23 February,2018

حزب الكتائب أتقن ”توزيع الأدوار“... والوزراء الثلاثة لم يستقيلوا...

ترددات ”القرار الكبير“ الذي أنتج حكومة سلام انسحبت على مناقشات الثقة لأن مفاعيل ”التسوية“ مستمرة!

1

15 ساعة من المناقشات تحدث خلالها 35 نائباً، انتهت بعدها جلسات الثقة بحكومة الرئيس تمام سلام، بحضور 101 نائباً منح 96 منهم الثقة وحجـبها 4 وامتـنع واحد!

هذا باختصار ما حصل في مجلس النواب الاسبوع الماضي على مدى يومين لم يشهدا اي مفاجأة سياسية، ولا خرجت الخطب فيهما عن المألوف، خلافاً لما كان يحصل في جلسات مماثلة قبل سنوات. إنها <التسوية> التي نجحت في تشكيل الحكومة بعد 10 أشهر وبضعة أيام، وسهّلت إعداد صيغة البيان الوزاري قبل ثلاثة أيام من انتهاء المهلة الدستورية، وحضرت <ملائكتها> في ساحة النجمة لتخرج الحكومة بثقة لم يشارك بعض <الاقطاب> في منحها، إذ سُجل غياب رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون وحليفه رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية، والنائب طلال أرسلان، إضافة الى نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، في وقت حضر الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة والنائب وليد جنبلاط والنائب ميشال المر وغيرهم.

جو الرتابة الذي ساد قاعة مجلس النواب على مدى يومين كانت تخرقه من حين الى آخر مداخلات من على المنبر ومن القاعة، لم تؤدِ الى <صدامات> كالتي كانت تسجل في السابق، ما يعني أن جميع من شارك في <التسوية> واستفاد منها في الحكومة ظل تحت <سقفها>، ومن خرج نسبياً سرعان ما كان يعود ليستمر النقاش في وجوهه السياسية والقانونية والانمائية ضمن الضوابط التي حددتها اصلاً <الخطوط الحمر> التي لم يتجاوزها الافرقاء <احتراماً> لرغبات من ساهموا في تذليل العقبات امام ولادة الحكومة الجديدة.

وإذا كان نواب <القوات اللبنانية> قد التزموا موقف قيادتهم في حجب الثقة وحضر 3 منهم خلال التصويت وتفرق رفاقهم الخمسة، فإن النائب نقولا فتوش برر في مطالعة دستورية وقانونية لافتة أسباب حجبه الثقة ليكون النائب الرابع الذي يتخذ هذا الموقف، في وقت آثر فيه نائب <الجماعة الاسلامية> عماد الحوت الامتناع عن التصويت في موقف أراد منه عدم إغضاب تيار <المستقبل> من خلال حجبه الثقة، وكذلك الالتزام بالمبادئ التي حددتها <الجماعة> لجهة عدم تأييد مشاركة حزب الله في الحكومة قبل انسحابه من سوريا.

قرار دولي لقي تجاوباً

أما نواب 8 و14 آذار فقد تناوبوا على ترداد عبارة <ثقة> خلال المناداة بأسمائهم متجاوزين كل ما قالوه في السابق، وبعضهم أعاد الاشارة اليه في المداخلات التي ألقاها، لاسيما وان كل من الفريقين يعتبر نفسه <رابحاً> من خلال تشكيل الحكومة على النحو الذي استقر في مراسيم 15 شباط (فبراير) 2014، علماً أنهم يعلمون علم اليقين أن <التسوية> اللغوية – السياسية حول بند المقاومة في البيان الوزاري ما كانت لتخرج من قاعة مجلس الوزراء في بعبدا، لولا قوة الدفع التي أتت من الخارج و<تجاوب> معها قادة الطرفين الذين تيقنوا من وجود <قرار دولي حاسم> بضرورة اكتمال شرعية الحكومة من خلال إنجاز البيان الوزاري ثم الحصول على الثقة في مجلس النواب، وذلك على خلفية قناعة المجتمع الدولي في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك والاستقرار في لبنان، بعد تداعيات الحرب السورية عليه نزوحاً ومواجهات مسلحة، لا سيما في طرابلس. ويسجل العارفون في هذا المجال دوراً مهماً لعبه الممثل الشخصي للامين العام للأمم المتحدة في بيروت السفير <ديريك بلامبلي> خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها للرئيس نبيه بري في عين التينة والتي خرج منها بـ<نصيحة> أسداها الى فريق 14 آذار بضرورة التجاوب مع الصيغة التي اقترحها الرئيس بري مع إدخال تعديلات <شكلية> عليها. كذلك كان على خط الاتصالات السفير الاميركي <ديفيد هيل> الذي شغّل هاتفه على نظام <الرومينغ> لتلقي اتصالات القيادات من بيروت، وهو في ألمانيا في طريقه الى الاجتماع الذي دعا إليه وزير الخارجية الاميركية <جون كيري> للسفراء الاميركيين المعتمدين في عدد من الدول.

توزيع أدوار كتائبي

ولعل أبرز <تجليات> الحرص الدولي على <كسح> الالغام من طريق الحكومة السلامية ظهر من خلال موقف حزب الكتائب الذي كان قد رفع سقف اعتراضه مهدداً باستقالة وزرائه الثلاثة من الحكومة، ثم سرعان ما عدّل في لهجته التصعيدية باحثاً عن <ضمانات> من رئيسي الجمهورية والحكومة <استثمرها> لتكون مخرجاً لتراجعه عن موقفه وإعطاء نوابه (باستثناء النائب نديم الجميل الذي غاب عن الجلسة)، الثقة للحكومة الجديدة، على الرغم من أن خطاب النائب سامي الجميل في معرض مناقشة البيان الوزاري تضمن مواقف حادة تجاه حزب الله، تجاوز فيها اللغة الكتائبية <المعتدلة> التي كانت تقارب كل ما يتصل بالحزب ومواقف السياسيين منه. وعلى الرغم من أن  كثيرين الصقوا بحزب الكتائب صفة <صاحب المواقف المتناقضة>، إلا أن الذين يعرفون الرئيس أمين الجميل لم يفاجئهم التصويت على الثقة، بعد كل ما قيل، ذلك أن الرئيس الاعلى للكتائب <خبير> في توزيع الادوار السياسية داخل حزبه لتكون له الكلمة الاخيرة التي تأخذ في الاعتبار الكثير من الحسابات التي لا يدرك <المتحمسون> في الحزب أهميتها ودورها في <القرار الأخير>. وفي هذا السياق، يقول مصدر في حزب الكتائب ان القرار باستقالة الوزراء كان من باب <الضغط ورفع السقف> ليس أكثر، لأن الحزب لم يكن ليفرط بالحصة الوازنة التي نالها في الحكومة للمرة الاولى في تاريخ الحزب الذي تمثل بثلاثة وزراء من أصل 12 وزيراً مسيحياً، وقد تتاح له فرصة إدارة شؤون البلاد من خلال الحكومة اذا ما آلت إليها صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل فراغ رئاسي يخشى كثيرون من وقوعه.

ولم ينكر المصدر الكتائبي أن في بعض ما صدر عن الحزب من مواقف منسوبها عالٍ، محاولة لتجاوز السقف العالي ايضاً الذي حددته القوات اللبنانية من خلال رفضها المشاركة في الحكومة السلامية ثم الاعلان عن حجبها للثقة عنها، وذلك في إطار <التنافس> المستمر على الشارع المسيحي بين الكتائب والقوات لاستقطاب من لم يتمكن التيار العوني من استقطابهم بعد. غير ان المصدر نفسه يؤكد أن الحزب لم يتراجع عن موقفه لو لم يتوصل رئيسه الى اتفاق مع الرئيس سلام خلال زيارته للسرايا يقضي ببقاء الوزراء الثلاثة في الحكومة على أن يضع الرئيس سلام مقدمة للبيان الوزاري، خارج إطار النص المكتوب، يشرح فيها دور الدولة ومسؤوليتها في حفظ الامن من خلال المؤسسات الامنية الشرعية، وهو ما حصل بالفعل على خلفية موقف خارج النص فرضته التطورات الامنية التي حصلت بعد احداث يبرود السورية. وهكذا تأكد مرة اخرى ان من يتخذ القرارات النهائية في حزب الكتائب هو رئيسه الاعلى الرئيس امين الجميل، وان ما يقال عن خلافات داخل المكتب السياسي تنتهي وفق إرادة الرئيس الاعلى للحزب الذي كشف امام زواره عن اتصال تلقاه من البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي جعله يعيد النظر في قرار الاستقالة ويسعى الى مخرج من خلال زيارتي قصر بعبدا والسرايا، يؤكد على <منطق الاعتدال> الذي يؤمن به الرئيس الجميل الأب والذي يقول مصدر قريب منه ان الاحداث والايام بحلوها ومرّها <عجنته> وخرج منها بالكثير من الدروس والعبر. فضلاً عن أن ثمة محطات سياسية لا ينساها الرئيس الجميل، ومن بينها يوم تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري عندما نزعت من الحزب حقيبة التربية واستبدلت بحقيبة الشؤون الاجتماعية (الوزير سليم الصايغ)، في حين حصلت القوات اللبنانية على وزيرين، ما أثار يومئذ نقاشاً واسعاً داخل الحزب انتصرت فيه إرادة الجميل الاب بالبقاء في الحكومة ولو بوزير واحد الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.. وقد قُضي الامر في حكومة الرئيس سلام وفق معادلة <واحدة بواحدة>!

مسيرة الحكومة سالكة وآمنة!

ومع انتهاء الفصل الاخير من <التسوية> الحكومية مع نيل الحكومة الثقة، تعتقد مصادر متابعة أن مسار <حكومة المصلحة الوطنية> سيكون <سالكاً وآمناً> لتجاوز <المطبات> التي يمكن أن تعترضها في الآتي من الايام، لاسيما عند طرح مواضيع خلافية على طاولة مجلس الوزارء، وذلك لان <القرار الكبير> الذي أنتج الحكومة لا يزال ساري المفعول وان الرغبة الداخلية – الخارجية في المحافظة  على حد أدنى من تماسك الدولة لا تزال قائمة، وهذا الانطباع يؤيده الرئيس سلام الذي بدا مرتاحاً بعد انتهاء جلسات الثقة التي كادت حكومته ألا تصل اليها لو قدم استقالته كما كان يعتزم، بعد تعثر الوصول الى تسوية للمقطع الخاص بالمقاومة في البيان الوزاري، إلا أن <التسوية> التي حصلت حالت دون ذلك. وعليه فإن الرئيس سلام وضع أولويتين لحكومته: معالجة الوضع الامني، وتأمين المناخ الملائم لإجراء الانتخابات الرئاسية، وهو يعد بإيجابيات سيعمل على تحقيقها خلال الايام الباقية من عمر حكومته… إذا لم يكتب لها الله <عمراً جديداً> لملء الفراغ الرئاسي!

 

 

تركيز الاهتمام على صيغة ”المقاومة“ اسقطها سهواً

فقرة المحكمة الدولية في بيان حكومة سلام Copy Paste (أو نسخة طبق الأصل) عن صيغة حكومة ميقاتي!

بري ”أنقذ“ بيان حكومة ميقاتي بإضافة عبارة ”مبدئياً“.. والتاريخ  أعاد نفسه!

 

 

لأن همّ حكومة الرئيس تمام سلام انحصر خلال اعداد البيان الوزاري في الفقرة الخاصة بالمقاومة وسلاح حزب الله والمعادلة الذهبية <شعب وجيش ومقاومة>، فقد غابت الفقرة الخاصة بـ<المحكمة الدولية الخاصة بلبنان> عن الصيغة الاولى النهائية للبيان الوزاري التي وزعت على النواب، الى أن تم استدراكها في اللحظة الاخيرة حيث اضيفت فقرة حول المحكمة الدولية اثارت ملابسات اضافتها اعتراضاً لدى بعض النواب على الشكل وليس على المضمون، ما جعل الرئيس نبيه بري يتدخل مسانداً الرئيس تمام سلام في اعتبار غياب الفقرة الخاصة بالمحكمة خطأ طباعياً وليس اكثر، وتم تجاوز الامر في جلسة مناقشة البيان الوزاري.

إلا أن اللافت في الموضوع أن الفقرة حول المحكمة التي أضيفت على عجل الى البيان الوزاري هي الفقرة نفسها التي وردت في البيان الوزاري لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، صفحة 4 من البيان، حيث استعين بتقنية Copy Paste (نسخ وإلصاق) لإضافة الفقرة الى البيان من دون تغيير وهنا نصها:

<إن الحكومة، انطلاقاً من احترامها القرارات الدولية،تؤكد حرصها على جلاء الحقيقة وتبيانها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وستتابع مسار المحكمة الخاصة بلبنان التي انشئت مبدئياً لإحقاق الحق والعدالة، بعيداً عن أي تسييس أو انتقام، وبما لا ينعكس سلباً على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الاهلي>.

التاريخ يعيد نفسه!

ولدى الاطلاع على النص المضاف المنسوخ عن بيان حكومة ميقاتي، استذكر أحد الوزراء الذين شاركوا في اللجنة الوزارية التي صاغت بيان الحكومة الميقاتية، الجدل الذي نشأ قبل ثلاث سنوات داخل اللجنة حول الفقرة الخاصة بالمحكمة الدولية والتي كان يعرض وزراء حزب الله آنذاك اضافتها الى البيان، ما أخر اللجنة في إقرار البيان وسط اصرار من الرئيس ميقاتي على أن يتضمن بيان حكومته نصاً واضحاً يشير الى التزام الحكومة مسار المحكمة الدولية. ويضيف الوزير نفسه ان صيغاً عدة وضعت لإيجاد مخرج يمرر الاشارة الى المحكمة في البيان، لكنها لقيت في حينه اعتراضاً من وزراء حزب الله وعدد من الحلفاء، ما عطل جلسات لجنة صوغ البيان الوزاري مراراً، كما حصل بالنسبة الى اللجنة الوزارية في حكومة الرئيس سلام بالنسبة الى الفقرة الخاصة بـ<المقاومة>.

إلا أنه بعد تكرار الاجتماعات من دون التوصل الى صيغة نهائية، يقول الوزير نفسه، احضر الرئيس ميقاتي صيغة تمسك بها رافضاً التنازل عنها مهما كانت النتائج، الامر الذي دفع بالرئيس بري الى التدخل يومئذ لمساعدة ميقاتي في تذليل العقبات أمام النص، فأضاف عبارة <مبدئياً> على الصيغة الميقاتية (التي اعتمدتها حرفياً حكومة الرئيس سلام)، ما جعل الحكومة تتجاوز <قطوع> المحكمة الدولية وتقر بيانها الوزاري…

ولأن التاريخ يعيد نفسه في الحياة السياسية اللبنانية، تعطلت جلسات لجنة البيان الوزاري في حكومة الرئيس سلام وكاد رئيس الحكومة أن يقدم استقالته … إلى أن كانت الصيغة – المخرج حول المقاومة… برعاية مباشرة من الرئيس نبيه بري… هذه المرة أيضاً!