19 November,2018

حروب المنطقة أصبحت واجهة للحرب العالمية على المعادن!

 

بقلم خالد عوض

636395936949748634-640x640 (4)

واضحة جداً الخطة الدولية لتطويق الدولة الإرهابية في العراق والشام وكسر خطرها العسكري الهجومي وتقليم أظافرها وحصرها في بقعة جغرافية محدودة. ولكن كل الإشارات تؤكد أن ساعة القضاء عليها نهائيا لم تأزف بعد. المشهد السوريالي للإرهابيين وهم يخرجون بالباصات من الجرود اللبنانية إلى دير الزور بسلاحهم في عملية تبادل بين رفات شهداء الجيش هو جزء من هذا السيناريو: حاصروهم وأخرجوهم ولكن لا تنهوهم… مهمتهم لم تنته بعد!

هناك دور جغرافي مهم للدولة الإسلامية لا زال حيوياً من الناحية الاستراتيجية الاقتصادية ولا بد أن يكون جزءاً من التسوية الدولية والاقليمية الكبرى الآتية عاجلاً أو آجلاً. المنطقة التي لا زالت <داعش> تسيطر عليها هي منطقة آبار النفط السورية والمنطقة التي لا بد أن يمر بها خط الغاز الإيراني إلى أوروبا، هذا إن تحول هذا المشروع إلى حقيقة. وإذا كانت معركة الموصل قد استغرقت ما يقارب السنة ومعركة الرقة دخلت في شهرها الثالث فلن تكون معركة إنهاء آخر مركز للدولة المارقة في دير الزور نزهة، خاصة وأن هذه المنطقة اصبحت الملاذ الوحيد الباقي لآلاف الإرهابيين المتجمعين من الموصل والرقة وعدة مناطق أخرى. هؤلاء لن يجدوا مكانا جديدا يلجأون إليه وستكون معركتهم الأخيرة هي معركة حياة أو موت. لا شك أن قيادة الدولة الإرهابية تمتلك معلومات استراتيجية عن الثروات الاقتصادية في العراق وسوريا وتعرف أن الدول الكبرى ستتخاصم عليها إلى أن تقتسمها.

فالثروة الزراعية جذبتها إلى محافظتي الرقة والحسكة والثروة النفطية جعلتها تستقر في دير الزور. ولولا إصرار الروس على التحكم بكل مفاصل الغاز السوري لكانت <داعش> لا تزال اليوم في <تدمر>، المدينة التي تؤكد الدراسات الأولية أنها غنية بالغاز الدفين وبالمعادن، خاصة الفوسفات. لم تستمت الدولة الإرهابية لاحتلال <تدمر>، ولم يتدخل الروس مباشرة على الأرض لاسترجاعها من أجل الحفاظ على إرث الملكة <زنوبيا>.. كل ذلك كان من أجل الغاز والفوسفات الدفين فيها.

 ولو كان في جرود عرسال أو القاع أو رأس بعلبك أي ثروة معدنية لما كان من السهل إخراج <داعش> و<النصرة> منها بهذا <الانسياب> الملفت. كل ما في هذه الجرود بعض الصخر الذي ينفع أن يكون مصدراً للبحص أي مواد أولية لمصانع الإسمنت التي يتم التخطيط لها حالياً في محيط العاصمة السورية، وهذه لا تستأهل <تدخلاً دولياً>.

من التبسيط الجزم بأن كل ما يحصل في ليبيا واليمن وسوريا والعراق هو نتيجة المنافسة الأممية على الموارد النفطية والمعدنية في المنطقة. لا بد وأن يكون هناك أساس شرارة شعبية رفضية، دينية أو عرقية أو طبقية، تغذي الحرب وهذا ما حصل في منطقتنا. ولكن عندما تتطور هذه الحروب تتفتح الأطماع الاقتصادية بالموارد الموجودة وتصبح الإدارة الدولية للحرب رهينة المصالح الاقتصادية، وبالتحديد المعدنية، للدول 1489340720_8 الكبيرة.

هذا ما نشهده اليوم في سوريا وهذا ما على جميع الأفرقاء اللبنانيين الذين يختلفون اليوم على ما حصل في الجرود والطريقة التي انتهت بها المعركة هناك، أن يتذكروه. الإرهاب والإرهابيون هم اليوم بيدق بيد الدول الكبرى، تتحكم هي بالسلاح الذي يمر إليه وبالمناطق المسموح له أن يحتفظ بها، طبعاً حتى إشعار آخر، وحتى بمصيره النهائي. تحرير الجرود اللبنانية هو إنجاز بكل المقاييس، ودماء شهداء الجيش روت الجرود الجرداء بجرعة استقلال كبيرة.

لم يتخاذل الجيش اللبناني بقبوله بنتيجة المفاوضات مع الإرهابيين، ولم ينكسر حزب الله بقبوله بأن يمر قاتلو مجاهديه أمامه مرور الكرام وهو يعرف أنه ربما عليه أن يحارب هؤلاء أنفسهم من جديد إذ طُلب منه ذلك.

 السؤال ليس لماذا توقف الجيش عن القتال بل لماذا لم ينتحر هؤلاء المتخلون أساساً عن حياتهم وحياة عائلاتهم ولماذا لم يتابعوا الحرب حتى آخر رمق كما عرفناهم…أليس هذا دليلاً أن مهمتهم أو <تكليفهم> لم ينته بعد؟

المسألة هي تنفيذ استراتيجية، أكبر من لبنان والحزب، لإعادة توزيع للإرهاب في ما أصبح يسمى دولياً بالمناطق <المفيدة> وما سيتبين لاحقاً أنها المناطق المعدنية… وبدل أن يكون الشباب المضلل في خدمة وجهة نظر دينية متطرفة ينتحر لها، أصبح وقوداً رخيصاً لحرب أممية على ثروات دفينة…

المفاجأة في كل ما حصل ليس طريقة المساومة أو نقل الإرهابيين أو أي شيء من هذا، بل هو مستوى التضليل والعمى الإنساني الذي وصل إليه هؤلاء المختبئون في الحفر وبين الصخور والمنتقلون تحت جنحة الليل وحراسة النظام السوري إلى مغارات أخرى في دير الزور وغيرها، قد تكون أغنى ولكنها بالتأكيد أكثر ظلمة.