئيس جمهوريتنا مرتبطاً بالملف النووي الإيراني؟! فانتخاب الرئيس أصبح للأسف موضوعاً نووياً وهذا شيء مضحك..

ــ العماد ميشال عون طرح فكرة أن تنحصر الرئاسة بينه وبين الدكتور سمير جعجع الذي رحب بها فيما رفضت باقي مكونات 14 آذار هذا الأمر. فكيف قرأت ذلك؟

– كيف يمكن وضع قيود وشروط على البرلمان خاصة في مسألة انتخاب الرئيس وهو سيد نفسه ويستطيع أن يفعل ما يشاء؟! فهناك شيء مبدئي ومنطقي ولا يجوز أن تضيع المفاهيم عندنا بهذا الشكل.

ــ وماذا عن الطرح القاضي بإجراء استفتاء عند المسيحيين برعاية بكركي؟

– الأمر نفسه، فهل نغير الدستور؟!

ــ ألا يفترض إذاً اللجوء الى انتخاب الرئيس من الشعب كما اقترح العماد عون لتحاشي المأزق الذي نعاني منه لاسيما لجهة تأمين نصاب الثلثين؟

– انتخاب الرئيس من الشعب يعني تحويل نظامنا من برلماني الى رئاسي.. فكل نظام يعكس البيئة التي يمثلها، والنظام الرئاسي سائد في أميركا، فهل يا ترى يناسب لبنان؟! وماذا لو فعلنا ذلك وترشح السيد حسن نصر الله، ألا يفوز بالتأكيد؟! أما عن تصويت المسيحيين  وحدهم فهذا يعني أن هناك فئة بسمنة وفئة أخرى بزيت.. فهذه هرطقة، وإذا انتخب الرئيس من الشعب فهل يستطيع أحد الوقوف في وجهه طالما آنذاك يملك كل الصلاحيات ويعيّن من يشاء ويسمي من يشاء كرئيس للحكومة؟ فهذا طرح يخلق أزمة طائفية قد تجر الى حرب أهلية، وبالتالي فلا رئيس إلا إذا كان توافقياً…

ــ البعض يقول هنا إن رئيس المجلس يختاره الشيعة، والرئيس بري يعكس ذلك، والسنة يختارون رئيس الحكومة وحكماً الرئيس سعد الحريري يعكس ذلك، فيما لا يسمي المسيحيون الرئيس الماروني. فماذا عن هذه المعادلة؟

– هذا ما نريده والرئيس بري رجل توافقي على كل حال، والرئيس القوي عادة هو بمدى قبوله لدى الطوائف الأخرى، وليس بحجم ما يمثله داخل طائفته فقط. فالرئيس فؤاد شهاب كان أضعف الرؤساء مسيحياً لكنه كان أقوى الرؤساء اللبنانيين لأنه محبوب من كل الطوائف بدءاً من المسلمين، والشيخ بشارة الخوري ينطبق الأمر نفسه عليه، والرئيس كميل شمعون عندما بدأ كان محبوباً عند المسلمين أكثر من المسيحيين لأنه كان فتى العروبة الأغر.

ــ ألا ترى ملامح لرئيس قبل انتهاء السنة؟

– طبعاً يجب انتخاب رئيس الجمهورية اليوم قبل الغد، لكن الانتخاب لا معنى له إلا إذا كان جزءاً من عمل أوسع منه، أعني بذلك إعادة ترميم الدولة اللبنانية، لأنه لو أتى رئيس جديد لن يغيّر شيئاً في الواقع القائم، وبالأمس كان لدينا رئيس، فماذا استطاع أن يفعل؟!

ــ ومن هو الرئيس التوافقي القوي الذي تطرحه؟

– هو الرئيس القوي إسلامياً بقدر ما هو قوي مسيحياً، ولذلك فانتخاب الرئيس يجب أن يكون خطوة للخروج من سلم الاصطفافات ومحاولة ترميم الدولة اللبنانية ككل، وبالتالي فالرئيس التوافقي هو الخيار الأوحد، وقد علمتنا التجارب ذلك.

عبد الناصر والخيمة الحدودية ووساطة الحاج حسين

ــ من يحميه؟

– يحميه الجيش وليست جماعته، فالرئيس قوي بقبول الآخرين به، فعندما جاء فؤاد شهاب كان لديه فريق عمل أساسي يدعمه، وكلنا نتذكر اجتماعه مع جمال عبد الناصر في الخيمة عند الحدود مع سوريا إبان الوحدة.. فمن كان يتصور أن يجتمع الرئيسان في خيمة عند الحدود وكيف يمكن أن يقبل عبد الناصر بذلك؟

ــ ما الذي حصل حتى حدث هذا الأمر، لا سيما وانك كنت تدور في الفلك الشهابي؟

– جمال عبد الناصر كان عملاقاً يندر مثيله، وما حدث أن الرئيس فؤاد شهاب أرسل اللواء أحمد الحاج الى دمشق ليخبر المسؤولين هناك انه يريد الاجتماع بعبد الناصر شرط ان يجتمع به عند الحدود، فذهب أحمد الحاج والتقى بعبد الحميد السراج وفاتحه بالموضوع، لكن ردة فعل السراج كانت عنيفة واتهم أحمد الحاج بالجنون لمفاتحته بموضوع الاجتماع عند الحدود وطرده بشكل مهين، فعاد أحمد الحاج وأخبر الرئيس شهاب بما حصل، فلم يزعل ويتأثر، بل اتصل بالحاج حسين العويني وأخبره بما حصل، فما كان من الحاج حسين الا أن اتصل بأحد الضباط الأحرار المقربين منه ويدعى عبد المحسن أبو النور وأخبره بتفاصيل الحادثة، فغضب أبو النور وأخبر عبد الناصر بالقصة، وما حصل أن أبا النور اتصل بالحاج حسين وقال له ان الرئيس عبد الناصر زعل وهو تحت تصرف الرئيس شهاب ساعة يريد وأينما يريد الاجتماع، وحصل اجتماع الخيمة..  فهذا هو الرئيس الذي يفهم ويتفهّم، وهو كسب ود المسيحيين وجعل شهاب قوياً، لا بل ارتبط شهاب بعبد الناصر الى حدٍ كبير.. فهذه هي قوة الرئيس المتمثلة بصداقاته وانفتاحه على المسلمين، وهذا هو الرئيس التوافقي.

ــ على ذكر مصر، هل ترى ان الرئيس عبد الفتاح السيسي من الممكن أن يلعب دور عبد الناصر؟

– من الصعب أن يحصل ذلك، علماً ان مصر عنصر توازن مهم في المنطقة.

ــ تتحدث عن الرئيس التوافقي المطلوب وسبق أن جاء الرئيس ميشال سليمان من رحم التوافق ولم يفعل شيئاً، لا بل تحول في نظر البعض الى فريق. فهل تجربته ليست ناجحة؟

– صحيح، فالرئيس القوي هو الذي يعتبر انتخابه جزءاً من عملية ترميم الدولة اللبنانية، ويأتي الى الحكم على رأس سيبة من الحلفاء السياسيين الأقوياء، والرئيس سليمان دخل مع أم العريس وخرج مع أم العروس، فهو مع احترامنا له ليس النموذج للرئيس الناجح.

ــ نأتي الى كتابك <الفوضى في لبنان والتفكك في سوريا>، ونسألك عن قضية القرارين المتعلقين بإلغاء شبكة اتصالات حزب الله وإقصاء رئيس جهاز أمن المطار المرحوم وفيق شقير اللذين اتخذتهما حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الذي ردّ عليك ونفى ان يكون هو من أصرّ عليهما، كما ذكرت في الكتاب. فهل تشرح لنا ذلك؟

– هذا صحيح، فالطاولة المستديرة التي عقدت خلال توقيع الكتاب كانت جيدة، تحدث فيها الرئيس السنيورة وسركيس نعوم ومروان اسكندر وسمير فرنجية، وكنت سعيداً بهذا النقاش وذلك الانتقاد الذي حصل، وأنا عشت هذه الفترة واعتبرت أن رئيس الحكومة مسؤول عن قرار الحكومة، لكن ما حصل هو اننا كنا 17 وزيراً بعدما استقال الوزراء الخمسة. وعندما طرح الموضوع أصرّ اربعة وزراء على اتخاذ القرارين تحت طائلة تقديم استقالاتهم، وبالتالي إذا استقال أي وزير فرطت الحكومة كلها، فاضطر السنيورة للموافقة رغم التحذير من نتائج اتخاذ مثل هذين القرارين. والأنكى من ذلك انه بعد حادثة 7 أيار/ مايو 2008، أصرّ الوزراء الأربعة أنفسهم على اتخاذ قرار بالتراجع عن القرارين تحت التهديد بالاستقالة أيضاً، وكلفنا قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان بأن يتولى هذه المسألة. وأنا كنت صديقاً لوفيق شقير لأنه كان مرافقاً للرئيس الياس سركيس وكنت أحبه ولا أريد اتخاذ مثل هذا القرار ضده، ولذلك سألت عما إذا كنا نستطيع تنفيذ القرارين أو لا نملك القدرة على ذلك، واقترحت تكليف قيادة الجيش بذلك، لكن لم يرد أحد عليّ واعتقد البعض انني أريد توريط قائد الجيش لكن ما حصل أنهم فوّضوه باتخاذ ما يلزم ولم يقبلوا معي حتى باستشارته.